الصّورة التّشكيليّة: انعكاس للحقيقة ومقاربة للنّسخة وفق زيادة في تماس مع التّمثّل

عبدالباسط محمّد قندوزي*
تستوقفنا المفردات عند ظاهرها لنستجلي بواطنها ومدلولاتها اللّغويّةّ، وتبحر بنا نحو استنطاقها رغبة في اجابات عن جملة من الأسئلة التي تشغل الذّهن وتستثيره وتحرّك سواكن تعطّلت، فإن نظرنا إلى سؤال الفنّ من حيث الغاية والدّواعي قد نتجاوز بذلك وبالضّرورة مسألة التّذوّق الفنّي وما يحكمه من معايير وتعويضها ببدائل تحتكم إلى الالمام المعرفي بمميّزات العمل الفنّي(1) كما تتعدّى التّلقّي المباشر لتندمج بأداة الإدراك البصري وما تفترضه من آليات يقع تطويعها لفهم مخفيات الصّورة، فتبدو خيوط التوليفة الفنية بذلك متشابكة عند الفنان منذ بداية تشكّل وعيه بملكة الإبداع خاصته. فالنّظرة تقوده دائما إلى مسلّمة مفادها أن العين هي أداة الإدراك الأولى، وأنها تحركها إملاءات تتحكّم في نظم اشتغالها، لتحيل الظاهرة المباشرة إلى سجلاّت بصرية. وتلك السجلات تنفتح على منهجيات كثيرة تحلّل وتفكّك مؤشراتها الشكلية.
فهل يعني ذلك أنّ النّظرة العينية حقيقة؟ أو بالأحرى انعكاس للحقيقة؟ وهل هي محاكاة بمعنى التقليد وإنشاء النسخة؟ أم توهّم لتلك الحقيقة وتمثيل للنسخة وفق زيادة في تماس مع التمثّل؟
أيعني ذلك أنّ القراءة الشكلية للإرث الصوري هو رديف النص السردي الذي ينقل حيثيات معيشية بتفاصيلها وأدق ما فيها؟ أم هي مطية لكشف صورة من تحت صورة تتيحها قراءة المعنى من أحداث تتطابق وواقع الموضوع؟
إنّ تواتر الأسئلة التي تشغل الذّهن تفترض التّقصّي لإجابات مبنية على دلالات مبرهنة واستدلال منطقيّ مصدره مؤشّرات الصّورة، وأحداث رواها الزّمن ذات الصّلة بالشّاهد على العصر، إذ ذهب النقّاد إلى الاعتبار القائل بأن الفنان مرآة عصره، وإنّه العين التي تنقل القصّة المصوّرة دون تحريف لها وضمن منطق إعادة النقل والتطابق، غير أنّه لا يمكن نفي أنّ للمحاكاة سطوتها، وإنها لا تعني ذلك الانعكاس الصوري الظّاهر في المرآة بقدر ما هو تأسيس لبدائل ترنو إلى ما هو كائن، وهي رؤية تبنّاها الكثير تأسّيا بمقولات أرسطو عن المحاكاة والذي اعتبر في حديثه عن الشعر “ان عمل الشاعر ليس رواية ما وقع ، بل ما يجوز وقوعه، وما هو ممكن”(2)، وعليه، وفي ذات السّياق يقول “أنّ الفنّان لا يحاكي الطبيعة ولكنّه يجمّلها . . . فالفن يجمّل الطبيعة، فيبدو كأنّه يضرب المثل كي تحاكيه الطبيعة ولا يحاكيها، والفنّان لا يقتصر على رسم الواقع المباشر لظواهر الأشياء ولكنه يعبر عمّا هو جوهري فيها”(3)
هل النّظرة العينيّة انعكاس للحقيقة؟
بداية قد تكون النّظرة العينيّة انعكاسا للحقيقة، هكذا تتشكّل الملامح الأولى لقراءة العمل الفنّي، فالصّورة هي مساحة بصريّة بعد تشكّل عناصرها ومكوّناتها الفنّية، ودورها يندرج ضمن مدار الاستفزاز الايجابي حتّى لا يموت بداخلنا السّؤال، وتستنطق الوعي وتستدرجه نحو تقصّي بواطن الفكرّة المغلّفة بالتّرميز وكذلك المفصحة عن خبايا الذّوات التي تنظّم قواعد تركيبيّة ونظم تكوينيّة مرئيّة ومادّية المنشأ، فتستجيب لمتطلّبات الرّسام المهووس والمسكون بشيطان الابداع، فقد بحث الفنّان عن موضوع فنّه ورواية مخطوطاته، وصيّر فكره ليعانق أساليب مختلفة تهدف إلى اجتثاث طروحاته المبثوثة في صورة ما، وأسّس منطقا فنّيا وجماليّا يعزّزه بمقولات ذهنيّة لا تختزل فقط توجّهاته واختياراته وأفكاره بل تتجاوزها نحو إنشاء تصوّر لنسيج جمعي ينتمي إلى نفس الزّمان والمكان.
إنّ التّصوّر الفنّي لكلّ رسّام واستنادا إلى ما ذكر لا يخلو من تعبير عن بواطن وخفايا، وعن ظاهر يصوّر باقي ذوات يشترك معها في الثّقافة أو العادة والتّقاليد أو الموروث المرئي والمحكي السّردي، أو المنقول الشفهي الرّوائي لتبدو بذلك النّظرة إلى الإنتاج الفنّي بمختلف سجلّاته وميادينه وليد تربة معيّنة تسخّر مختلف حيثياتها ومؤشّراتها لصوغ منتوج يتعالى عن المحاكاة ويرجّح كفّة التّمثّل فترى الصّورة على هيئة غير التي حيكت أو التي ارتسمت في الذّهن، وهو إقرار بأنّ الصّورة الفنّية المحصورة في هذا المجال وخصوصا المتّصل بأحداث التاريخ من شأنه أن يؤسّس لمشهد رديف آلياته وميكانيزمات اشتغاله تكون مختلفة حيث تشتقّ من منطوق الكلام مشهديّة، ومن منقول القول أنماطا صوريّة متعدّدة تحكمها أحداث القصّ وتسيّر فصولها وتحدّد ملامح العناصر المتداخلة أثناء بداية سردها حتّى بلوغ ذروة القصّة وقوفا عند سكناتها وتوتّرها إلى أن تبلغ نقطة الهدوء لتستقيم صورة تحمل معنى نشتقّه من مبنى، ونتحسّس فكرته من مكوّناته البصريّة، فقد تساير حصيلة المنجز متطلّبات الرّؤية العينيّة، وتسلّم بمغريات الحقيقة الشّاخصة، وتجعل من الواقع المصدر الأساسي للإلهام، في توافق تامّ مع مبدأ النّسخ المبني على الاجتهاد وفق محاكاة تنتج الشّبيه، كما قد ينصرف الفنّان عن هذا التّوجّه ليرسم بدائل تلغي تأثيريّة عينيّة مرآويّة تؤكّد سلطة المرئي لتستبدلها بأساليب بنائيّة خالصة تحيد كلّيا عن المشهديّة المعلنة فتتصارع خلالها مكوّنات لا تعبّر عن فواعل الطّبيعة والواقع، وترسم حيثيات القصّ والحكاية المشتقّة من التوثيق والأرشفة بفلسفة المختلف عن الحقيقة، والمغيّر لأسس الواقع، والمرتبط بإغراءات التّجريد، وقد يجعل من الشّقّين مسرحا موحّدا تولد فيه أحداث متناقضة، أو متصالحة وصريحة، أو مبطنة ومباشرة، أو مبثوثة تغطّيها قشورا، فيصيّر بذلك الفنّان الصّورة الفنيّة فضاء عرض لملكتي العقل والوجدان، والبصر بينهما يميل حيث المقولات الأكثر تأثيرا.
الصّورة بذلك ليست خيارا للفنّان، بل فضاء أحداث ينحصر فيه الاختيار في مجالين، الأوّل تعلّة المبحث وقد يكون من بينها الأحداث المعيشة، والثّاني كيفية صوغها وتقديمها ضمن منطق التّوثيق الواقعي، والتقديم المغلّف بالرّمز، أو التّضايف بينهما. وفي هذا الإطار تتوالد شبكة من التّساؤلات في علاقة بالتّجلّي الصّوري بين منطق الشّبيه والبديل، ومنطق المروي المنقول والمرئي المصوّر، والإنتاج الصّوري في ارتباطه باللّحظة الزّمنيّة التي يعاصرها الفنّان، ومن خلال هذه الاعتبارات تطرح كذلك تساؤلات حول ماهية الصّورة الفنّية، وعلاقتها بالأصل والشّبيه، ودور الشّبيه باعتباره يتأرجح بين النّسخة المشتقّة عند عرضها، وإعادة عرضها كإنشاء لبديل صوري.
وفي سياق آخر يتنزّل الفنّ التّشكيلي على هيئة شواهد على العصر، وما يحمله من ثقافات تعكس رؤى مجتمع، وتدوّن ملامحه الفكريّة، وعاداته وتقاليده، وموروثه المحكي، والفنّان داخله مثل مسرحيّ يتقمّص دوره ليلعب دور النّاقل المحاكي، والمتجاوز للمرجعية الواقعيّة، وذلك على إثر تنزيل الخيال ضمن منزلة التّجريد كتعبير عن بداية انفصال عن الحقيقة المباشرة نحو تصوّر يعانق رواية مغايرة تحيك أحداثها أياد الفنّان بوسائطه المتعدّدة، وألوان وتقنيات يتخيّرها لتعبّر عن ذاته بدقّة، وعن طروحاته التي استقاها من واقعه الذي ينقله بطرائق مختلفة يترجم خلالها مقولاته عن المتخيّل المروي الذي من شأنه أن يولّد معطى مرئي يعادل الحكاية وما تحمله من العلامات والرّموز المعبّرة عن الحضور الصوري المراوح بين المشهدية وبديلها المشتقّ منها، وهو بديل يجعل من الحكاية صورة مكرّرة لواقع شبيه، وكذلك لواقع بديل عنه وفق أساليب تنسج التقارب بين التّصوير المباشر، والتّصوير المقتبس من إشارات مباشرة يؤثّث مفرداتها زمن بصري يعاضده زمن سردي يحكي ويحاكي، وينقل ويضيف، ويشبّه وينزاح. وهي مجموع من الأفكار المبثوثة داخل الحقيبة الفنّية في مختلف حقبها التّاريخيّة.
الصّورة والنّص: جدلية المرئي والمنطوق، الحسّي والعقلي، الحقيقة والتّمثّل
ثمّة كثير من الأنماط التواصلية التي أنشأها الإنسان فحاك خلالها تصوّرات تعبيرية متعدّدة، وعمد إلى تحديد قوانين اشتغالها ونظم تنفيذها لتخرج على شاكلة نصّ أو علامة أو صورة أو صوتا. وقد اقتضتها ضرورة حياتية غايتها حوار الذات للآخر، ومن خلاله العالم في كلّيته لتتطوّر في عصرنا فتصبح حوارات بصيغة الجمع بدل حوار في المفرد، والقصد من ذلك أن الفرد قد تجاوز النظر إلى رديفه أو مناقضه في بعده الفيزيقي، ليستحيل إلى تحاور ذهني وسجال فكري بين ذوات الفصل بينهم يكون من خلال مقارعة الفكرة بفكرة تناقضها أو تدعمها.
استنادا إلى ما تقدّم يتجلّى حوار الذّوات وفي بعد مخصوص من حوارات متعدّدة من خلال حوار النّص المبثوث داخل الصورة، والجدل الذي تطرحه هذه الثنائية، وعن مدى قدرة الابلاغ والتفسير لكل نمط منهما، وأيهما أقدر على تدقيق المعنى وإيصال الرسالة وجوهر الطّرح؟
وكيف يمكن أن نستلّ من عناصرها المرئية والمبطنة المقاصد والدلالة؟ وكيف نفاضل بينهما؟ وهل أن مبدأ المفاضلة يستجيب إلى معايير القراءة الموضوعية؟ أم يجانب الصواب؟ وهل من الممكن أن نقرّ بوجود خيط رابط ناظم بين النّص السّردي المبثوث في المرئي والصورة في مختلف أنواعها ووظائفها دون إهمال كون النّمطين نتاج ذوات فكّرت وصاغت رؤاها على هذه الشاكلة؟
أسئلة كثيرة تتطلّب حتما تدقيق التعريف لمعنى النصّ والصورة، فمصطلح النص في اللغة مستمد من الفعل نصّص، والمقصود من ذلك الشيء الظاهر والمفصح عن المعني، أما اصطلاحا فهو يعدّ بمثابة الظاهرة اللّغوية فيها يتضايف المعنى واللّفظ، وتجتمع فيه مبنى الجملة والكلام والقول بالتبليغ والخطاب، وما تحتويه من نظم تحيل إلى مكامن الدّلالة، ويعني ذلك تداخل التركيبي بدلالة الخطاب المكتوب والذي يفترض بالضّرورة حوار المتكلم، والكاتب للرسالة، والسامع، والقارئ لمعناها، وما قد تفصح عنه القراءة من تفسير وتأويل وشرح خصوصا إن ارتبط النص بنمط ثقافي وحضاري مختلف عن المحاور ذاته أو المتحاور معه، أما أدوات النص فترتبط بالقلم والكتابة، واللّسان أثناء التعبير.(4)
في حين الصورة “هي عرض مرئي وبصري” مرتبطة بسؤال “كيف نرى الصورة”؟ وأن كانت تتمّ عبر عملية الادراك البصري، أم ترتبط بالإدراك الذّهني؟ (5)
إنّ الصّورة شكل من أشكال الفنون الذي ينقل واقعا ما أو يبتكر مشهدا ما من نسج الخيال انطلاقا من واقع ملموس، وتتعدى هذه التعريفات لتشير إلى حقائق عديدة تمرّ من الصورة الذهنية إلى صورة الحلم، ومن الصورة الشعرية إلى الصورة الرمزية، لتكون بذلك ملفوظا بصريّا يحمل معنى ينتجه تفاعلا بين مجموعة عناصر هيكليّة وتركيبيّة تكوّن المشهد المرئي، وتشكّل الدّلالة المبطنة المتخفّية داخل المرئيات. (6)
بعد هذه التعريفات والتي شملت الأولى النص السّردي الذي تنقله أو تحمله الصورة من خلال وسائطه وتجلياته، ندرك أن هناك خيط رابط يفتح إمكانية علاقة لا تبدو ملامحها متنافرة بين النمطين. وإن ذهب البعض إلى المفاضلة عبر أسبقية النص اللّفظي المكتوب والمقروء على الصورة-النّص وهذا موروث ثقافي سببه غياب التعمّق والتدقيق في ماهيتها. إذ من المفترض أن تكون بدورها رسالة ونصّ رديف يعاضد الكتابة ويقتسم معها المعنى، ولنا في تاريخ الفنون التشكيلية أمثلة على ذلك إذ اكتشف الإنسان انماط التصوير الضاربة في القدم منذ نشأة الإنسان البدائي من خلال الرسوم الموجودة داخل المغاور والكهوف، والتي تتعرّى من كل إشارة لصواتم لفظية، أو كلمات تحمل لغة، وذلك يعود إلى أن الإنسان الأول كان يفتقد للخطاب وآليات التواصل وأدواتها، وكان يجهل أساليب الاتصال اللغوي، فجعل من الصورة مطية تواصلية وكذلك وسيلة تملّك للطبيعة، بالإضافة إلى الإشارة والأصوات، فتبرز عديد التجليات تحكي ” قصة الإنسان من خلال منشور التعبير بوجوهه التصويرية المختلفة، التصوير اللغوي والتصوير الموسيقي والتصوير بالرسم…” (7)
إن العلاقة بين النص اللّفظي والصّورة-النّص استنادا إلى ما تقدّم على غاية من التقارب الذي يلغي نهائيا التنافر، وقد نجد شواهدا متنوعة تطرح هذه العلاقة والتي تأخذ من النص والصورة مطية تفسير لأطروحة ما، أو التطرّق إلى مقاصدها، وأكثر دقة يمكن أن نسائل العلاقة التفاعلية بين النص السّابق للصورة الفنية، أو الذي يساوقها، أو الذي يأتي بعدها، أو الذي يختفي بين تفاصيلها. وهي طريقة في التعبير بشكل مغاير يفتح إمكانية أمام القارئ ليعالج الفكرة ويغيّر شكلها اللّفظي وفق تعبيريّة مشهديّة مرسومة، أو من خلال اجتثاث الفكرة التي تسكن الصورة وذلك من خلال تحليلها، كما تسمح له بتشغيل جانبي الدّماغ البشري وخصوصياته المتناقضة باعتباره ينقسم بين الحسّي والذّهني فيبحث بذلك عن نمط تأويلي يستنطق الإشارات والعلامات في تناقضاتها الشّكليّة، واختلافاتها الاصطلاحيّة المتغيّرة من زمن لآخر ومن مجتمع لآخر، إذ يعد الذّهن البشري جهازا مضبوطا بمقولات تنقسم بين الحسي والعقلي، لينقل السّجال المعرفي بنصفيه المحسوس والمجرّد. فإن كان النّصف الأيمن يحاور ملكة المشاعر والخيال المبثوثة داخل صورة تنطبع فتفرز تفاعلات شعورية تخضع للتأويل لا للقيس الدقيق، فإن كان هذا النّصف يشتغل ضمن هذه النظم الحسية فإن النّصف الأيسر يعير اهتماما بتلك الدقة العقلية الخاضعة للحساب، والمضبوطة بمعادلات ذهنية تقرأ الصورة من زاوية فكرية، ولا تقبل فكرة للتأويل، وهي تركيبة طرحها طوني بوزان في كتابه خريطة العقل (8)، وأكّد على أهمية إحداث التوازن ليؤسس نظام اشتغاله بكفتين تجمع بين الحسي والفكري في آن. ومن هنا قد تكون غاية تحليل البعد العلائقي بين النص المكتوب بعد تحليل الصّورة، والمقروء شفاهيّا أثناء التعبير عمّا تطرحه اللّوحة المصوّرة من جهة، والصورة المرئية المصاحبة والموجهة لشريحة مخصوصة دون تحميلها بالمعطى النصي، قد تكون الغاية ادراك جدلية الحسّي والعقلي باعتبارهما متلازمتين يساهمان في انتاج خطابات متضايفة بين دال ومدلول، وبين تصوّر مادي يعاضده البعد الدلالي، ليكتسي طابعا تمتزج فيه المسحة الذهنية الصرفة بمساحة الشعور والتي تسجل تواجدها سواء في النص أو الصورة وبتفاوت يلاحظه المحلل للمقاصد، والحاذق لاشتقاق المعنى وتأويل إشاراته، وهو ما يبرّر التوجّه للمراوحة بين ملفوظ الكلام والتمظهر البصري لتتراوح القراءة بين العقلي الدلالي، والحسي المتّصل بمجالات الشعور.
وجه الصّراع بين المرئي المباشر والمتمثّل في علاقة بزمنيّة الفعل التّشكيلي من زمنيّة الحدث الصّوري
يعدّ الفنّ التّشكيلي رؤية للعالم على شاكلة رحلة في الزّمن فيها يلعب الفنّان دور المهندس لمقولاته الحسّية منها والعقليّة، وكذلك يلبس ثوب الحالم المغامر الذي يبحث عن خصوصيّة مبثوثة كامنة فيه، فيرسم شقّها الظّاهر، ويستدعي القارئ إلى تحسّس نصفها المخفي. فإن أنت نظرت إلى الأثر الفنّي من خلال كينونته المادّية تكون قد تغافلت عن تلك الرّوح المتحرّكة داخله، وإن أنت كشفت عن الفكرة مجرّدة ومتجرّدة من آليات التعبير عنها فقد غفلت عن تلك النّظم المادّية التي تصوّر بعدها الصّوري المعلن وبذلك حريّ بك أن تدمج الكساء المادّي الصّوري بثوب المعنى والدّلالة لتشتقّ الفكرة الكامنة في اللّوحة الحاملة لجدل زمني يقطّع الكلّ المتّصل إلى جزيئات زمنيّة كثيرة تجدها ظاهرة عينيّة عند النّظر إلى التركيبة والهيكلة وخفيّة المعنى فتفرض عليك شقّ الدّوال وتشريحها لتعبر إلى المدلولات في اختلاف سياقاتها.
الأثر الفنّي التشكيلي بذلك متحرّك منذ بداية تشكّله الأولى من زمن كمونه في خيال وفكر الفنّان إلى لحظة ملامسة وسائط الفعل وفضاء اللوحة زمن الانشاء التّشكيلي وصولا إلى زمن التّوقّف ظنّا أنّها نهاية الممارسة الفنّية فتنقسم إلى فصول ومشاهد حاملة لأحداث لا تستكين يغذّيها فعل الزّمن وإحالاته وعوامله وهو ما يجعل من اللّوحة مسرحا زمنيّا يتوق المارّ من خلال ثنياه إلى القبض على ملامحه والتي تفترض بداية تدقيق معنى الزّمن وعلاقته بالذّات فالمادّة ومن ثمّ علاقته بالتّشكيل وتوليد العمل الفنّي المسكون بالدّلالة.
فالزّمن والزّمان اسم لقليل الوقت وكثيره، أزمن الشّيء أي طال عليه الزّمن، وأزمن المكان أي أقام به زمنا(9) وهو تعريف شائع مباشر يرتبط بالبداية والنهاية وثنائية القليل والكثير بوصفه الكمّي والطويل والقصير في علاقته بالحركة وبذلك يعتبر بمثابة بيئة لا نهائيّة تتّبع فيها الأحداث بعضها وفق مسار متسلسل ليشعرك بتلك القوّة المتغيّرة والمؤثّرة على مكوّنات العالم وعلاقاتها المتشابكة.
فاستجواب الزّمن من خلال أعمال الفنّانين قد يتجلّى من خلال كمّ من الإحالات يكون منطلقها تاريخيّة الأحداث المعيشة وحفظها والإخبار عنها ضمن سياق متسلسل لوقائع يفترض أن ترتبط بالحقيقة، وهو ما يتطلّب التّدقيق الفعلي والتّحرّي من المعلومة المبثوثة في الرّسالة المنقولة سواء كانت مكتوبة أو مرسومة، فتكون اللّوحة الفنّية بذلك حافظة لتاريخ ما، وشريحة ذاكرة توثّق لزمن عابر سجّل خلالها الفنّان الحدث بآليات مخصوصة حاكها بأسلوبه وعالجها بطريقته ومنهجه ونقلها بصريّا ووجدانيّا باعتباره معاصرا للحدث، وزمن التّأمّل ثمّ الفعل المتّصلين بمعنى السّرد في بعده المرتبط بالقصّة البصريّة التي تنقلها لغة التّشكيل من خلال تجلّ جماليّ يتمّ استجوابه بوسائل ووسائط تشكيليّة مختلفة، وهي معطيات ضروريّة تعاضدها إحالات متمّمة متنوّعة على غرار زمن الفعل المرتبط بالمؤثّرات البصريّة المستخلصة من الحركة في اللّوحة سواء ارتبط ذلك بزمن الإنشاء الفنّي، أو بعد الانتهاء من الرّسم، وزمن العرض والذي يلعب فيه الرّائي دوره باعتباره القارئ بتمعّن للصّورة والمستجوب لغائيات الرّسم وأسبابه، ومبرّراته وحيثياته، والمتأمّل في صور الحاضر والماضي، والنّاقد لطرائق النّقل أو المحاكاة، أو التّجاوز للحظة من زمن الفعل المبثوث وفق مقاصد تتعالى بالضّرورة عن عفوية قد تسجّل حضورها إذ لا يمكن نفيها كلّيا.
كلّ هذه الإحالات المجتمعة وغيرها من شأنها أن تحدّد مسار العمل الفنّي وتقدّم ذاك الانطباع أنّ قراءة المعنى التّشكيلي المبثوث لا يستجيب إلى دلالاتها التّامّة والصّرفة والمحدّدة إلاّ باستحضار الظّروف التي هيّأت له، واستقراء سياقات زمنيّة تخصّ موضوع الرّسم والرّسّام على إثرها يرتّب الفنّان لحظات مؤثّرة عايشها يقوم بسرد وقائعها عبر ومضات بصريّة يتتبّعها من خلال إعادة تجميعها وتركيبها، أي صوغ الحكاية وقصّها بصريّا وإخضاعها إلى آلية الاسترداد الزّمني لإنشاء صورة رديفة أو بديلة تكون صادقة لأنّها تنقل حدثا معيشا أثّثته ظروفا تخصّ الرّسام وأخرى مطلقة تخصّ محيط تواجده وما يحتويه من مؤثّرات تنحت في ذاته وتنشئ الدّواعي والتّعلاّت الموضوعيّة التي ستدفعه نحو بناء كيان فنّي يعبّر عن المفرد والجمع، وعن الرسائل الكونيّة الخاصّة بالإنسان المطلق الذي يتنقّل عبر الزّمن.
المصادر والمراجع
1 – كتاب مكاشفات الصّورة في اللّوحة والكاريكاتير د. نزار شقرون ص2)
2-كتاب ارسطو في الشعر: ترجمة الدكتور شكري عياد مع دراسة لتأثيره في البلاغة العربية دار الكتاب العربي، القاهرة 1967، ص64.
3-النقد الأدبي الحديث: ص297.
4 مفهوم النص”، www.thesis.univ-biskra.dz، اطّلع عليه بتاريخ 11/6/2018)
5-6 ترجمة الخوري ريتا، كتاب الصّورة، جاك أومن، بيروت نيسان (أبريل)2013
7-محجوب محمّد، كتاب محاولة في أصل اللغات لجان جاك روسو، الدار التونسيّة للنشر-دار الشؤون الثقافية العامة (افاق عربية) بغداد
8-بوزان توني: خرائط العقل، مكتبة جرير، الطبعة السابعة 2009
9- ابن منظور، محمد: لسان العرب، (بيروت: دار صادر، د.ط، د.ت)، مادة (زَمَنَ)، ج13، ص159، ص199. ابن فارس، أحمد: معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، (بيروت: دار الجيل، ط1، 1411هـ/ 1991م)، مادة ( زَمَنَ)، ج3، ص22.
باحث في الجماليات من تونس
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي