خطوات تاجر أمازيغي نحو الشمال: الهجرة والتجارة والدين والانخراط السياسي في كتاب “الهجرة إلى الشمال: سيرة تاجر أمازيغي” لجون واتربوري

رحال كريش*
ملخص
الأهداف: تروم هذه الورقة تحليل تجربة الحاج إبراهيم كنموذج للسيرة الاجتماعية الأمازيغية لفهم تأثير الهجرة، التجارة، الدين، والسياسة على التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المغرب الحديث
الإشكالية: كيف تعكس السيرة الفردية للعلاقات بين الفرد والمجتمع والدين والسياسة تحولات المجتمع المغربي القروي والحضري؟
المنهجية: اعتمد المقال المنهج الأنثروبولوجي الميداني لواتربوري، المبني على المقابلات والملاحظة وجمع البيانات، مع مقارنة بمنهج باحثين مثل باسكون وحمودي.
الخلاصة: تُظهر الدراسة أن تجربة الحاج إبراهيم تمثل مرآة للمجتمع الأمازيغي، حيث تتشابك الهجرة والتجارة والدين والسياسة لتشكيل شخصية متكاملة وفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
الكلمات المفتاحية: الهجرة الداخلية – السيرة الاجتماعية – التجارة القروية المغربية – الدين والسياسة – المجتمع الأمازيغي.
المقدمة
يشكل كتاب “الهجرة إلى الشمال: سيرة تاجر أمازيغي” الصادر عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية 2020 للباحث الأمريكي جون واتربوري تأريخًا لحياة فئة من فئات المجتمع المغربي، ودراسة منوغرافية دقيقة من جهة المنهج ومنظور التحليل وخطوات بلوغ النتائج، وعامة من جهة الأحداث والشخصيات. وقد صدر الكتاب أصلاً باللغة الإنجليزية عام 1972، وترجمه إلى العربية الباحث المغربي عبد المجيد عزوزي، مما أتاح للجمهور العربي والباحثين فرصة الاطلاع على هذه الدراسة الأنثروبولوجية الدقيقة ضمن سياق المجتمع المغربي المعاصر فالكتاب لا يقتصر على تتبع مسار فرد بعينه، بل يحوّل السيرة الفردية إلى مدخل لفهم تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية أوسع، وهو ما يجعل العمل أقرب إلى ما تسميه الأنثروبولوجيا الاجتماعية بـ”السيرة الاجتماعية”، حيث تتجاوز الذات الفردية لتفكيك البنى التي تتحكم في شروط عيش الجماعة ومساراتها التاريخية.
الإطار المنهجي: من المونوغرافيا الميدانية إلى التحليل البنيوي
لقد بنى واتربوري دراسته على عدد من الأدوات المنهجية التي كانت تشكل آنذاك عماد البحث الأنثروبولوجي الميداني، كجمع الإحصائيات، وعقد اللقاءات والمقابلات المعمقة مع المعنيين بالأمر، إضافة إلى الملاحظة المباشرة وتتبع المسارات المهنية والعائلية للشخصية المحورية. ويزاوج الكاتب بين المعطيات الكمية والسرد الكيفي، في مقاربة تسمح بالربط بين التجربة الفردية والسياقات البنيوية التي تؤطرها، وهو ما يجعل العمل يتجاوز الطابع التوثيقي نحو بناء تفسير اجتماعي متعدد المستويات.
ويندرج عمل جون واتربوري ضمن تقاليد الأنثروبولوجيا السياسية والاجتماعية التي ازدهرت في دراسة المجتمعات المغاربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حيث يتم التركيز على الفاعلين المحليين بوصفهم مدخلًا لتحليل البنى الكبرى. فالكاتب لا يتعامل مع الحاج إبراهيم كشخصية استثنائية منعزلة، بل باعتباره نموذجًا اجتماعيًا كاشفًا لمسارات الصعود الاقتصادي، وإعادة التشكل الطبقي، وأنماط الاندماج السياسي لدى فئة التجار السوسيين. ويعتمد واتربوري في ذلك على منهج المونوغرافيا الممتدة، التي تجمع بين السيرة الذاتية والملاحظة الميدانية والمقابلات المتكررة، وهو منهج قريب مما اعتمده باحثون مثل بول باسكون في كتابه “Le Haouz de Marrakech” حيث قدّم تحليلًا عميقًا للمجتمع القروي المغربي وبنياته الاجتماعية والاقتصادية، وعبد الله حمودي في مقاربته للسلطة والرمزية داخل البنيات التقليدية في كتابه “الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة”. كما يزاوج واتربوري بين التحليل البنيوي الذي يدرس القبيلة والاقتصاد والدولة، وبين التحليل التفاعلي الذي يركز على اختيارات الفاعل واستراتيجياته، وهو ما يمنح النص بعدًا ديناميًا يتجاوز الوصف الإثنوغرافي الجامد نحو تفسير اجتماعي متعدد الأبعاد. ومن ثَمّ، فإن الكتاب لا يقدم فقط مادة وصفية عن حياة تاجر أمازيغي، بل يشتغل بوصفه دراسة في تشكل الطبقة الوسطى التجارية في المغرب الحديث، وفي آليات انتقال الأفراد من الهامش القروي إلى الفضاءات الحضرية والسياسية.
السياق الاجتماعي والسياسي وتشكيل الشخصية
يمكن أن نعدّ كلا من التمهيد والفصل الأول “مقدمة” مدخلًا عامًا يوضح الأرضية السياسية والفكرية والاجتماعية لدراسة شخصية من شخصيات المجتمع المغربي الأمازيغي، كما يمكن اعتبارهما بمثابة مسار كرونولوجي للتاريخ المغربي الإنساني والاجتماعي من خلال التركيبة البشرية التي يتشكل منها المغرب. وقد رسم واتربوري صورة عامة توضح السيرورة السياسية المضطربة وما لحق بها من تغييرات وإعادة هيكلة للشأن السياسي، سواء في مرحلة الحماية أو في سنوات ما بعد الاستقلال. ففي ظل هذه الأجواء انبنت شخصية الحاج إبراهيم التاجرة والسياسية، فتأثر واتربوري بهذه الشخصية الأمازيغية الفريدة، واعتبرها نموذجًا كاشفًا لطبقة اجتماعية غالبًا ما يتم تهميشها في السرديات الرسمية التي تركز على النخب المدينية أو السياسية.
فرادته، كما جاء في المقدمة، تكمن في انخراطه الكامل في السياسة ومشاركته في عدد من المحطات المفصلية رفقة عدد من زملائه، من بينهم الرائد المنوزي وشقيقه سعيد المنوزي، من جهة، ومن جهة أخرى نجاحه الباهر والاستثنائي في التجارة بالتقسيط. ففي ظل الأزمات المتوالية على الاقتصاد إثر الانقلابات والحياة الصعبة أثناء الاستعمار، وعندما خرج المغرب من براثنه بدا وكأنه طفل حديث الولادة ومنهكًا في الآن نفسه، استطاع الحاج إبراهيم أن يبني تجارة لم تبُر. ويبرز هنا مفهوم المرونة الاقتصادية لدى التجار السوسيين، أي قدرتهم على التكيف مع التقلبات السياسية والاقتصادية، وهو ما تؤكده دراسات تاريخية حول الاقتصاد المغربي تشير إلى دور الشبكات العائلية والقبلية في ضمان الاستمرارية الاقتصادية في فترات عدم الاستقرار.
الواقع القروي والهجرة الداخلية
الفصل الثاني، الذي عنونه واتربوري بـ”وادي أملن”، يُعد مسحًا جغرافيًا وديموغرافيًا للمنطقة التي وُلد فيها الحاج إبراهيم سنة 1914، أي بعد سنتين فقط من إقرار الحماية الفرنسية على المغرب. قبيلة أملن، الواقعة في وسط المغرب الغربي ضمن إقليم تيزنيت، تشكل شبكة من القبائل المترابطة بروابط الدم والمصاهرة، وقد حرص الكاتب في هذا الفصل على تحديد موقعها بدقة، وبيان ما يرتكز عليه الاقتصاد المحلي، كما شرح الأسباب الرئيسية لمغادرة الأهالي، والشباب منهم بالخصوص، لوادي أملن. وكان الجفاف وقلة الأمطار سببًا رئيسًا.
فجّر مشكل الماء في المنطقة الحديث عن تنظيم الري وما تعتريه من مشاكل، وقد اعتبره واتربوري مظهرًا من مظاهر الحياة القبلية في أملن، حيث يرتبط توزيع المياه بنظام عرفي صارم يحدد الحقوق والواجبات، وهو ما يعكس تداخل البعد الاقتصادي بالبعد الاجتماعي والقانوني. وقد قدم الكاتب تصورًا واضحًا للبنية المعمارية لقرية أملن، مع إبراز الجانب الإداري المتمثل في مركزها الواقع بتافقراوت، كما خصص صفحات عديدة لتسليط الضوء على الصراعات والمشاحنات بين القبائل، موضحًا أسبابها، وأبرزها النزاع القائم بين قبيلتي “تاحكوات” و”تاكوزولت”. وكانت هذه النزاعات متفشية بشكل كبير بسبب الثأر أو بسبب الإرث بين الإخوة الأشقاء، وهو الأكثر شيوعًا، وهناك نزاع قد ينشب بسبب امرأة ويمكن أن يفوق هذين، كما أكده أحد أصدقاء الحاج إبراهيم.
ويُفهم من هذا التحليل أن النزاع بالنسبة لهذه القبائل يشكل عنصرًا بنيويًا في تكوين السلسلة الاجتماعية، وليس مجرد اختلال عابر، بل جزء من آليات إعادة إنتاج التوازن الاجتماعي، حيث يكون الصلح في كثير من الأحيان سببًا في عقد روابط متينة بعد القطيعة، وهو ما يتقاطع مع تحليلات عبد الله حمودي حول ديناميات السلطة والرمزية داخل المجتمعات التقليدية.
لم يغفل واتربوري الجانب العقدي والديني في القبيلة، فأفرد له صفحات عرّفنا فيها على مناهج حفظ القرآن وطقوسه والوسائل المستخدمة في الكتابة، إضافة إلى المراحل التعليمية المختلفة. وقد جاء هذا كله عبر طرح أسئلة مباشرة على الحاج إبراهيم الذي حفظ القرآن وتعلم دروس الشريعة على يد فقيه القبيلة. ويكشف هذا المسار التعليمي عن مركزية المسجد والكتّاب في إنتاج الرأسمال الرمزي داخل المجتمع القروي، حيث يشكل التعليم الديني أساسًا للوجاهة الاجتماعية والاعتراف الجماعي. ويختم واتربوري الفصل بالحديث عن زواج الحاج إبراهيم، بما يحمله من أبعاد اجتماعية وتحالفات عائلية، مما يعزز فكرة أن الفرد لا يُفهم إلا داخل شبكة علاقاته.
تتجلى علاقة دالة بين عنوان الفصل الثالث “مزاولة التجارة في الشمال” والعنوان العام للكتاب “الهجرة إلى الشمال”، إذ لا تُفهم الحركة نحو الشمال بوصفها انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل باعتبارها مسارًا اجتماعيًا واقتصاديًا يهدف إلى تحسين شروط العيش وبناء مكانة رمزية داخل الجماعة الأصلية. فقد كان أهالي القبيلة، ولا سيما فئة الشباب، يغادرون موطنهم في وادي أملن هربًا من الجفاف وضيق الموارد، وسعيًا وراء فرص اقتصادية أوسع تتيحها المدن الشمالية ومراكز التبادل التجاري. ولم يكن الشمال مجرد فضاء للعمل، بل مجالًا لاكتساب السمعة الاجتماعية وتراكم الرأسمال الرمزي الذي يسمح بإعادة الاندماج في المجتمع الأصلي بمكانة أعلى. كما أن الاحتكاك بتجار من مناطق مختلفة أتاح نقل الخبرات وتوسيع الشبكات التجارية، مما أسهم في ترسيخ أنماط اقتصادية قائمة على التنقل والاستقرار المرحلي. ويعكس هذا المسار ما تصفه دراسات الهجرة الداخلية بـ”الهجرة المتسلسلة”، حيث يؤدي نجاح المهاجرين الأوائل إلى تشجيع أفراد آخرين من نفس المنطقة على سلوك المسار نفسه، فتتحول الهجرة من خيار فردي إلى استراتيجية جماعية للارتقاء الاجتماعي داخل بنية قروية تعاني من اختلالات بيئية واقتصادية مستمرة.
كان الحاج إبراهيم واحدًا من أبناء سوس الذين انخرطوا في موجة الهجرة الاقتصادية نحو الشمال، مختارين التجارة كمسار للترقي الاجتماعي، فمارسوها وفق قواعد مهنية متوارثة وحققوا درجات متفاوتة من النجاح في الاستقرار والتوسع. بدأت تجربته بأنشطة تجارية بسيطة تعتمد على التقسيط وبيع مواد ذات أصل دهني مثل الزبدة والسمن، قبل الانتقال تدريجيًا إلى التجارة بالجملة، وهو مسار يعكس منطق التدرج في تراكم رأس المال وبناء الثقة داخل الشبكات التجارية. ويشير واتربوري إلى أن جد الحاج إبراهيم كان من أوائل البقالين الناجحين منذ سنة 1865، ما يوضح أن ممارسة التجارة لم تكن خيارًا فرديًا معزولًا، بل جزءًا من تقليد عائلي ممتد عبر الأجيال، تنتقل فيه الخبرة العملية والقيم المرتبطة بالعمل والادخار والمخاطرة المحسوبة، بما يضمن استمرارية التراكم الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل.
وقد أفرد واتربوري حيزًا واسعًا لتحليل طرق تدبير السوسيين لشؤونهم التجارية، متوقفًا عند أنماط الشراكة، وأساليب كراء الدكاكين، وتقنيات ضبط الحسابات بين المدخلات والمخرجات، وأنواع القروض، وكيفية التعامل مع الديون في إطار علاقات تقوم على الثقة والسمعة أكثر مما تقوم على العقود المكتوبة. ومن خلال هذا الوصف الدقيق، استخلص الباحث مجموعة من القواعد الضمنية التي تحكم اقتصاد السوق التقليدي، سواء على مستوى التجارة بوجه عام أو داخل الشبكات السوسية على وجه الخصوص، وهو ما يجعل هذا الفصل أقرب إلى دليل أنثروبولوجي في فهم آليات الاشتغال الاقتصادي داخل مجتمعات ما قبل الرأسمالية الكاملة، حيث تتقاطع الاعتبارات الأخلاقية والعائلية مع منطق الربح وتنمية رأس المال.
أسهمت هذه العوامل مجتمعة في تكوين السوسيين كتجار متمرسين يتمتعون بخبرة عالية في التعامل مع الزبناء وتدبير العلاقات التجارية، وهو ما جعلهم يحظون بسمعة واسعة داخل الفضاءات الحضرية التي استقروا بها. ويعزو الحاج إبراهيم هذا التفوق النسبي إلى عامل أساسي يتمثل في الاندماج المبكر في عالم التجارة، إذ يقول: “لقد كان للسوسيين الأوائل مثلي الذين التحقوا بالتجارة وهم أطفال ميزة مقارنة مع الآخرين، لأننا تعلمنا أصول التجارة في وقت مبكر…” (ص. 76). فالتعلم هنا لا يقتصر على اكتساب تقنيات البيع والشراء، بل يشمل أيضًا استبطان قواعد الثقة، وضبط السلوك، وفهم نفسية الزبون، وهي عناصر تتكون عبر الممارسة اليومية الطويلة أكثر مما تُكتسب عبر التكوين النظري.
انخرط الحاج إبراهيم في التجارة مبكرًا بمعية إخوته، فامتد نشاطهم إلى مدن متعددة مثل طنجة والدار البيضاء وتزنيت، بما يعكس طابع الانتشار الجغرافي الذي ميّز الشبكات التجارية السوسية. ولا يمكن فصل هذا المسار عن سياق الاستعمار الذي أضعف التجارة المحلية من جهة، وعن حالة عدم الاستقرار الناتجة عن الحروب وغارات المقاومة من جهة أخرى، ما جعل ممارسة التجارة محفوفة بالمخاطر. ورغم هذه الظروف، استطاع الحاج إبراهيم أن يرسخ تجارته خلال سنوات الانتعاش الاقتصادي التي تلت الحرب العالمية الثانية. كما يبرز النص أن السوسيين، إلى جانب اليهود والفاسيين، ظلوا من أبرز مالكي الرأسمال التجاري في المغرب إلى حدود المرحلة المعاصرة، وهو ما تؤكده دراسات تاريخية حول بنية البرجوازية التجارية في المدن المغربية.
التشبع بمبادئ التجارة وخوض غمارها منذ الصبا كان سببًا في نجاح الفاسيين والسوسيين واليهود كذلك، ولم يكن هذا هو العامل الوحيد، فإلى جانبه نجد أخلاقيات المهنة التي تشكل فيها كل من الثقة والسمعة نسبة كبيرة. إلا أن تلك الثقة توضع في حدود، فالتاجر السوسي لا يستأمن أي أحد ولا يثق في أي كان، كما أنهم يتعاونون فيما بينهم لتسديد ديون بعضهم البعض ويفضون النزاعات دون اللجوء إلى الشرطة أو المحاكم، فيسمو بذلك العرف بينهم فوق القانون. وهذا يقود إلى استنتاج أن التجارة ليست فقط رؤوس أموال وتسويقًا وبيعًا، بل هي أيضًا أخلاقيات وبناء سمعة ورأسمال اجتماعي يضمن الاستمرارية والاستقرار داخل السوق.
الهوية الدينية والحضور السياسي في مسار التاجر الأمازيغي
لعل أهم فكرة تروج في المخيال الشعبي عند المغاربة حول حاضرة سوس هي ارتباطهم الوثيق بالدين الإسلامي وكثرة المعاهد الدينية وكثرة الطلبة المتخرجين منها. ورغم أن السوسي يترك حاضرته هجرة إلى الشمال بحثًا عن رزق محتمل، يظل مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالتقاليد الدينية التي نشأ عليها، بل يزداد تشبثًا بها رغم احتكاكه بإيديولوجيات أخرى. ولعل الحاج إبراهيم نموذج مثالي يعبر عن هذا الارتباط. ويتجلى ذلك في حديثه مع واتربوري حين يفصل رؤيته الدينية وفهمه للإسلام المغربي المتسامح، خلافًا لما يسميه بالتشدد المشرقي، فهو يتقبل كافة الإثنيات الدينية من مسيحية ويهودية.
إضافة إلى ذلك، فإن الحاج إبراهيم لا يقبل المزايدة على إسلامه، فهو “لا يتنازل… أمام أي مسلم، سواء أكان عربيًا أو غير عربي، بخصوص الصفة المتميزة لتقواه وورعه…”(ص.191). ويتضح هنا أن الحاج لا يفرق بين إسلام عربي ولا إسلام أمازيغي، فالدين عنده هو مصدر الراحة والسكينة وسط أتون الحياة. كما يحمل أفكارًا عميقة حول العلاقة بين المنتسبين إلى دين معين ودينهم، فهو يرى أن الدين واحد والمنتسبين إليه في واد آخر. ويؤكد اطلاعه الواسع بقوله: “قرأت كل الكتب السماوية من توراة وإنجيل وقرآن… والأهم في هذه الديانات هو روحها، أما الشعائر فتأتي في الدرجة الثانية”. وهذه الرؤية تقترب من التصورات المقاصدية والصوفية التي تركز على الجوهر الأخلاقي للدين لا على مظاهره الشكلية.
رغم تبنيه للفكر السلفي، لم يمنع الحاج إبراهيم من الانخراط الفاعل في الحياة السياسية، سواء مع الفاسيين بعد الاستقلال أو مع الاشتراكيين بعد انقسام حزب الاستقلال وتأسيس المهدي بنبركة لحزب تقدمي اشتراكي. وكان انضمامه لا يعكس قناعة إيديولوجية بقدر كونه سعيًا للاعتراف السياسي وكسر هيمنة البورجوازية الفاسية، إذ “كانوا يرون انخراطهم في صفوف هذا الحزب كوسيلة للتخلص من هيمنة البورجوازية الفاسية، وإثبات ذواتهم في مغرب عهد الاستقلال…” (ص. 169-170). ويبرز هذا أن الانتماء الحزبي كان أحيانًا استراتيجية اجتماعية لإعادة التموضع داخل الحقل السياسي، حيث ظهرت فجوة بين المثقفين الاشتراكيين المتمكنين نظريًا وواقعية التجار السوسيين الممارسة والمعتادة على التعامل مع السوق والمجتمع.
تجلى هذا المنطق في حملة الحاج إبراهيم الانتخابية في دائرة تافكانت، حيث قال: “لم أتطرق إلى موضوع الاشتراكية هناك… ووعدتهم بالقضاء على البغاء وتعاطي الكحول، وحدثتهم عن رغبتي في تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية” (ص. 178). وهو خطاب بسيط يخاطب وجدان الناس وهمومهم اليومية أكثر مما يخاطب عقولهم بنظريات سياسية معقدة، ولذلك فاز بفارق كبير عن منافسيه. ويكشف هذا المثال عن مركزية البعد الديني والأخلاقي في التعبئة السياسية داخل الأوساط القروية، مقارنة بالخطابات الإيديولوجية المجردة.
يمكن القول في الختام إن كتاب “الهجرة إلى الشمال: سيرة تاجر أمازيغي” يقدم نموذجًا دالًا لتوظيف السيرة الاجتماعية في فهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المغرب الحديث. فمن خلال مسار الحاج إبراهيم، تتجلى تداخلات الدين والأخلاق التجارية والانخراط السياسي في تشكيل الفاعل الاجتماعي داخل سياق متغير، بما يجعل الفرد معبرًا عن ديناميات فئة اجتماعية أوسع. كما يبرز الكتاب أهمية الجمع بين العمل الميداني والتحليل الاجتماعي في تفكيك تفاصيل الحياة اليومية والهجرة الداخلية ودور التجار السوسيين في الاقتصاد الوطني، لتتحول السيرة من مجرد سرد شخصي إلى أداة تحليلية لفهم البنيات والسياقات الكبرى التي تؤطر مسارات الأفراد والجماعات.
باحث من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي