الرئيسية / الأعداد / لماذا نمارس الفوتوغرافيا؟ – بوعياد إمناشن

لماذا نمارس الفوتوغرافيا؟ – بوعياد إمناشن

الفوتوغرافيا

لماذا نمارس الفوتوغرافيا؟

بوعياد إمناشن*

 

 

أصبحت الفوتوغرافيا في زمننا المعاصر ممارسة يومية تكاد تكون تلقائية، حيث تُلتقط ملايين الصور دون تفكير
في معناها أو غايتها. ومن هنا تبرز مشروعية التساؤل: لماذا نمارس الفوتوغرافيا؟ إذ لا يُعد هذا السؤال ترفًا فكريًا، بل ضرورة معرفية لفهم فعلٍ أصبح جزءًا لا يتجزأ من سلوكنا اليومي.

إن الفوتوغرافيا لا تقتصر على كونها عملية تقنية تهدف إلى تسجيل الواقع، بل تمثل فعلًا اختياريًا ينطوي على موقف من العالم. فالفوتوغرافي، حين يلتقط صورة، لا يعكس الواقع كما هو، بل ينتقي منه ما يراه جديرًا بالاهتمام، ويستبعد ما سواه. وبذلك تصبح الصورة تعبيرًا عن رؤية ذاتية، لا مجرد انعكاس موضوعي.

كما تؤثر الفوتوغرافيا في طريقة إدراكنا للعالم؛ فنحن لا نرى الأشياء كما هي فقط، بل كما اعتدنا أن نراها عبر الصور. وعليه، فإن الصورة لا تكتفي بعكس الواقع، بل تسهم في إعادة تشكيله والتأثير في وعينا به.

وإذا كانت الفوتوغرافيا تساهم في بناء رؤيتنا للعالم، فإن ممارستها تستدعي بدورها تفسيرًا أعمق، إذ لا يمكن فهم الصورة دون فهم الدوافع التي تقف وراء إنتاجها. لذلك، يقتضي تحليل هذا الفعل الوقوف عند أهم الحاجات الإنسانية التي تدفع الفرد إلى ممارسة الفوتوغرافيا.

  1. 1. الحاجة الإنسانية للتعبير عن الذات

الفوتوغرافيا لغة بصرية تسبق الكلمات. منذ فجر التاريخ والإنسان ينقش على جدران الكهوف، واليوم يضغط على زر الكاميرا. إنها رغبة فطرية لنقول “هذا ما أراه، وهذه هي طريقتي في رؤية العالم”.

  • البصمة الشخصية: كل مصور له أسلوبه الخاص، حتى عندما يصورون نفس الموضوع. نبحث عن بصمتنا، عن الشيء الذي يجعل صورنا “صورنا نحن”.
  • الخصوصية: التصوير يسمح لنا بالتقاط الأشياء التي تمسنا شخصياً، والتي قد لا يراها الآخرون أو لا يهتمون بها.
  1. 2. الرغبة في إيقاف الزمن ومقاومة النسيان

هذا ربما هو الدافع الأقدم والأعمق. نعيش في نهر الزمن المتدفق، والتصوير هو محاولتنا للخروج للحظة من هذا النهر.

  • خلود اللحظة: نصور أطفالنا وهم يكبرون، آباءنا وأجدادنا، لأننا نعرف أن كل شيء زائل. الصورة هي انتصار صغير على الموت والنسيان.
  • الذاكرة الخارجية: الدماغ البشري محدود، ننسى تفاصيل كثيرة. الصور هي ذاكرة خارجية نستطيع العودة إليها لنشتم رائحة الماضي ونلمس مشاعرنا القديمة.

يقول رولان بارت في كتابه “الغرفة المضيئة”: “التصوير الفوتوغرافي يكرر ما لا يمكن أن يتكرر وجودياً”.

  1. 3. البحث عن الجمال واكتشافه

الإنسان كائن يعشق الجمال. التصوير يدربنا على رؤية الجمال في أماكن غير متوقعة.

  • تدريب العين: الممارس للتصوير يبدأ برؤية العالم بشكل مختلف. يلاحظ الضوء كيف يسقط على وجه طفل، ظل شجرة، انعكاس وجه في نافذة، نسيج حائط قديم. يصبح عاشقاً للتفاصيل.
  • خلق الجمال: في عالم مليء بالقبح أحياناً، نصنع نحن جملاً خاصاً بنا. الصورة الفوتوغرافية هي تأطير للعالم، نختار منه ما نريد، ونحذف ما لا نريد.
  1. 4. التواصل مع الآخرين

“الصورة تساوي ألف كلمة”، هذه المقولة لا تزال صحيحة حتى اليوم.

  • اللغة العالمية: صورة لطفل يضحك، أو امرأة تبكي، أو غروب شمس، يفهمها الجميع بغض النظر عن لغتهم أو ثقافتهم.
  • رواية القصص: كثير من المصورين يمارسون التصوير لأن لديهم قصصاً يريدون روايتها. المصور الصحفي يروي قصص الحروب والمجاعات، فوتوغرافي الطبيعة يروي جمال الأرض وروعتها، فوتوغرافي البورتريه يروي قصص الوجوه وما تخفيه.
  • التقارب الإنساني: الفوتوغرافيا تمنحنا مبرراً للاقتراب من الآخرين، للدخول إلى عوالمهم، لمشاركتهم لحظاتهم الخاصة.

  1. 5. التوثيق والمعرفة

الفوتوغرافيا أداة توثيق قوية تخدم العلم والتاريخ والمجتمع.

  • التوثيق العلمي: من تصوير الخلايا تحت المجهر إلى تصوير المجرات البعيدة، التصوير الفوتوغرافي وسيلة لفهم العالم بشكل أفضل.
  • التوثيق التاريخي: صور الحروب، الثورات، الحياة اليومية في الماضي، كلها تشكل أرشيفاً بصرياً للأجيال القادمة.
  • التوثيق الاجتماعي: فوتوغرافيو الشارع يوثقون الحياة كما هي، بكل تناقضاتها وجمالها وقبحها.
  1. 6. الهواية والترفيه والتحدي

لا يجب أن ننسى الجانب الممتع والمرح في التصوير.

  • الفضول والتجريب: كل كاميرا جديدة، كل عدسة مختلفة، كل تقنية جديدة هي عالم بحد ذاته نستكشفه. الفوتوغرافيا تبقي فضولنا حياً.
  • التحدي التقني: إتقان قاعدة التعريض الثلاثي (سرعة الغالق، فتحة العدسة، حساسية المستشعر (ISO يشبه حل لغز ممتع. كل موقف تصوير هو تحد جديد.
  • الانغماس في الحاضر: عندما نصور، نكون مستغرقين في اللحظة، نبحث عن الإطار المناسب، ننتظر اللحظة المناسبة. هذا يشبه التأمل.

  1. 7. البعد النفسي والعلاجي

الفوتوغرافيا يمكن أن تكون وسيلة للتعامل مع المشاعر الصعبة وتحسين الصحة النفسية.

  • اليقظة الذهنية: التصوير يجبرنا على التوقف، التأمل، ملاحظة التفاصيل. هذا يشبه ممارسة التأمل ويساعد في تخفيف القلق.
  • التعبير عن المشاعر: عندما نمر بمشاعر صعبة (حزن، غضب، وحدة)، التصوير يمنحنا منفذاً آمناً للتعبير عنها.
  • الهروب المؤقت: الغوص في عالم الصور، سواء بالتقاطها أو بمعالجتها لاحقاً، هو هروب صحي من ضغوط الحياة اليومية.
  • إعادة بناء الذات: مشروع فوتوغرافي طويل يمكن أن يساعد في فهم الذات بشكل أعمق ومعالجة الذكريات المؤلمة.
  1. 8. السعي نحو الخلود

ربما هذا هو البعد الميتافيزيقي للتصوير. كل صورة نلتقطها هي محاولة لترك أثر.

  • البصمة في الكون: فكرة أن صورتنا ستبقى بعد رحيلنا، أن شخصاً ما سيرى العالم من خلال عيوننا حتى بعد مئة سنة، هذا يمنح الحياة معنى إضافياً.
  • الامتداد: التصوير هو امتداد لوجودنا، طريقة لنقول “كنت هنا، رأيت هذا، شعرت بهذا”.

في النهاية، يمكن القول إن ممارسة الفوتوغرافيا تعود إلى طبيعة الإنسان ذاته، إذ يعيش بين محدودية الزمن وضعف الذاكرة، وبين إدراكه لجمال العالم وألمه في آن واحد.

نحن نصوّر لأن:

  • الذاكرة محدودة، والصورة تحفظ ما يضيع
  • الكلمات قد تعجز، بينما الصورة تعبّر
  • الزمن عابر، والصورة تثبّت لحظة منه
  • العالم غني بالتفاصيل، والصورة تكشفها
  • الإنسان يسعى إلى الأثر، والصورة إحدى تجلياته

وعليه، فإن التصوير الفوتوغرافي ليس مجرد فعل تقني، بل هو نمط من الوجود، وطريقة في الرؤية والفهم. إنه حوار صامت بين الإنسان والعالم، وبين الإنسان وذاته، وبين الصورة ومن يتأملها.

ومن جهة أخرى، ترتبط الفوتوغرافيا بعلاقة الإنسان بالزمن، إذ تمثل محاولة لالتقاط اللحظة العابرة وتثبيتها. غير أن هذا الفعل يطرح تساؤلًا أعمق: هل نسعى إلى حفظ الحياة، أم إلى الهروب من زوالها؟ وهل نعيش اللحظة حقًا، أم نكتفي بتوثيقها؟

وفي السياق المعاصر، أصبحت الفوتوغرافيا مرتبطة كذلك بالهوية والاعتراف الاجتماعي، حيث تُلتقط كثير من الصور بدافع الظهور ونيل القبول. وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن طبيعة هذه الممارسة: هل هي تعبير صادق، أم استجابة لضغط اجتماعي؟

إن غياب هذا التساؤلات يؤدي إلى سطحية في الممارسة، حيث يتحول التصوير الفوتوغرافي إلى تكرار آلي لما هو سائد، بدل أن يكون فعلًا إبداعيا واعيًا قائمًا على الفهم والرؤية. لذلك، يظل سؤال “لماذا نمارس الفوتوغرافيا؟” سؤالًا مشروعًا وضروريًا، لأنه يعيد المعنى إلى هذا الفعل، ويميز بين من يصوّر بوعي، ومن يكتفي بمجرد التقاط الصور.

فنان فوتوغرافي وباحث في الفوتوغرافيا من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً