أقتفي أثرَ الآية

سعاد السبع*
في جهةِ السرِّ
كانتْ يدُ الضوءِ
تنقشُ فوقَ طينِ الروحِ أسماءَها الأولى،
وكانَ في القلبِ
بئرٌ من الغيبِ،
تتهادى على شفتيه
حمائمُ لم تُروِّضْها الجهات
أصغي…
فيتسعُ الصمتُ
حتى تُرى في مراياه
ملامحُ الماءِ قبل ولادتِه،
وأسمعُ في نبضِ الطينِ
ترتيلَ البدايات
تنحدرُ الآياتُ
من سدرةِ المعنى
كغيثٍ يبلّلُ قمحَ الغيبِ في دمي،
تنمو على كتفيَّ
سنابلُ من دعاء،
ويعبرُ في دمي
فجرٌ يوزّعُ أسرارَهُ
على حقولِ الانتظار
ويخرجُ يوسفُ الرؤيا
من عتمةِ البئرِحاملا قميصا
تفوحُ منه رائحةُ المسافاتِ المؤجَّلة
فتبيضُّ في الروحِ أحزانٌ قديمة
يستيقظُ في المدى
نظرٌ يلتقطُ أثرَ النورِ
فوقَ أهدابِ الغياب
وعندَ مجمعِ البحرينِ
تجلسُ الحروفُ
على صخرةِ المعنى
تُصغي إلى موجةٍ
تُخفي مفاتيحَها
في جيبِ الخضر
فتنفرجُ في الماءِ
طرائقُ لا تعرفُها الخرائط،
وتُزهرُ في الجهاتِ
حدائقُ من إشارات
وفي طُورِ القلبِ
تتوهّجُ شجرةٌ
لا شرقية للريحِ فيها
ولا غربية للرماد،
زيتُها يستعيرُ من البرقِ صفاءَهُ
ومن السكينةِ هيبتَها البيضاء
وحينَ يمرُّ موسى السؤالِ
بأوديةِ الروح
تتساقطُ من عصاهُ
أقنعةُ الوهم
يفيضُ من الحجرِ
نهرٌ يوزّعُ أسماءَهُ
على العطاشى
وأرى المدى معلّقاً بخيطٍ من “كُنْ”
كلُّ شيءٍ فيه
يتشكّلُ من همسةٍ
وتكتملُ ملامحُه
في حضرةِ المعنى
فأمضي…
وفي خطوي ترابُ الأنبياءِ
وفي دمي
شيءٌ من نشيدِ السنابلِ
حين تُسبّحُ للفجر
أمضي…
فتنفتحُ في الهواءِ
نوافذُ من ملكوت
وتعبرُ أسرابُ النورِ
بينَ ضلوعي
كأنها تعودُ إلى موطنٍ تعرفُه
هناك…
حيثُ تتخففُ الأسماءُ
من أثقالِها تغفو المسافاتُ
على كتفِ الأبد
أقتفي أثرَ الآية
فتفتحُ لي السماءُ
باباً من الداخل
وأدخلُ…
أدخل كمن يعثرُ أخيرا
على ظِلِّه في الضوء
شاعرة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي