الرئيسية / إبداعات / شيزلونج. – نيرة عبدالهادي

شيزلونج. – نيرة عبدالهادي

شيزلونج

نيرة عبدالهادي*

 

 

قال طبيبي النفسي إن علينا أن نتدرب على النسيان. قالها ببساطة كمن يدرك طريق العودة من الذاكرة، أو هكذا يظن. جلست أمامه أفكر: هل النسيان حقًّا علاج، أم عادة سيئة نعتادها كي لا نتألم؟ سألته كيف نتدرب على الموت. وتمنيت أن يفهم مغزى سؤالي من ارتعاشة نبرة صوتي. أحيانًا نبرة الصوت تحكي ما نهاب الاعتراف به. كنت أقصد بالسؤال الموت الصغير الذي يحدث كل مرة نفتح فيها درجًا قديمًا داخلنا، فنجد الأشياء كما هي، لا أقل قسوة ولا أكثر رحمة. قال إن الهروب من الحقيقة ممكن، وإن التجاهل فن. ضحكت في نفسي: الفن الوحيد الذي أتقنه هو التذكر في أسوأ توقيت. في تلك اللحظة تذكرت صديقي الذي يبدأ منشوراته دائمًا بعبارة: “حدانا في الفلاحين أو على فكرة”. لا يقولها كتمهيد، بل كتحذير من الوقوع في فخاخ النفس المثقلة بالذكريات. كل ما يأتي بعد جملته تلك يشبه يدًا تمتد من خلال الموج لغريق: مدهش أن يكتب أحدهم نصًّا مستتر المعنى، ولكنه يحمل الكثير من الوضوح لمن ينتظره. كل مرة أرى جملة لم تُكتب في نهاية نصوصه، مفادها: “كلنا يمكننا النجاة”. في نهاية الجلسة، طلبت من طبيبي أن يجلس مكاني على الشيزلونج. ولا أعرف ما وراء طلبي هذا، ربما وددت أن أتحدث مع الإنسان الذي يتخفى خلف مهنته. وربما أيضًا كنت أريد أن أثبت له أن هناك أوجاعًا حتى الصمت لا يستطيع شرحها. قال لي إنه لو احتاج، سيفعل، وسيبحث عن طبيب، وأن من يطلب العلاج لا يخجل. أيقنت أن هناك أشخاصًا لا يفضلون الجلوس بمحاذاة الألم أبدًا، فقط لأنهم اعتادوا حمل الألم واقفين، كمن ينتظر حافلة لن تأتي. سألته: إن كان لديه حلم شكر الله يومًا لأنه لم يتحقق؟ إن كان يتعامل مع الآخرين أحيانًا بشق الأنفس؟ إن كان يرى للكتب أجنحة، وللصفحات قلوبًا تخفق خلف أغلفتها؟ لم يجب. لكنني رأيت الإجابة تمر بمحاذاته، مترددة ثم تختبئ سريعًا. خرجت من الجلسة وأنا أفكر: لسنا بحاجة إلى أن ننسى، نحن بحاجة إلى أن نتذكر دون أن ننكسر. أن نمنح ذاكرتنا مقعدًا في الخلف، لا أن نلقي بها خارج النافذة. أما الشيزلونج، فليس علامة ضعف، بل شجاعة مؤقتة. حتى التعافي: نجلس عليه كي نقف بعدها أقوى مما كنا.

 

قاصة 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً