إضاءات على الهايكو
شِعْر أَمْ نَثْر .. اَلْهَايكُو فِي اَلْحَاضِنَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ ؟! (الجزء الثاني)

توفيق أبوخميس*
“إن الشعر يلتقط الوجود، ويحتسبه في ألفاظ، وأخيلة ويلون ذلك من خلال تجليات الإنسان حارس الوجود، وممثله .. إنه يعطي الأشكال والهيئات في كليتها، وعلينا البحث فيها عن الماهية”. 1
في البدء أيضاً أقول: الشعر ليس كلماتٍ تُقال، بل حياة تُسكب..
الشعر هو نَفَسُ القلوب حين تضيقُ بها الصدور، وهو لغة العقل حين يُريد أن يُفكّر بصوتٍ جهور. الشعرُ لا يُكتَب بالمداد وحده، بل تنقشه المعاناة على جدران الروح، ومن وهج نشوة، أو من حكمة تأمل، أو كتابة بمطرقة، على نحو التفلسف بالمطرقة عند “نيتشه”. في الماضي، رفض أبو نواس أن يغب ويشرب من ذات النهر الشعري الذي حدد مساره مسبقاً، مردداً مقولته الشهيرة: “يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه”. لقد رفض الشعرية التي كانت قد اختزلت الشعر في الأبنية الموسيقية، دون باقي الأبنية، وفي بناء طللي تتدرج فيه الأغراض، منتصراً بذلك للمضائق، حيث يبقى الوجود فيه الوجود خالداً ولا يفنى.
والحق أن الوجه الآخر للشعر، هو أنه شكّل، منذ القدم، وسيلة فعالة لتجسيد الفلسفة والحكمة، حيث يعبر عن مفاهيم فلسفية عميقة تجسد معاني الوجود والحياة، وتعمق الفهم البشري لكل ما يحيط به، ويقدمها بطرق شاعرية تثير العواطف وتفتح آفاق واسعة من التفكير.
تتنوع الغايات الفلسفية للشعر بتنوع السياقات وتعاقب الأزمان والعصور، ومن بينها: التأمل والتفكير العميق في مختلف جوانب الحياة والوجود، من خلال إستخدام اللغة الشعرية والرمزية، بما يجعل الشاعر يحرض المتلقي على التفكير في معاني الحياة والموت، والحب والفقدان، وغيرها من المواضيع الأساسية التي تهم الوجود البشري، بل إن الشعر هو الوسيلة الأنجع والأكثر تعبيرا عن الجمال والإبداع، كدالتين فلسفيين، حيث يستخدم الشاعر فيه اللغة والصور الشعرية ليصور للمتلقي حَيَوات جديدة مُفْعَمَة بالجمال والإبداع.
والشعر يكون بذلك، هو ما يعكس قدرة الإنسان على خلق الجمال وتجسيده بأبهى صوره، وبالإضافة الى كونه يعمل على تعزيز وترسيخ الوجودية والروحانية لدى الإنسان، بحيث يساعده على التواصل مع عوالمه الداخلية والوجدانية ويسبر غور هذه الذات التائهة، من خلال تشعبات الحياة، وهذا من خلال قصائد الشاعر التي تقدم رؤى وتجارب تعزز الوجودية الإنسانية، وتعمق قيمها الروحانية والتواصل مع اللاوعي.
وباختصار شديد، يعتبر الشعر، ليس فقط، وسيلة للتعبير عن المشاعر وسبك الأفكار، بل هو أيضاً، وهذا هو الأهم، أداة فلسفية مؤثرة تعمل على تعزيز الوعي والتفكير العميق في مختلف انحاء الحياة والوجود، وذلك في سبيل خلق فهم أعمق للإنسانية وللوجود من حولنا.
“الأجناس الأدبية هي عبارة عن مجموعة من الأعمال الأدبية التي تصب في قوالب حسب خصائص مشتركة تبعاً إما لشكلها الخارجي(بناء وطول العمل) أو لشكلها الداخلي (مضمون وأسلوب العمل) وقديماً اقتصر النقاد القدامى إلى تقسيم الكلام إلى جنسين كبيرين متميزين هما: الشعر والنثر”. 2
أما في زمننا هذا فتشعبت فروع عدة من الشعر والنثر ولكل فرع من هذه الفروع خصائصه الخاصة به التي يتميز بها عن الآخر .. وعن الشعر هناك العمودي والحر والنثري والهايكو والومضة الشعرية والشذرة…
ويعرف الشعر العمودي بأنه : هو الكلام الموزون على أحد بحور الشعر والمقفّى، والمحتوي على الصّفات الجمالية والدلالات الرمزية لوصف موضوع مُعيّن
وفي الشعر العمودي أيضاً يجب على الشاعر أن يتقيّد بخصائص هذا الشعر، فعليه أن يجعل تعبير إبداعه رهيناً بالوزن، كما أن القافية لا تكفي بأن تكون موحدةً بل لابد من وحدة ضبطها كسراً أو ضماً أو فتحا، وذلك مقيد بالموقع الإعرابي المفردة الأخيرة في عجز البيت الشعري، فتلك خصائص عليه الالتزام بها وإلا كان نصه نشازاً.
ويجدر بنا الإشارة هنا إلى أن الهايكو له خصوصيته أيضاً وله اشتراطاته ولغته ومعجميته التي يكتب بها حاله حال كل الأجناس الأدبية المتعارف عليها في هذا العالم ..
وسؤالنا المطروح هنا .. ا شِعْر أَمْ نَثْر .. اَلْهَايكُو فِي اَلْحَاضِنَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ ؟! وكيف لنا أن نجنسه ضمن حقول الآداب وأغلب ثقافات العالم تلزمه بخانة الشعر ؟!
وللحديث بقية …
هوامش:
1- مارتن هايدجر: فيلسوف ألماني عُرِفَ الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (1889م ـ 1976م)، لدى قرَّاء العربية منذ ما يقرب من نصف قرن، وقد ترجمت بعض محاضراته وأبحاثه إلى اللغة العربية، تميز هايدغر بغزارة إنتاجه الفكري؛ حيث بلغ ما صدر من أجزاء لأعماله الكاملة نحو أربعة وسبعين مجلداً. وقد تنوعت أبحاثه وتعددت حتى غطت شتى المباحث الفلسفية تقريباً
2- “رشيد وديجي”، قراءة في إشكالية نظرية الأجناس الأدبية، صفحة 275. بتصرّف
شاعر وناقد من الأردن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي