تطوان نفحات الأندلس: الفنيدق والمضيق بانوراما على الوقت (الجزء الثالث)

الحسن الگامَح*
لماذا الشعر…؟
(هي المدينة فاتحة صدرها للمتوسط
تراقب ما بعده
من مدن بيضاء تمتد في صخب
تنشد تعاويذ الغربة والغيابِ
هي الفنيدق في سكونها سكينةٌ
وفي ازدحامها اليومي انتعاش
يغري العين في انسيابِ
يا أيتها المدينة التي جئتها صامتا
فصرت أخجل من صمتي
على ضفاف موجات الاستعجابِ)[1]
الكتابة عن تطوان تعني بالضرورة الكتابة عن المناطق المجاورة لها، التي تعرف رواجا مكثفاً خلال العطلة الصيفية، وعلى سبيل الذكر لا الحصر : الفنيدق، المضيق، مارتيل، وواد لاو. هذه المدن الساحلية الصغيرة تعرف انتعاشاً استثنائياً خلال هذا الفصل. ومن عاداتنا، أننا كنا في كل مصيف نستقر في مارتيل، ونزور دوماً الفنيدق للتبضع بحكم قربها من سبتة المحتلة، إذ تباع البضائع الأوروبية أو الإسبانية هناك بكميات كبيرة، لدرجة أنه من الصعب التجول في سوق المسيرة أو السوق البلدي بكل أريحية نظراً للزحام الذي تعرفه.
وأصل كلمة “الفنيدق” يعود إلى اللغة العربية، وهي تصغير لكلمة “فندق”. يُعزى الاسم إلى وجود فندق صغير أو نقطة استراحة للمسافرين، مما أدى إلى تسمية المدينة بهذا الاسم الذي يعني حرفيًا “الفندق الصغير”. وهناك تفسير ثان لأصل اسمها، إذ يُعتقد أن أصلها إغريقي وهو (Pondokeion)، ويعني الخان أو النزل. تُعدّ الفنيدق بوابة المغرب إلى أوروبا بعد سبتة المحتلة، وذلك لموقعها الاستراتيجي على الساحل الشمالي. هذا القرب الجغرافي جعل منها مدينة تجارية وسياحية نابضة بالحياة، حيث تتدفق عليها أعداد كبيرة من الزوار من داخل المغرب وخارجه.
(يقابلني المتوسط
وأمتد أراقب الشط الطويل
لا يحده سوى البناياتُ
التي امتدت هي الأخرى مع الشط
لا تحيد عنه إلا في سرابِ
هنا في المضيقِ يستقيم الموج على سطح الماء
لا يميل يمنة ولا يسرة
كأنه آمن أنه مستو بين الإطرابِ)[2]
المضيق هي كلمة عربية فصيحة، وتعني الممر الضيق أو المضيق البحري. يُعتقد أن تسمية المدينة بهذا الاسم جاءت من موقعها الجغرافي، حيث تقع على ساحل ضيق أو خليج صغير يربط بين البحر واليابسة، مما يمنحها مظهر “المضيق” أو الممر المائي. تُعدّ مدينة المضيق وجهة سياحية متميزة تجمع بين جمال الطبيعة والأجواء الحيوية، وتُعد ملاذاً مثالياً للباحثين عن الهدوء والاستجمام في فصل الصيف.
في المضيق، غالباً ما نبدأ جولتنا بين المتاجر للتبضع، وكنت أفضل أن أزور الدكاكين التي تبيع الأواني النحاسية المستوردة. وبعد ذلك، نتناول وجبة الغداء في المطاعم المصطفة على طول الشارع الضيق، والتي تقدم أشهى المأكولات البحرية الطازجة والمأكولات الأخرى.
وبالطبع، لا تكتمل أي جولة في المضيق دون زيارة شاطئها الرئيسي، الذي يتميز برماله الذهبية ومياهه الهادئة والصافية، مما يجعله مثالياً للسباحة وممارسة الرياضات المائية. وفي أوقات المساء، تتحول المدينة إلى لوحة حية، لكن قليلاً ما كنا ننتقل إلى الشط للسباحة بقدر ما كنت أفضل جمع المحارات وهي مجتمعة عند المرساة.
ثم نبدأ جولة أخرى على الكورنيش الذي يُعتبر القلب النابض للمدينة، حيث تمتد مساحة واسعة للمشي والاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة. إنه المكان الأمثل لمشاهدة غروب الشمس، والتقاط الصور التذكارية، أو حتى الاسترخاء على المقاعد المنتشرة على طول الطريق. كنا نجلس في المقهى المستوي بين الموجات، المبني بالخشب، وننتظر غروب الشمس، وتطرق القصيدة نبضك فتأتيك كأنها موجات هادئة تزرع فيك السكينة والاطمئنان الكلي، وتسترخي إليها كي تلامس روحك العطشى. وحين تشعل المدينة أضواءها الفاتنة، تزداد بهاءً، فنقوم بجولة ليلية على الكورنيش قبل أن نعود إلى مارتيل حيث نستقر.
(جالسا أجالس القصيدة في هدوء
وهي تكتبني على غروب فاتنٍ
يرويني من عطش الانسياب
كي أنسى وحشة الوقت
وقسوة الموت
وهي تدنو من الأرواح إلى ظلمة الغيابِ
هنا أتصالح في وله مع روحي
وأقرأ ذاتي تغازل موجات العمرِ
لألقى سكينة الوصل بين نبض القلوب وصوت الاحتجابِ )[3]
[1] من قصيدة: تطوان ملاذ العاشقين
[2] نفس القصيدة
[3] نفس القصيدة
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي