بورتريه
الزجال محمد مكَار

حبيبة زوكي*
رجل طويل القامة بشوش الوجه، وسيم الطلعة، صادق القول، عارف بمعنى الصداقة الحقيقية، لا تفارق الابتسامة محياه، لديه لمسة إنسانية مخصوصة، يفهم نظرات الآخرين، ويحس بما ينغص عليهم الحياة، فيحاول التخفيف ولو بالكلمة الطيبة.
التقيت الزجال محمد مكَار في لقاء زجلي بالبيضاء، وجدت فيه وقتها الرجل بكل ما تحمل الكلمة من معنى أو معان، فكنت أحسه كأنه أخي، كان يعاملني باحترام واعتزاز.. حينما يكتب، يمتح من ذاكرة الشعب، ويسرق لحظات من نبض الشارع؛ فتأتي قصائده عميقة، متنوعة التيمة. فلا يتكرر، ولا يكتب وهو في أبراج عالية، أو عزلة عن الواقع، والحياة، والناس. زجله من الناس، وإليهم.. يشتغل في صمت، لكن صمته ناطق ومعبر. هو المسرحي العاشق للركح. يغازل الكلمة، ويهبها معان أخرى، وهو يصدح بصوته، يراود الركح عن نفسه. أتراه يمثل القصيدة، أم أنها هي التي تمثله. تعشقه، ويعشقها بكل جوارحه. تشبهه قصائده بشكل فظيع. حينما يتكلم، يختزل أفكاره؛ فتخرج مكثفة، وقصيرة كالومضة. إذا كان النص بدون قراء يعتبر في عداد الموتى، فالزجال محمد مكَار يهب قصائده في كل قراءة حياة جديدة، وهواء نقيا. وهو يقرأ، يحملك على بساط الشعر، إلى فضاءات نورانية، ذات إيحاءات متنوعة.
يجالسك، فتحس أن الصمت يجرفكما إلى شواطئ بعيدة، فتنسخ كلاما لقتل الصمت، غير أن صمته ناطق.
يجلس، يلبس الصمت. وحينما يتكلم، تحس كأنه يتمم مونولوجا نسجه في الصمت. محمد مكَار لا يحتاج للغة كي يعبر عن المخبوء، حركاته، سكناته، نبرته الصوتية، كل هذا وذاك يعبر عن الجواني، عن الآسر، عن ظله الثاوي بين فواصل الذات.
محمد مكَار شاعر بسيط؛ لا يلبس الأقنعة، ولا يخفي ملامحه وراء الأقنعة. محمد زجال يمتح من الذاكرة الشعبية الجماعية، يوظف الكلمات بحنكة ودقة. تشدك معانيه، ويشدك عالمه بكل ما يحمل..
لمحمد مكَار حقول دلالية تخصه لوحده، فهو المسكون بالصمت. يجعل حروفه ناطقة، صادحة، صادمة. قد نتعرف على نصه، دون أن يكون ممهورا بتوقيعه. الصمت أثير لديه، يدثر الحروف بنكهة الصمت، فتزداد بهاء.
تساءلت يوما، وهو يشنف أسماعنا بقصيدة، من الذي يحمل الآخر القصائد أم محمد؟ قصائد نقشت على صدره. فكلما طلبنا منه أن يشنف أسماعنا بدرره، يقرأ دونما حاجة لورقة، قصائده يحملها بصدره؛ اتقاء الحر والقر..
حينما يقرأ، تحسه يتفاعل مع نصوصه. فاللغة مقتطع من الذات، أو لا تكون. وهي في ذات السياق امتلاك للناس. المالك للغة مالك للناس. لغته مشوبة بحزن دفين؛ حزن جميل، يهب الحروف جرسا موسيقيا، ويهب المعاني دلالات متعددة.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي