انمساخ الأنا في عصر الحداثة السائلة

محمد الباسط*
توطئة مفهومية
إن سمة العصور التغير المستمر. لهذا تجد كل عصر يختلف عن العصر الذي يسبقه أو الذي يليه من حيث الخصوصيات بالرغم من حضور ثنائية التأثير والتأثر. ولعل العامل الرئيسي الذي يسهم في هذا الاختلاف الحاصل هو تلكم المتغيرات التي ترافق كل عصر على حدة وتجعل الأنا ممزقة بين مقاومة التقليد وجاذبية الحداثة. هذه الحالة التي تعيشها الأنا – بالخصوص في عصرنا الحالي – تجعلنا نتساءل بين الفينة والأخرى : هل يمكن لهذه الأنا الحفاظ على ثباتها في ظل ما يطرأ على المجتمعات من تحولات ؟
ينقسم المجتمع الإنساني إلى ثلاثة أصناف : الفئة الأولى تسعى، بكل ما أوتيت من قوة، إلى التشبث بالتقليد، بينما تحرص الفئة الثانية على مواكبة الحداثة بما يرافقها من تجديد وتحديث. وبين هاته وتلك، تحاول الفئة الثالثة إمساك العصا من الوسط والتوفيق بين الأمرين، أي بين التقليد والحداثة. وبالتالي، فهي تتخير من الظاهرة الأولى ما يخدم مصالحها وتأخد من الثانية ما يوافق مبادئها وأهدافها. بيد أن مقاربة واقع الإنسان من الزاوية السوسيولوجية يثبت بوضوح اختفاء الفئة الأولى تدريجيا في خضم التطورات التي يشهدها المجتمع. وهكذا، نجد أنفسنا أمام فئتين فقط، الثانية والثالثة. إذن الحداثة، في هذا السياق، أصبحت تفرض نفسها بقوة في تحديد السيرورة التاريخية بل أصبحت هذه الحداثة بدورها متغيرة بحيث نتحدث اليوم عما بعد الحداثة أو بالأحرى ما يُطلِق عليه عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومن اسم “الحداثة السائلة”.
لنتفق أولا على أن فهم كل من “الحداثة” و”ما بعد الحداثة” يبدأ أساسا بتحديد وضبط المفاهيم :
فما المقصود بالحداثة وما بعد الحداثة ؟ وهل يحق لنا اليوم، على ضوء ما يحدث من تغيرات، استخدام مفهوم “ما بعد الحداثة” بمعناه المتداول ؟
إن المفهوم بوصفه أداة إجرائية منهجية في الدرس الابستيمولوجي يرتبط أنطولوجيا بالحقل الذي يستعمل فيه، بحيث يكتسي هذا الأخير صبغة دلالية تتباين تدريجيا حسب السياق التداولي. بالنسبة إلى مفهوم “الأنا” فهو يتباين نسبيا تبعا للحقل الذي يوظف فيه. فدلالة الأنا في الحقل الفلسفي مثلا تختلف نسبيا عن معناها في الحقل السيكولوجي. فالكوجيطو الديكارتي “أنا أفكر، إذن أنا موجود” على سبيل المثال لا الحصر يشير بشكل أوضح إلى الأنا كذات مفكرة وواعية ومدركة قادرة على ممارسة فعل التفكير المقرون بالشك. إنها، في نظره، الأنا القادرة على الاعتراف بنفسها واثبات وجودها دونما حاجة إلى الغير. في المقابل، يُلبِسها فرويد معنى يكاد يكون مختلفا نوعا ما، بحيث جعلها بمنزلة الوسيط بين الهو الدال على الشهوات وملذات العالم الخارجي والأنا الأعلى أو الأنا الأخلاقي الدال على تلكم القوانين والأخلاق والقيم التي توجه سلوك الفرد داخل المجتمع.
ومنه، سنركز بشكل أساسي، في هذه الدراسة المتواضعة، على التحولات التي تعرفها الأنا في عصرنا الحالي المتسم باللاثبات. ولبلوغ هاته الغاية سنحاول قبل كل شيء التدقيق في مفهومي “الحداثة” و”الحداثة السائلة”. في هذا الصدد، يجدر بنا الإشارة إلى أن مفهوم “الحداثة” متسم بنوع من الغموض والضبابية. وللخوض فيه بطريقة علمية ومنهجية، سنعتمد مقاربة سوسيوتاريخية بغية تحديده واستيعابه. إن الحداثة من حيث دلالتها التاريخية تدل على وصف للحظة زمنية محددة ومن حيث دلالتها الثقافية تعني وصفا لنوع من الأفكار والقيم التي استجدت في تاريخ أوروبا. وبهذا، فدلالة الحداثة في الحقل الفلسفي أو السوسيولوجي أو الأدبي تتباين إلى حد ما، إذ أن الحداثة في علم الاجتماع ليست هي نفسها في الشعر مثلا بالرغم من إحالة هذا المفهوم في دلالته المعجمية واللغوية على التغير والتحول.
إذن، وكما أسلفنا الذكر، فالمفهومان من الناحية السوسيولوجية – وهي التي تهمنا في هذه الحالة – يدلان في جوهرهما على زمنين أو مرحلتين أعقبتا مرحلة الجمود العقلي الذي كرسه الكهنوت الديني، أي بتعبير آخر، هما مفهومان يتخذان من مفهومي “الإذابة” و”مركزية العقل” عموديهما الفقريين. فإذا كانت الحداثة انقلابا على القوالب الصلبة كلها التي شكلها الكهنوت الديني واضعة مكانها قوالب جديدة تنسجم والعقلَ الإنساني، فالحداثة السائلة هنا تشير إلى إذابة هذه القوالب الجديدة مرة أخرى. بمعنى أن صهريج الإذابة الأول يعيد تشكيل نفسه من جديد.
وتبعا لهذا المنطق، لا يستقيم أن نصف “ما بعد الحداثة” بمرحلة الثبات بعد أن كانت الحداثة نفسها تجسيدا للثبات من قبل. ومنه، يمكننا القول إن الحداثة تمثل نقطة تقاطع الأبدي والعابر إذا ما نحن استعرنا مقولة الشاعر الفرنسي شارل بودلير وهي المقولة نفسها التي فسرها مواطنه الفيلسوف ميشيل فوكو بنقطة تقاطع الثابت والمتغير. وبهذا المنطق، لا تعدو الحداثة كونها قنطرة أو برزخا، إذ أن كل مرحلة فيها هي مؤقتة وعابرة بالنسبة إلى المرحلة التي تليها وهكذا دواليك. وبالتالي، لا يمكن للحداثة أن تتخذ شكلا ثابتا ونهائيا. لكل هذه الأسباب، يبرز مفهوم “الحداثة السائلة” الذي أسس له عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومن كمفهوم نموذجي للتعبير عن مرحلة اللاثبات أو التغير المستمر الذي يعرفها المجتمع.
أولا : الأنا وثنائية الدين والأخلاق
لا نختلف قطعا في أن العقل هو الملكة الأساسية التي بها يتميز الإنسان عن الحيوان، بتعبير آخر، هو الملكة التي تسمح لهذا الحيوان العاقل المفكر بتأمل ذاته أولا قبل التفكر في العالم الخارجي. بيد أن التفلسف كفعل إنساني صرف قديم قدم الإنسان على هذه الأرض لم ينل الاهتمام الذي يستحقه إلا في العصر القديم وبالخصوص مع ذيوع صيت الفلسفة اليونانية القديمة التي تعد، إلى حدود يومنا هذا، مصدر الأدوات المنهجية الموظفة في مقاربة الأسئلة الفلسفية الكبرى. وفي هذا الصدد، يبرز سؤال ثبات الأنا من عدمه، على مر التاريخ، كواحد من هذه الأسئلة التي حظيت باهتمام الفلاسفة القدماء منهم والمعاصرين. ولعل من ضمن الإشكاليات الكبرى التي حاول هؤلاء الفلاسفة مقاربتها مقاربة شاملة علاقة الدين بالأنا التي تشكل نقطة تقاطع وتلاق بين ثلاثة مباحث رئيسية في الفلسفة وهي الوجود والمعرفة والأخلاق. فهل يا ترى تعيش هذه الأنا في ظل الحداثة السائلة حالة اتصال أم انفصال في علاقتها بالدين ؟
- الأنا والدين : اتصال أم انفصال ؟
في القديم، كان ينظر إلى علاقة الدين والأنا بوصفها علاقة وجودية حتمية. ولهذا، تجد أن الإنسان تفنن، على مر التاريخ، في خلق نظام من المعتقدات والممارسات المرتبطة أساسا بمفهوم العالم الروحاني والإلهي، بل ذهبت هذه الأنا إلى خلق أصنام تجسد في نظرها الذات الإلهية أو القوة الخارقة والقاهرة المتحكمة في مصير العالم. إن تعلق الأنا بهذا العالم الميتافيزيقي يجد مبرره في كون هذه الأخيرة تعيش حالة من الظمأ الأنطولوجي والفراغ الروحي. وقد عرفت البشرية على امتداد زمن تاريخي يمتد من العصر القديم إلى حدود العصر الوسيط هيمنة مطلقة للدين بمختلف تلاوينه على شؤون الناس كافة. هذا، ويمكن لدارس التاريخ أن يتبين بسهولة كبيرة إلى أي مدى كانت الرقابة الدينية متحكمة في توجيه سلوك الإنسان، بحيث تعرضت الأنا المتمردة على المعايير المفروضة إلى أنواع شتى من التنكيل وصلت إلى حد الحرق والصلب أحيانا والاتهام بالهرطقة والردة أحيانا أخرى. ولكي تتضح صورة القطيعة مع الدين جليا، سنكتفي في هذا الصدد بالتركيز على الديانات السماوية الثلاث على سبيل المثال لا الحصر. البداية ستكون بالديانة اليهودية التي تعد أولى الديانات السماوية.
يرجع السبب الرئيسي في تراجع قوة هاته الديانة إلى ذلكم الصراع الداخلي بين القبائل المكونة لشعب الله المختار. ولا اختلاف في أن بذرة هذا التطاحن مردها إلى انقسام البيت اليهودي إلى شيع دينية متنافرة إلى حد كبير : فمن جهة تجد طائفة الأرثوذكس والمحافظين، ومن جهة أخرى تجد طائفة الإصلاحيين والمجددين، وبين هاته وتلك تعيش الأنا “اليهودية” حالة من التيه والضياع تصل حد الشعور بالاغتراب. إذن، المتأمل في سيرورة هذه الأحداث التاريخية يمكنه الاستنتاج أن الأنا أحدثت نوعا من القطيعة مع الدين -قبل بزوغ فجر الحداثة- في ظل الفراغ الروحي الذي تسببت فيه النزعة الطائفية. والأمر سيان بالنسبة إلى الديانة المسيحية. هذه الأخيرة أسهمت كثيرا في تقويض الروح البشرية، فشتان بين روح المسيحية التي وضع أسسها المسيح عليه السلام والقوانين التي وضعها الرهبان بعد أن فصَّلُوها على مقاسهم خدمة لمصالحهم الشخصية. كما أن التاريخ ما زال شاهدا على محاكم التفتيش التي صالت وجالت باحثة عن كل من يتجرأ على انتقادها أو التفكير في تعديل شرائعها.
هذه التصرفات الشنيعة اللاإنسانية فرضت على الأنا “المسيحية” البحث عن بديل يسمح لها بالانعتاق من سطوة الكهنوت الديني. وهكذا كان عصر الحداثة الذي دشنه الفيلسوف الفرنسي رونيه ديكارت انقلابا على تلكم القوالب الصلبة الكهنوتية. لم يكن التخلص من طغيان الكنيسة المسيحية أمرا سهلا بل كان ثمرة مخاض طويل وحرب ضروس بين أتباع الكنيسة الكاثوليكية وأتباع مارتن لوثر وجان كالفان البروتستانتيين، حرب خلفت عددا لا يعد ولا يحصى من الضحايا. في الجانب الآخر، عرفت الأنا “الإسلامية” هي الأخرى نوعا من الاضطهاد على مر التاريخ الإسلامي. فبمجرد انتهاء عهد الخلافة الراشدة، تشكلت طوائف عدة تدعي كل واحدة منها أنها المحافظ الوحيد بل الأوحد على الدين الإسلامي. وإذا ما أنت غربلتها وجدت أن الإسلام من معظمها -إن لم نقل من كلها- براء. هذا سني وذاك شيعي وفلان حنبلي وعلان سلفي، هكذا تحول الإسلام على غرار الديانتين سالفتي الذكر إلى شيع ومذاهب.
إن هذا الشتات الذي عرفه الدين الإسلامي أدخل الأنا “الإسلامية” في دوامة يصعب الخروج منها. وهنا حضرت الحداثة كبلسم شاف لهذه الندوب التي خلفها هذا التناحر المذهبي والطائفي. فالعقل الذي كان حريا بهذه الديانات تمجيده وتبجيله كونه القنطرة الرئيسية لإثبات وحدانية الله تعالى تعرض للإهمال والتهميش، فما كان من الحداثة إلا العمل على إعادة الأمور إلى نصابها وذلك بالإعلاء من منزلة التفكير وتكريس مركزية العقل ونبذ كل ما يتناقض مع هذا الأخير. لكن ما ترصده العين في زمننا الحاضر من تعطيل شبه كلي للممارسة الأخلاقية وانتهاك صارخ للأخلاق يضعنا أمام مفارقة جوهرية كبيرة : كيف لكبرياء العقل البشري التي كان حريا بها السمو بالأنا وصونها أن تهمل الأخلاق المسهمة في تكوين الهوية الشخصية ؟
- الأنا بين الممارسة الأخلاقية الحقة والانحلال الأخلاقي
الحديث اليوم عن علاقة الأنا بالأخلاق حديث ذو شجون. لم يكن التنظير للممارسة الأخلاقية أمرا يسيرا بالمرة لأن الهاجس الأول الذي كان يؤرق الفلاسفة على الدوام هو السؤال الأخلاقي وكيف للذات الإنسانية أن ترتقي وتسمو من خلال ممارسة الأخلاق كفعل لا محيد عنه في تشكيل هويتها والوعي بنفسها وبالتالي الإسهام في بناء وعي جماعي. لكن نظرة خاطفة للواقع المعيش تكشف الستار عن حالة من التدني والانحلال التي وصلت إليها هذه الأنا في خضم هذه التحولات التي يعرفها المجتمع. لطالما كان التأسيس للأخلاق الخطوة الأولى في طريق بناء إنسان سوي قادر على التفاعل إيجابا مع محيطه الاجتماعي. غير أن المتأمل في بنية مجتمع اليوم يمكن أن يلاحظ بكل وضوح التدهور الخطير للممارسة الأخلاقية، بحيث إن الأخلاق التي تطفو على السطح اليوم تعكس مدى الانحطاط الذي وصلت إليه الذات الإنسانية.
إن الفضيلة التي كانت تتربع على عرش الأخلاق سابقا أفسحت المكان مكرهة للرذيلة. نظريا، شكلت الأخلاق شعارا يتغنى به المجتمع في معظم المناسبات رسمية كانت أو غير رسمية لكن واقع الحال يثبت العكس تماما، إذ يمكننا بكل بساطة أن نرصد تلكم الفجوة السحيقة التي تفصل التنظير للأخلاق عن الممارسة الأخلاقية الفعلية. هذه المفارقة جعلت الأنا تعيش حالة من السكيزوفرينيا. فشتان بين ما ننادي به وبين ما نراه من انحلال أخلاقي. إن هذا الانحلال قلب كليا المعادلة الأخلاقية، فصارت الفضيلة رذيلة وغدت الفضيلة رذيلة. وإذا ما أردنا النبش في العناصر المسؤولة عن تدني البعد الأخلاقي في المجتمع وجدنا ثلاث مكونات مجتمعية رئيسية : الأسرة في المقام الأول، تليها الدولة في شقها السياسي، ثم المدرسة أخيرا. هكذا يمكننا ترتيب المسؤوليات.
لماذا الأسرة أولا ؟ الجواب بديهي، فالأسرة هي المناخ الطبيعي الذي يلقن فيه الإنسان أبجديات الممارسة الأخلاقية منذ الولادة. وبالتالي، إذا كان هذا المناخ سليما وصحيا نشأ الطفل على تقديس الأخلاق وحرص على تجسيدها في الواقع. أما إذا كان هذا المناخ ساما، فإنه سيفرز لنا ناشئة معتلة أخلاقيا، لا تنفع نفسها ولا يستفيد منها المجتمع.
وللخوض في المسألة بشكل واقعي، هب مثلا طفلا تشرب منذ ولادته كيفية احترام الآخرين مهما كان انتمائهم أو مذهبهم وكيفية التأدب في الكلام وعدم الكذب والنفاق، فالنتيجة ستكون بكل تأكيد طفلا سويا على المستوى الأخلاقي. في المقابل، نضرب مثلا طفلا ترعرع في أسرة مشحونة بشتى أنواع الرذائل، فالنتيجة دون أدنى شك ستكون طفلا عليلا أخلاقيا يضر نفسه ويضر محيطه. إن الإنسان ابن بيئته. فالذات إذا شبت على شيء شابت عليه. وهنا يحضرنا مفهوم “التطبع” الذي خاض فيه السوسيولوجي بيير بورديو بشكل معمق، والذي مُفادُه أن الأنا إذا نمت في محيط أسري يقدس الأخلاق سمت وعلت وإذا نشأت في بيئة مسمومة انحطت وتدنست.
في المرتبة الثانية، تحضر الدولة كمؤسسة مؤثرة بشكل كبير في تنشئة هذه الذات الإنسانية، وذلك من خلال الواجبات التي تقع على عاتقها في سبيل الحرص على خلق بيئة ملائمة تسمح بممارسة أخلاقية بشكل خلاق وفعال. إذن، يجب على الدولة، في هذا الإطار، سن تشريعات كفيلة بتكريس أخلاق تسمو بالمجتمع وترفع من منزلة الإنسان ومن ثمة السهر على تطبيق هذه التشريعات والتأكد من مدى احترام المواطنين لها. ولن يتأتى للدولة بلوغ هذه الغاية إلا بمحاربة الجهات المندسة في المجتمع والساعية إلى تقويض الأخلاق بطرائق شتى من خلال تحوير دلالة بعض المفاهيم المتداولة اجتماعيا. فعندما تقوم بعض الجمعيات أو الهيئات التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان بالترويج لمفهوم الاستقلالية الذاتية تحت غطاء الحرية الفردية المطلقة والتحرر من الوصاية الأبوية، أو عندما تدعو هذه الأخيرة المواطنين إلى الانسلاخ عن القيم والأخلاق التي كرسها الدين الحق يؤدي هذا، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى انحراف الذات عن الفطرة. وحسبنا مثال المترجلات من النساء والمخنثين من الرجال. لا تنحصر غايات هذه السياسة التقويضية المقصودة فيما ذكرناه سلفا، بل صارت تهدف إلى الدفاع عن الانحلال الأخلاقي من خلال شرعنة الكذب والخيانة وممارسة الرذيلة والتحرر وهلم جرا. ولتفادي تفاقم هذا الانحلال الأخلاقي، يجب على الدولة في شخص وزارة التعليم تبني سياسة تقويمية ورقابية يكون الهدف منها الحرص على تكييف البرامج التعليمية مع روح الأخلاق.
أما المدرسة فتأتي في المرتبة الثالثة لأن مهمتها ليست فقط مكملة للمهمتين السابقتين بل مقومة ومصححة لكل ما قد يعتري الأخلاق من تحريف. لذا تركز المدرسة، علاوة على دورها التعليمي، على الجانب التربوي كدعامة ورافعة للسمو بالأخلاق والقيم. ولبلوغ هذا الهدف، تحرص المدرسة على ترسيخ الأخلاق والقيم المنصوص عليها في البرامج التعليمية وذلك بإشراف مباشر من الدولة.
في الختام، يمكن الاستنتاج أن الإعلاء من شأن الأخلاق تنظيرا وممارسة لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا بتضافر جهود كل من الأسرة والدولة والمدرسة.
ثانيا : الأنا في مهب الرأسمالية والثورة الرابعة
أصبح التكيف مع التحولات الطارئة في مجتمع يئن تحت وطأة الرأسمالية أمرا حتميا. فهذا النظام الاقتصادي الذي روج له أصحاب الرساميل المتحكمون بدواليب الاقتصاد العالمي أدى إلى تشويه الذات الإنسانية. تلكم الذات التي لطالما تبجح دعاة الرأسمالية بحمايتها والسعي إلى الارتقاء بها. بعيدا كل البعد عن هذه الادعاءات الواهية والواهمة، مازالت الرأسمالية تتخذ من منطق الربح بأي ثمن شعارها الأول مسهمة بذلك في تقويض الأنا والحط من كرامتها. هذه الرأسمالية المتوحشة، كما وصفها المفكر واللساني الأمريكي نعوم تشومسكي، قسمت المجتمع إلى طبقتين متناحرتين : طبقة عليا وأخرى سفلى.
أما الأولى فهي المتحكمة في خيوط الاقتصاد، وبالتالي مصير العديد من الناس، أو بتعبير آخر، هي المشكلة للبنية الفوقية بالمفهوم الماركسي. في المقابل، نجد طبقة سفلى تتجرع مرارة هذه السياسة الرأسمالية المجحفة. ويبقى السؤال المشروع هنا : كيف دمرت ومسخت هذه الرأسمالية الأنا بشكل مهول ؟
- الأنا بين الرأسمالية والعولمة
يبدو أن الرأسمالية شوهت الأنا المتحكِّم والأنا المتحكَّم به وسببت أضرارا جسيمة للطرفين معا. فالأنا المنتمية إلى أسفل الهرم الاجتماعي غدت في خضم هيمنة الرأسمالية فاقدة للبوصلة وتائهة في مجتمع أقل ما يوصف به أنه مجتمع مادي صرف. يرجع انمساخ هذه الأنا بالأساس إلى تلكم القوانين التي تواضع عليها هذا النظام الرأسمالي والتي كبلت قدرة الأنا على إثبات وجودها والوعي بنفسها في ظل واقع ممزق تطغى عليه طباع الفردانية والبراغماتية. إن هذه الأنا التي كانت طيبة في الأصل بتعبير الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو تحورت وانسلخت عن الصفات التي كانت متجذرة فيها فطريا بسبب انفتاحها على المجتمع. وهكذا صارت هذه الأنا، بينها وبين نفسها، تعيش نوعا من اللااستقرار في مجتمع رأسمالي غير مألوف بالنسبة إليها. وعلى هذا النحو، تمكنت الرأسمالية من خلخلة وزعزعة هوية الأنا، فلم تترك أمامها سوى سبيلين لا ثالث لهما : إما التكيف مع متغيرات الواقع، إما الانتحار بسبب عجزها عن إضفاء معنى على وجودها.
بنهجها لهذه السياسة التقويضية شيأت الرأسمالية هذه الأنا محولة إياها إلى مجرد سلعة قابلة للبيع والشراء. والأمر نفسه يكاد ينطبق على “الأنا المتحكِّمة” في هذا النظام الرأسمالي، بحيث إن الواقع الراهن يثبت لنا بالملموس ذلك القلق الوجودي الذي أصبحت تعيشه هذه الأنا بسبب إدمانها على التحكم المفرط بالأنا المسحوقة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا. إن وجود الأنا المتسلطة واستمرارها في غرفة التحكم رهين بخضوع الأنا القاصرة وهذا ما يجعلها تعيش خوفا شبه يومي من انتفاضة وتمرد الطبقة البائسة على قوانين هذه الرأسمالية المتوحشة. إلى جانب هذه الرأسمالية، يمكن الحديث أيضا عن الوجه المظلم للعولمة في التأثير سلبا على كينونة الأنا.
صحيح أن العولمة شكلت حلقة وصل بين مختلف الأقطار وذلك بتقريب البعيد وإذابة الحواجز كلها التي كانت تقف حجرة كأداء أمام تطور الحياة البشرية، غير أن هذا التطور، أو بالأحرى التحول، ما فتئ يشكل تهديدا على وجود الأنا وبقاءها. لقد كان لهذه العولمة الشرسة الهوجاء الأثر الكبير في تكريس ثقافة الأنانية، إذ تمركزت أحلام وآمال البشر في حياة أفضل تمركزا كاملا حول هذه الأنا. ومن هنا، لم تعد هناك حدود للطموح الإنساني بتضخيم تلك الأنا، طموح يرفض القبول بأي حدود كما عبر عن ذلك المفكر سلافومير متروسك.
لقد قوضت العولمة أسمى عنصر في بنية هذه الأنا ألا وهو شعورها بالانتماء إلى ثقافة معينة. ومن الملاحظ أن تحلل هوية الأنا ثقافيا يرجع بالأساس إلى فقدان الثقافة لمناعتها كليا أو بشكل شبه كلي أمام سرطان العولمة الذي نخر الثقافة وحولها من حالة الصلابة إلى حالة السيولة. ومن هنا يمكن أن نلاحظ أن الأنا أصبحت تجد نفسها أمام مفترق طرق : هل يفترض بها مقاومة الثقافات العابرة للقارات أم يجب عليها الانصياع لمستجدات العصر وتبني الثقافة الأكثر تأثيرا وقوة ؟! لقد أفضى هذا الصراع الثقافي إلى خلخلة هوية الأنا وزعزعة استقرارها، الشيء الذي أنتج ذاتا هجينة بسبب هذه الطفرة الثقافية. إن هذين الورمين اللذين أصابا الأنا – أخص بالذكر هنا الرأسمالية والعولمة – جعلاها تنمسخ في زمن أصبح فيه اليقين الوحيد هو اللايقين والثبات الوحيد هو التغير الدائم.
وهكذا صارت الأنا تعيش حالة من التصدع تمزج بين الاغتراب واللاانتماء في ظل مجتمع هش ومفكك. ومن المؤكد أن الرأسمالية والعولمة ليستا الوحيدتين المسؤولتين عن تفكك هذه الأنا، بل تنضاف إليهما الثورة الرقمية التي أسهمت بدورها في تفاقم هذه الأزمة الوجودية.
- الأنا المرقمن وسؤال الهوية
لم يكن الكاتب الإيطالي لوتشاينو فلوريدي مخطئا عندما وصف حياة الرقمنة التي طغت على مجتمع اليوم بالثورة الرابعة. ولعل مبرره في اختيار تسمية كهذه يرجع بالأساس إلى اقتناعه بالمستوى المتطور الذي بلغه العقل البشري والذي جعله يعيش نمطا مغايرا تماما للعصور السالفة. لم يسم لوتشيانو فلوريدي العصر الرقمي بالثورة الرابعة هكذا عبثا أو من قبيل الصدفة بل كان ذلك بناء على النقلة النوعية التي خلقتها هذه الثورة في المسار التاريخي للمجتمع على غرار الثورات الثلاث الكوبيرنيكية والداروينية والفرويدية.
بقدر ما يسرت هذه الثورة الرابعة الواقع المعيش بقدر ما أدت إلى تدهور وهشاشة وتمزق العلاقات الإنسانية. لقد غيرت هذه الأخيرة نظرة الأنا إلى نفسها فجعلتها تشكل عالمها الخاص، عالم ينعدم فيه الالتزام الأخلاقي بالمعنى الكانطي للكلمة. وبهذا أصبح كل فرد في عالمه الخاص سيدا وعبدا في الآن ذاته : سيدا لأنه يسود في عالمه الحميمي الافتراضي دون رقابة من أحد، وعبدا لأنه عاجز عن الابتعاد أو الانفصال عن هذا العالم الوهمي. لم تتوقف آثار الرقمنة التقويضية عند هذا الحد، بل تعدته إلى استعباد العقل الإنساني وهذا ما يتجلى بوضوح في الذكاء الاصطناعي الذي صار ينافس العقل الذي صنعه.
لقد أصبحت الرقمنة اليوم تجري في الإنسان مجرى الدم وهذا ما جعل هذه الأنا تعرف جملة من التحولات الجذرية. وقد فصلت المفكرة الفرنسية إلزا غودار في شكل هذه التحولات بدقة كبيرة في كتابها الموسوم ب “أنا أوسيلفي، إذن أنا موجود : تحولات الأنا في عصر الرقمنة”. لقد أشارت الكاتبة الفرنسية إلى بروز ظاهرة اجتماعية حديثة تتمثل في انتشار كاسح للصور الذاتية أو ما يسمى ب “السيلفي”، الشيء الذي يؤثر بشكل واضح على هوية الأنا. فمن منظور الكاتبة، أصبحت الصور التي تلتقط عن طريق الهواتف الذكية جزءا لا يتجزأ من بنية هذه الأنا التي تبحث باستمرار عن اعتراف الغير بها من خلال ثقافة السيلفي.
ما نشهده اليوم من تطور خيالي للرقمنة والذي يبدو ظاهريا إيجابيا لكنه في الحقيقة تطور يتوخى تهجين المجتمع، بل القضاء عليه نهائيا مستقبلا. قلبت هذه التحولات المجتمعية الخطيرة الدنيا رأسا على عقب، بحيث أصبح الإنسان في خضمها يقضي ليالي بيضاء وحيدا تائها في عالم افتراضي تنعدم فيه القوانين بمختلف تصنيفاتها. إن هذه الهوة الكبيرة التي خلقتها هذه الثورة بين العالم المحسوس والعالم الافتراضي تجعلنا نتساءل ما إذا كانت هذه الأنا قادرة على العيش يوما واحدا بمعزل عن كل ما هو رقمي. سؤال استنكاري كهذا لا يحتاج إلى أي إجابة لأن الأنا اليوم انسلخت من طباعها القديمة وارتدت لبوسا جديدا يتنافى كليا مع القيم الكونية التي ما فتئت تنادي بها هذه الأنا في الأزمنة الآنفة.
دفعت هذه التحولات كلها الأنا إلى الإحساس بحالة من التيه واللاانتماء إلى العالم الواقعي، الأمر الذي عالجه بدقة متناهية الكاتب الانجليزي كولن ويلسون في كتابه بعنوان “اللامنتمي”. تطرق هذا الكاتب إلى لائحة من المفكرين والفلاسفة الذين عاشوا نوعا من التيه والضياع في عصر الحداثة ولعل أبرزهم الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه والكاتب التشيكي فرانز كافكا. إضافة إلى كل هذا، تشهد هذه الأنا في عصرنا الحالي انفصالا بين الجسد والروح : في الظاهر ترى أجسادا تتحرك لكنها تكاد تكون منفصلة تمام الانفصال عن الروح.
خاتمة
كخلاصة لما تطرقنا إليه في المحاور السالفة، يمكن القول إن الأنا تعيش حالة تغير مستمر بسبب تأثرها بحالتي المد والجزر اللتين يعرفهما الدين والاقتصاد والثقافة. فكل عامل من هذه العوامل يسهم بطريقة أو بأخرى في خلخلة وزعزعة ثبات هذه الأنا. أضف إلى ذلك أن حالتي اللاثبات والتيه دفعتا الأنا إلى خلق عالم افتراضي خاص بها بعدما ضاقت ذرعا من الحياة الواقعية المسمومة، حياة تتجاذبها الصراعات الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية. إن فرار الأنا من هذا الواقع المرير ما هو سوى نتيجة لإحساسها باللاانتماء وذلك بغاية البحث عن معنى لوجودها وكينونتها. إنها محاولة لإضفاء المعنى على اللامعنى.
في هذا الإطار، يمكن القول إن الأنا تعيش على وقع حرب ضروس بين من يدعو إلى الإعلاء من الوعي ومن يسعى إلى إقباره. وهو الأمر الذي أدى إلى انسحاب النخبة المثقفة تدريجيا من هذه الحرب، إذ ما زال هؤلاء المثقفون الحقيقيون يتعرضون لمقاومة شرسة من طرف دعاة تقويض الذات البشرية. وهكذا انتهى المطاف بهذه الفئة المفكرة والواعية إلى الإحساس باللاانتماء، ذلكم الشعور الذي خاض فيه بإسهاب الكاتب الانجليزي كولن ويلسون في مؤلفه الموسوم ب” اللامنتمي”.
علاوة على هذا كله، تبرز الثورة الرقمية كسلاح ذي حدين، فبقدر إسهامها في تسهيل حياة الإنسان، بقدر تخريبها لهوية هذه الأنا. فقد غيرت الرقمنة نظرة الأنا إلى نفسها بحيث أعلنت هذه الأخيرة، في خضم ثورة الذكاء الاصطناعي وثقافة السيلفي، استسلامها أمام تفشي الانحلال الأخلاقي في المجتمع. كما يظهر لنا جليا أن هذه الحداثة السائلة التي ما فتئ أنصارها يطربون مسامعنا بمزاياها شوهت العالم الذي نسكنه بشكل مهول إذ أصبح كدكان صغير مليء بالأثواب التنكرية وتحيط به حشود تبحث عن ذواتها الحقيقية بدون كلل على حد تعبير المفكر سلافومير مروتسك.
باحث في اللغة الفرنسية والثقافة العربية والترجمة من المغرب
المراجع
زيغمونت باومن، الثقافة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، الشركة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2018، ص. 32
إلزا غودار، أنا أوسيلفي إذن أنا موجود : تحولات الأنا في العصر الافتراضي، ترجمة وتقديم سعيد بنكراد، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء – المغرب، الطبعة الأولى، 2019
لوتشيانو فلوريدي، الثورة الرابعة : كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني، ترجمة لؤي عبد المجيد السيد، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، طبعة شتنبر2017
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي