الرواية في ضيافة التاريخ والمدينة

حسن إمامي*
في النشأة والتطور:
بدءاً بالمقولات القديمة نسبياً حول جنس الرواية، نجد قول هيغل: “الرواية بديل عن الملحمة”. هي الصورة التعبيرية الملائمة لحالة الوعي في المجتمع الحديث. “فإن كانت الملحمة هي ابنة العقلية القديمة التي تتصور العالم مليئاً بالآلهة والأرواح الفاعلة المؤثرة، العالم الذي يلفه السحر والأشباح، فإن الرواية هي ابنة العقلية الحديثة التي تجاوزت التصورات الغيبية السحرية”.
لقد ربط هيغل نشأة الرواية بالتحول التاريخي الذي حصل في سياق الوعي الأوروبي. فالرواية هي الصورة التعبيرية الملائمة لحالة الوعي في المجتمع الحديث، بينما كانت الملحمة هي الصورة التعبيرية عن الوعي في المجتمع القديم. وبما أن التطور الإنساني محكوم بالقانون التطوري، فهناك تطور مستمر من حالة اللاوعي إلى حالة الوعي، إلى درجة أعلى وهي درجة الوعي المطلق كما ينشده هيغل في فلسفته عموماً.
فمن الملحمة والفروسية المبنيتين على صور أبطال شجعان ينشرون قيماً ورسالة، وتدور حولهم جل الأحداث، ما ينطبق على وضعية وروح النظام الإقطاعي عموماً، إلى ظهور الرواية كجنس أدبي بديل مبنٍ على العقلنة وقيم العصر الحديث بعيداً عن أرواح الآلهة والجن والأساطير المرتبطة بها أو الخرافات التي تنشر الاعتقاد بصحتها وتأثيرها على حياة الإنسان في العصر الحديث.
وهنا نستحضر الركب الحضاري والثقافي الذي ساهم في هذا التحول فلسفياً وعلمياً وفنياً وأدبياً وثقافياً ومجتمعياً. نستحضر عصر النهضة وما تلاه من تطورات فكرية وعلمية واكتشافات وتجاوزات للفكر القروسطي وما يحكمه كبناء أيديولوجي وديني وثقافي.
بينما نجد جورج لوكاتش يفسر تطور جنس الرواية وانتشاره من منظور الصراع الطبقي؛ فالرواية “ملحمة الطبقة البرجوازية”. والظاهر من خلال التعريفين، ومن خلال استفادتنا من دراسة تقديمية قائمة حول “فن الرواية، ملحمة العصر الحديث”، أن صعود جنس الرواية مرتبط بالحاجة إلى وسيلة تعبيرية تحتوي التطورات المجتمعية وتعقيداتها السوسيو-ثقافية وغيرها من الحقول المتفاعلة مع حياة الفرد والمجتمع.
هناك تطور ذهني في التفكير البشري إذاً، يحاول أن يتخلص من تحكم العقلية الأسطورية والغيبية الدينية والقدرية السماوية في مجريات الأحداث والشخوص وفي الأسباب والنتائج المرتبطة بها. فحيث يسود العقل والوعي المنطقي يتقلص وجود الغيب وتفسيره القدري.
هكذا هي إذاً الثورة التي أحدثتها البرجوازية الأوروبية والغربية منذ بداياتها، والتي تسلحت بتطور ثقافي وفلسفي ساهم في تطور السرد وجنس الرواية معه. فبعد أن وظفه البعض كما نجد عند سيرفانتس (1547/1616)، بشكل مثالي وخيالي وبسخرية لاذعة ومحرضة في روايته المشهورة “دون كيخوتي دي لامانتشا”، ها هو السرد وقد انتهج له مساراً أو محيطاً جديداً للإبحار، معتمداً فيه على تقنيات منطقية وعلى تفسيرات وضعية تتماشى مع درجات وعي المتلقي وقبوله لها، تواكب منطق تحليله للواقع ودرجات تحكمه فيه إن سياسياً أو طبقياً اجتماعياً، فنياً وجمالياً أو غيرها.
هاتان الزاويتان الرئيسيتان في الرؤية والتفسير والتحليل والتوطين لجنس الرواية، ستعرفان تجاوزاً مغايراً وليس مقصياً لهما. فميخائيل باختين مثلاً أرجع تطور الرواية إلى كونها تعبيراً عن الثقافة الشعبية والقيم الجمعية للمجتمع الحديث، وتحرر اللغات المحلية من هيمنة اللغة اللاتينية الرسمية، والذي ساعد على الخروج من هيمنة منظومة قيم توارثتها مع تاريخها الطويل في القرون الوسطى.
الظاهر كذلك أن التطور الثقافي للمجتمعات البشرية يواكبه تطور في التوظيف الأدبي والإبداعي. كما أن التحرر العام ينجلي على لغة التعبير وتعبير اللغة، فيصبح البوح أكثر قدرة على الفصح وعلى التناول لجوانب كانت بالأمس القريب ممنوعة إلى درجة حضور رقابة لا واعية تقف حاجزاً ضد تصريفه في التعبير والإبداع عموماً عند الفرد ذاته قبل تدخل الجماعة وقوانينها المانعة.

وإذا انتقلنا إلى عصرنا الحالي، وإلى داخل مجتمعاتنا المتجانسة ثقافياً وتاريخياً وسياسياً، فإننا نطرح السؤال حول سر حضور وانتشار هذا الجنس الأدبي، وحول دوره في الحياة المجتمعية وتطورها وتغييرها إن كان هناك مشروع ثقافي وإبداعي يرمي إلى إحداث تغيير في الواقع بفضل الأدب. وسنطرح الأسئلة على التاريخ ومراحله الحديثة، وعلى تحولاته السياسية والثقافية ومدى تأثيرها على فعل الكتابة وتحرير الكلمة تعبيراً إبداعياً إن شعراً أو نثراً أو فناً عاماً:
- ما مدى حضور الملاحظات السابقة والظهور للرواية في المجتمعات الغربية، داخل مجتمعاتنا التي ننتمي إليها تبعاً وحضارة وثقافة ولغة وتاريخاً؟
- وكيف يمكننا أن نعيد صياغة الأسئلة القديمة لنبحث لها عن أجوبة داخل تجارب الكتابة السردية والروائية خصوصاً؟
- وبين التحليل الواصف والتحليل المعلل، أيهما أقوى حضوراً في تجارب الكتابة الروائية وفي دراستها؟
الظاهر في عصرنا الحالي أن التأثير المكثف والمباشر لما هو أيديولوجي وسياسي وفلسفي مرتبط بهما قد تقلّص اليوم في الدراسات الأدبية لتنتصر مناهج نقدية حديثة ترتبط أكثر بالتخصص والذوق الفني والجمالي وبالشكل البنيوي والدلالي، وكذا بالتوظيف الرمزي والعلاماتي والسيميولوجي… وقد ساعد على ذلك سقوط الأيديولوجيات والفلسفات المهيمنة في فترات من التاريخ الحديث. نتحدث عن فلسفة هيغل وما أعطاها القوة والشرعية في مرحلة تاريخية من ظهورها وخطابها، وعن الاعتماد الأحادي على المنهج المادي التاريخي دون سواه في تحليل الفن والأدب وتوظيفه في الحياة العامة والخاصة. كذا نسبية الهيمنة الأيديولوجية الإمبريالية الرأسمالية والليبرالية وأزماتها التي أعادت النظر في منظومة القيم والمرجعيات في التعبير والتوظيف. سقوط المركزية الغربية التي هيمنت هي الأخرى إنتاجاً وخطاباً وسلطة في استعارة لعنوان “الاستشراق: المعرفة والسلطة والإنشاء”، لصاحبه إدوارد سعيد.
في ضيافة التاريخ والمدينة:
قد تطول عمليات رصد وسرد المواضيع التي تلهم كتاب الرواية، لكننا بالنظر إلى طبيعة الندوات والأشغال والورشات القائمة في راهن الحديث والكتابة والكلام، نجد من الأهمية الإشارة إلى موضوعين رئيسين على سبيل المثال لا الحصر:
- التاريخ وما يحبل به من شخصيات وثورات وسير وأحداث…
- الحياة المدنية وما تحيل عليه من فضاء كبير مرتبط بالمدينة وتركيب العلاقات والفئات ومجالات العيش والتعبير والسلوك النفسي والثقافي والعادات والتقاليد، وكذا الأحداث اليومية التي تراكِم تاريخاً راهناً متجدداً ومحتاجاً إلى مواكبة قرائية وتحليلية ونقدية، تعمل الرواية على إنجازها كمهام.

أ ـ في التاريخ وإعادة القراءة لقوانينه وتفسيره:
لعلها أسئلة عديدة تخاطب التاريخ والاشتغال على مراحل وشخصيات داخله. قد تكون استمارة موجهة للكاتب الروائي كما المتلقي المتشوق لقراءة مادة إبداعية تتناول موضوعاً أو شخصية تاريخية. وهنا ستتعدد الرؤى والإجابات وزوايا النظر طبعاً. ما قد تفسره غزارة الإنتاج والرغبة في الاستهلاك. أكيد أنها حاجة للتواصل مع الماضي وإعادة طرح الأسئلة وتخيل ما كان وتحقيق الذات في عمليات إشباع ثقافي وفكري وفني وجمالي.
هناك سحر خاص منفلت زئبقياً وهو الذي يحقق المتعة ويشبع الفضول. خلفية ذهنية تحكمها الهويات والثقافات والرغبة في تحقيق الذات. وبشكل من الأشكال هناك كذلك عمليات تثاقف قائمة بين الشعوب كما بين الأزمنة في الكتابة التاريخية المشتغلة داخل الجنس الروائي السردي.
وهل يمكننا أن نعتبر الروائي مؤرخاً ومختصاً في فلسفة التاريخ؟ هل يعيد القراءة والاستثمار للمادة التاريخية؟ كيف يساعده التفكيك والتركيب، التوصيل بين الواقعي والتخييلي في تفسير ما لم يفسر بعد، وفي فك طلاسم الأحجيات الخادعة في الروايات التاريخية ونقوشها وتمجيداتها أو حروبها المتنوعة؟
أسئلة تتضمن إجاباتها وتدعو ملاحظة تواجدها داخل الكتابة الروائية المشتغلة على المادة التاريخية. فعالمياً اشتهرت أسماء بتمكنها من أدوات هذا الاشتغال وتقنياته التي تحفر أركيولوجياً في المعلومة والإشارة والعلامة. نستحضر هنا أومبرتو إيكو، دان براون، يوسف زيدان، أمين معلوف وغيرهم. لكن هناك حساسيات قد تحضرنا في بعض الاشتغالات التي تتصف بالذاتية أو بما يمكن أن نسميه تصفية الحسابات الذاتية. يكون العرض بعيداً عن الجمالية وعن الموضوعية وعن الوظيفة الراقية الحضارية لمشروع الكتابة الروائية. وهذا حقل للمحلل النفسي وللناقد لكي يبينه أكثر.
وقد نضيف عنصراً آخر مهماً في تناول هذا الاهتمام بالمادة التاريخية، والذي سيتجلى في أزمة هوية كما قيم وضياع الذات وتيهها الوجداني، ما يفسر عطش الكاتب كما المتلقي في التداول والتفاعل حول هذه المادة التاريخية.
ب ـ في تشكلات الحياة داخل المدينة الكبرى:
وانفتاح الكتابة الروائية على أدوات التحليل العلمي عموماً بين مدارات الشخصية الإنسانية ومكوناتها النفسية والعصبية والسلوكية التفاعلية إن داخل الذات أو خارجها: سيكون المدخل هنا هو أهمية تشكل المدن الكبرى وتطور تعقيداتها وجدلياتها وأحداثها وظواهرها التي تكسر المألوف عند الإنسان الرتيب والعادي، عند النمطي الذي يبقى مع وتيرة قديمة في أسلوب الحياة. هكذا ستكون الحياة داخل المدينة ثورة على الثابت ودعوة للتحول. وبما أن ما يزحف على المدينة هو حياة مادية تحمل قيمها في الاقتصاد والتجارة والعلاقات وأشكال المنافسة اليومية التي تنظمها الرأسمالية الليبرالية عالمياً، فإن الفرد أصبح داخل سياق عولمي متجاوز لسياج وحدود المحلي إن ثقافياً وأخلاقياً أو سلوكياً عاماً. وكما سمّاها بعض الباحثين، هي أشكال تحرر شعبي لا تنتظر ثورة رسمية منظمة لكي تحقق تغييراتها.
ربما نرصد هذا عند نجيب محفوظ مثلاً وغزارة الإنتاج المرتبط بالحارة والقاهرة والشخصيات الغنية والمتنوعة التي ألهمت المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية، وسيكون ذكره على سبيل المثال فقط، وإلا فالأمثلة كثيرة جداً.
غرضنا هو تبيان أهمية هذا العنصر في الكتابة الروائية، وكونه منهلاً خصباً ومنجماً عميق الطبقات يستطيع الحافر والمنقب أن يستخرج منه جواهر الأدب وملهمات الكتابة السردية إن قصة أو رواية. وحتى الحياة السياسية المجتمعية أصبح محورها بالأساس هو المدينة كمركز وكموقع تجمع وقرار. فما بالنا بما هو اشتغال في الحقل الثقافي والإبداعي عموماً.
وطبعاً لكل كاتب حظه من هذه الملاحظات، يحتاج داخلها إلى استفراده بالدراسة النقدية ومدى حضور التاريخ والمدينة في أعماله الإبداعية، إلى جانب حقول ومواضيع أخرى لها أهميتها الكبرى كذلك. فالمسألة إشارة وليست إقصاءً. هو التنوع داخل الفكر الديمقراطي وداخل عالم الرواية الفسيح والغني جداً.
الهوامش:
- هيغل: الفيلسوف الألماني جورج فريدريش هيغل (1770/1831).
- الدراسة القائمة: في هذا البحث تم الاطلاع والاعتماد على المادة المعرفية الموجودة في مقال منشور إلكترونياً في موقع “الجزيرة نت” منتسب لأسرة النشر في الموقع، وكذلك على مقال الكاتب الطيب بوعزة، منشور في قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، سبتمبر 2013 (في تفسير نشأة الرواية ـ قراءة في التفسير الهيغلي) بموقع “مؤمنون بلا حدود”. ويحيل الكاتب على مؤلف “هيغل، العقل في التاريخ، المجلد الأول من محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت 2007 ط 3، ص 78.
- جورج لوكاتش: (1885/1971) فيلسوف وكاتب وناقد، ماركسي المرجعية ومؤسس الماركسية الغربية في مقابل فلسفة الاتحاد السوفيتي. أثّر نقده في مدرسة الواقعية الأدبية وفي الرواية بشكل عام باعتبارها نوعاً أدبياً.
- ميخائيل باختين: (1895/1975) فيلسوف ولغوي ومنظر أدبي روسي/سوفيتي سابقاً، له كتاب مشهور “مشكلات في شعرية دوستويفسكي” 1929، وكتاب “الماركسية وفلسفة اللغة” 1929.
- إدوارد سعيد: إدوارد وديع سعيد (1935/2003) من أهم المثقفين الفلسطينيين والعالميين.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي