الأدب الأمازيغي المعاصر والحديث (1967 – 2000)

الحسن زهور*
الفترة الزمنية الواقعة بين 1967 و 2000 هي فترة مهمة في تاريخنا الثقافي والأدبي الأمازيغي، نظرا لكونها مرحلة انبعاث وتأسيس مبني على وعي جماعي بالهوية الأمازيغية للمغرب، ويعني الوعي الجماعي هنا الوعي الذي تكسبه جماعة ما سواء كانت جماعة صغيرة يمكن ان لا تتعدى بضعة افراد تؤسس نفسها كنواة، وسواء كانت الجماعة هنا جماعة كبيرة أو شعب… هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالوعي الجماعي هنا يراد به ما يقابل الوعي الفردي، ويمكن للوعي الفردي ان يؤثر في الوعي الجماعي ويوجهه ويمكن لهذا الوعي الفردي أن يخبو وينطفئ، فإذا اثر في جماعة ما يصبح نواة وعي جماعي، ويتحول هذا الوعي الجماعي إلى قوة جماهيرية لا يمكن إلا أن تحقق أهدافها أو بعضا منها. وهكذا حال الوعي الجماعي بالهوية الأمازيغية في هذه المرحلة التي قلنا بأنها مرحلة تأسيسية، هو وعي جماعي لثلة من المثقفين والمتعلمين والطلبة بدأ بفكرة الحفاظ على الهوية الثقافية واللغوية للمغرب (نفس الشيء في الجزائر مع بعض الاختلافات المتعلقة بالظروف السياسية والتاريخية في البلدين) أمام المد القومي الذي عمل على محو الهوية الأمازيغية وتذويبها في الهوية العربية الشرقية بكافة الوسائل..
إذن فهذه الفترة من أهم الفترات التأسيسية التي سيبنى عليه ما سيأتي من انجازات هامة لصالح القضية الأمازيغية لغة وثقافة وهوية. أهمية هذه الفترة تكمن في كيفية تدبير القضية الأمازيغية في المغرب في هذه الفترة الهامة من تاريخ الحركة الأمازيغية، وهو تدبير اعتمد على العقلانية الهادئة والمنسابة التي قرأت واقعها كما هو، وفي نفس الوقت بدأت بمحاولة زحزحته لتغييره دون أن تترك للخصم السياسي الايديولوجي فرصة لاستخدام العنف المادي لتصفية الفكرة/ المشروع الثقافي.
بدأ الوعي الجماعي بالهوية الأمازيغية -كما قلنا سابقا- بتوظيف نفس المفاهيم الثقافية السائدة في الساحة الثقافية والأدبية بالمغرب في هذه الفترة، كمفاهيم “الثقافة الشعبية” و”الثقافة الوطنية”… وهي مفاهيم يستغلها كثيرا اليسار المغربي في صراعه الحاد مع السلطة، كما يوظفها كذلك ما يطلق عليه هذا اليسار آنذاك ب ” اليمين أو القوى الرجعية”(1) من منظوره الايديولوجي، لكن رغم هذا الصراع الشديد والحاد بين الطرفين فكلاهما يوظف هذه المفاهيم بنفس الأرومة اي أن الثقافة الشعبية في المغرب ثقافة عربية قومية بما فيها الأمازيغية.
هذا الوعي الجماعي، الذي ظهر ونشأ مع فئة من المثقفين الأمازيغ، بدأ مساره بوعي رزين وهادئ يتلمس طريقه بحكمة وسط محيط ايديولوجي معاد للهوية الأمازيغية. هذا المسار الهادئ والرزين للوعي الهوياتي الأمازيغي هو صمام الأمان الذي اوصل الحركة الأمازيغية إلى تحقيق الكثير من المكاسب الآن والتي تعتبر آنذاك حلما(2)، وهو في نفس الوقت درس لكل الحركات التي تريد التغيير الايجابي الذي يسير مع حركة التاريخ نحو الامام وليس إلى الوراء.
لذلك فهذه المرحلة هي مرحلة تأسيس، وكل مرحلة تأسيس تتميز بخصائصها والتي ستؤثر حتما في ما يليها من مراحل. مرحلة تأسيس الحركة الأمازيغية هذه تتميز ب:
-ان خطابها -كما قلنا- خطاب عقلاني اعتمد على العقلانية في تدبير الأمازيغية بهدوء، فتجنبت الصراع المباشر مع اليسار القومي السياسي والثقافي السائد من جهة ومع السلطة وأذرعها الثقافية من جهة أخرى، فمورست على الحركة أشكال متعددة من العنف الرمزي من كلا الطرفين فامتصت الحركة هذه الضربات بحكمة وتفادت الانجرار الى ذلك الصراع الذي هو شرك لها، وبذلك حافظت على استقلالها وعلى نهجها المدني الثقافي ( فالصفة التي أطلقت على زعيمها ابراهيم اخياط بأنه حكيم الحركة الأمازيغية صفة معبرة بصدق عن حكمته وذكائه الاستراتيجي). فقد بدأت الحركة رسميا سنة 1967 لكنها لم تنشر ما دونته ولم تبدأ عملية الانتقال الفعلي من الشفاهة إلى الكتابة -بما فيها الكتابة الابداعية- الا سنة 1974، اي بعد مرور أحداث كادت تهز النظام السياسي بالمغرب في بداية السبعينات (انقلابي 70 و71، وتمرد 73 المحدود الذي قادته خلية من تيار يساري قومي ممول من ليبيا القذافية آنذاك سرعان ما تم تطويقه)، وظهور بوادر انخراط المغرب في استرجاع صحرائه مع ما يتطلب ذلك من إجماع وطني من أجل القضية الوطنية والذي سيتوج بانطلاق المسيرة الخضراء نونبر1975 ..
– بداية انتشار خطاب الحركة الأمازيغية في الجامعات المغربية آنذاك وخصوصا في الرباط منذ الربع الاخير من الستينات حيث بدأ الاستاذ ابراهيم اخياط وعلي ازايكو بالاتصال بمجموعة من الطلبة منذ 1966 بالرباط والذين سيساهمون في تأسيس الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي(3)، وفي فاس (71- 72) التي بدأت فيها مبادرة تأسيسية للحركة الثقافية الأمازيغية الطلابية وكان الاستاذ محمد فرح أحد مؤسسي هذه المبادرة (4)، وفي أكادير في الثمانينات مع تأسيس كلية الآداب فيها وفي بعض المواقع الجامعية الأخرى والذي ستعرف فيما بعد بالحركة الثقافية الأمازيغية. وامتد هذا التأثير إلى الوسط الفني بتأسيس مجموعة “أوسمان” سنة 1974 من طرف الجمعية ورئيسها ابراهيم أخياط والصافي مومن علي والمجموعة أحدثت طفرة حداثية في الأغنية الأمازيغية، إضافة إلى بوادر تأسيس للسينما الأمازيغية مع محاولة الاستاذ الصافي مومن في إخراج فيلم قصير له وبإمكانيات ووسائل بسيطة جدا لكنها بادرة فردية رغم أنها لم تؤد إلى ما كان يرجي منها نظرا لعدم نضج الظروف التاريخية لمثل هذه المبادرات التي تتطلب تمويلا ماديا كبيرا.
– انتعاش الابداع بالأمازيغية خصوصا في المجال الشعري، واقتحام مجال النشر الذي كان محتكرا من طرف الفرنسية والعربية. فلأول مرة سيصدر المبدعون إصداراتهم الابداعية بالأمازيغية، وفي نفس الوقت سيصدر بعض الباحثين بحوثهم الجامعية عن الثقافة الأمازيغية ممثلة في شعرها وفي لغتها بعد أن كان هذا البحث حكرا على الأجانب المستمزغين سابقا.
– تحقيق بعض الكتب التراثية المكتوبة بالأمازيغية منها كتاب “الحوض” لمحمد أوعلي أوزال من القرن الثامن عشر وحققه الرحماني عبد الله بن محمد الجشتيمي.
– وقبل نهاية السبعينات ستتعزز الساحة الأمازيغية بتأسيس جمعيات ثقافية وازنة سيكون لها تأثيركبيرفي الدفع بالعمل الثقافي الأمازيغي نحو الانتشار في الساحة الطلابية وبين المثقفين مما وسع القاعدة الاجتماعية والشعبية للحركة الأمازيغية، ومن بين هذه الجمعيات الوازنة: الجمعية الجديدة للفنون الشعبية (1978) بالرباط وسيتم تغيير اسمها إلى “تاماينوت ” بداية الثمانينات (والتي ستتفرع إلى أكثر من 20 فرعا فيما بعد)، وجمعية الانطلاقة الثقافية في الناظور (1978) وجمعية الجامعة الصيفية بأكادير (1979)، وجمعية أمازيغ (1979) بالرباط، والجمعية الثقافية لسوس (1980) بالدار البيضاء…
لماذا تحديد هذه الفترة من تاريخ أدبنا الأمازيغي المعاصر والحديث بالمغرب؟
أولا نعني بالأدب الأمازيغي المعاصرالأدب المرتبط بعصرنا الحالي، ويجمع هذا الأدب بين ما هو شفوي وبين ما هو مكتوب بصفة عامة؛ والمكتوب من هذا الأدب بدوره يشمل ما هو مرتبط بالشفاهة كالأساطير والحكايات بمختلف أنواعها والقصص والأمثال والحكم والألغاز.. والشعر وأكثره لم يدون وبقي حبيس الشفاهة ولم يبق منه الا ما حفظته وتحفظه الذاكرة أو ما دونه المستمزغون وبعض الباحثين الامازيغ أو ما يزال مسجلا في الأشرطة وغيرها، كما يشمل هذا الادب المعاصر ما تخطى الشفاهة إلى التدوين وما دخل مرحلة الكتابة والابداع والحداثة سواء شعرية كانت أو نثرية فنية..
اما مفهوم الأدب الحديث فيلتصق بالمعاصرة والحداثة في نفس الوقت، والحداثة تعني الجدة والتجريب. والحداثة في الأدب الأمازيغي ترتبط بمرحلة التأسيس وظهور أجناس ادبية جديدة غير مطروقة سابقا في الأدب الامازيغي كالقصة القصيرة والرواية والمقالة والمسرح المكتوب ..، وهذه مرتبطة بزمننا المعاصر.
التقسيم الزمني الذي اعتمدته في هذا البحث لمراحل تطور الأدب الأمازيغي الحديث بالمغرب، مرتبط في جانب منه بمراحل لتطور النضال الثقافي الأمازيغي؛ هو تقسيم يتداخل فيه ما هو سياسي (أي الجو السياسي العام) بما هو أدبي، تقسيم زمني يعتمد علي تقسيم مسار تاريخ تطور الأدب الأمازيغي إلى مرحلتين أساسيتين: المرحلة الاولى من نهاية الستينات إلى نهاية التسعينات من القرن الماضي، والمرحلة الثانية هي بداية الالفية الثالثة التي بدأت بخطاب أجدير التاريخي سنة 2001 وتأسيس المعهد الملكي للثقافة الامازيغية، وكلتا المرحلتين مرتبطتان بتطور النضال الثقافي الأمازيغي (وسأقتصر على المرحلة الاولى في هذا الكتاب).
وكلا المجالين السياسي والأدبي له خصائصه التي فرضت هذا التقسيم، فالجانب السياسي منه يتعلق بفترة ما قبل الاعتراف الرسمي بالأمازيغية في خطاب أجدير، وبالمراحل التي قطعها نضال الحركة الأمازيغية إلى أن تحقق هذا الاعتراف. أما الجانب الأدبي والثقافي منه فيتعلق بكون مرحلة ما قبل 2000 هي مرحلة تأسيسية في أغلب الاجناس الأدبية حيث سيدخل الأدب الأمازيغي مرحلة جديدة في بداية الالفية الثالثة كما وكيفا..
إذن، هذا التقسيم هو تقسيم يتداخل فيه ما هو سياسي بما هو أدبي. السياسي هنا هو الجو السياسي العام الذي يرتبط بمرحلة بداية تأسيس الحركة الأمازيغية ومراحل تطورها بتطور خطابها النضالي الثقافي والحقوقي، ابتداء من العناية بالتراث والعمل من أجل المساهمة في انتقال الأمازيغية الى الكتابة المرتبطة بالحداثة مع جهود جمعية “البحث والتبادل الثقافي” في السبعينات، ثم انتقال الحركة الامازيغية إلى النضال الحقوقي والطلابي مع جمعية “تاماينوت” وتأسيس جمعية “الانطلاقة” بالناظور وتنظيمها للمهرجان الأول للشعر الأمازيغي بالناظور سنة 1979، وتأسيس جمعية “أمازيغ”، وجمعية “الجامعة الصيفية” التي بدأت بتنظيم دوراتها الوطنية حول الأمازيغية، وتأسيس جمعية “إلماس”، و”الجمعية الثقافية لسوس”، وجمعية “أغريس”.. ليتطور النضال الأمازيغي في التسعينات إلى توقيع ميثاق أكادير سنة 1991، لينتقل بعد ذلك النضال الامازيغي الى المنظمات الحقوقية الدولية، وليبدأ التنسيق الوطني بين الجمعيات الأمازيغية بالمغرب، وليمتد العمل الامازيغي كذلك إلى ما هو نقابي نتج عنه اعتقالات گلميمية 1994.. كل هذا مهد للاعتراف الرسمي بالأمازيغية في المغرب بصورة غير مباشرة في الخطاب الملكي غشت 1994، لينتقل التنسيق الوطني بين الجمعيات في المغرب إلى التنسيق الدولي بين الجمعيات الأمازيغية في شمال افريقيا وجزر الكناري وبلاد المهجر نتج عنه تنظيم المؤتمر الاول للكونگريس العالمي الامازيغي في “تافيرا” بجزر الكناري سنة 1997، لـتشهد سنة 2001 الاعتراف الرسمي بالأمازيغية في خطاب أجدير التاريخي و تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
إذا، فترابط الجانب الحقوقي بالنضال الثقافي والادبي في هذه المرحلة الأولى (اي مرحلة نهاية الستينات إلى نهاية التسعينات من القرن العشرين) فرض نفسه بشدة في هذه المرحلة التي تعتبر مرحلة تأسيسية للأدب الامازيغي وفي نفس الوقت مرحلة تأسيس وتطور النضال الثقافي والحقوقي الأمازيغي في المغرب إلى أن تم تتويجه بالاعتراف الرسمي بالأمازيغية مع بداية الألفية الثالثة. فكيف تطور فيها النضال الثقافي والأدبي والحقوقي؟
يمكن تقسيم هذه المرحلة الاولى – إجرائيا- إلى ثلاثة فترات مرتبطة بتطور العمل الثقافي الامازيغي من جهة وبتطور الأجواء السياسية السائدة آنذاك في البلد (أما المرحلة الثانية، كما قلنا، فتبتدئ بترسيم الامازيغية مع الخطاب الملكي لسنة 2001 وتأسيس المعهد الملكي للثقافة الامازيغية، وهذه المرحلة تتطلب جهدا كبيرا عسى أن تسعفنا الظروف لإنجاز هذا العمل):
- الفترة الأولى: 1967- 1979 أي نهاية الستينات وفترة السبعينات.
- الفترة الثانية : 1980- 1989 اي الثمانينات.
- الفترة الثالثة: 1990- 1999 اي التسعينات.
ولكل فترة من هذه الفترات خصائصها ومميزاتها التي تطبعها، وتسير في خط تصاعدي موسوم بالتطور.
الهوامش:
- مفهوم سياسي وايديولوجي شائع آنداك يوظفه اليسار المغربي في صراعه مع السلطة آنذاك ، وتغير هذا المفهوم في ما بعد الى مفهوم ” الاحزاب الادارية” وينعت به الأحزاب “الموالية” للسلطة.
- [1]لذلك يطلق على الاستاذ ابراهيم أخياط حكيم الحركة الأمازيغية.
- يقول ابراهيم اخياط عن هذه الفترة: “..وقد التحق بنا لهذا الغرض (ويعني به محو الامية في صفوف التجار الصغار والعمال) فيما بعد كل من الأخ علي صدقي ازايكو سنة 1966 والذي عرفنا بدوره بالطلبة الاخوة أحمد بوكوس، وأحمد أكواو وبوجمعة الهباز وعبد الله بونفور وعبد الفاضل الغوالي وعلي الجاوي حيث كونا جميعا فيما بعد الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي سنة 1967″، من كتاب “رجالات العمل الامازيغي” ص 85.
- أدلى بذلك في شهادة شفوية له. وكتب الاستاذ الحسين أيت باحسين في إحدى مقالاته “ّذاكرة أمريك” نشرها في صفحته بالفيسبوك, وفي جريدة “أزول بريس” الالكترونية يوم 29 ابريل2021، بأن عبد المالك أوسادن اقترح سنة 1971 على ابراهيم أخياط تدارس وضعية الجمعية ووضعية الحركة الامازيغية بعد انتقال الكثير من مناضليها لاكمال دراستهم بفرنسا، حيث اقترح تنظيم برنامج تكويني دجنبر1971 دام خمسة أيام في محل إقامته بمنطقة إموزار نواحي فاس، شارك فيه مناضلون أمازيغ منهم ابراهيم أخياط (الرباط)، وأوسادن (طبيب بفاس)، و ايت باحسين (طالب بالرباط)، ، ومحمد فرح (طالب بفاس) عبد الله الرحماني الجشتيمي، الحسين أجگون (طالب بالرباط)، و أحمد بوزيد، وعمر أمرير(طالب في فاس)…
باحث في الامازيغية من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي