الرئيسية / الأعداد / حوار مع المبدعة فطنة بنضالي: غواية الحرف ومسؤولية الكلمة

حوار مع المبدعة فطنة بنضالي: غواية الحرف ومسؤولية الكلمة

حوار مع المبدعة فطنة بنضالي:غواية الحرف ومسؤولية الكلمة

حاورها الشاعر الحسَن الگامَح

تواصل مجلة مدارات ثقافية طوافها في عوالم الفكر والإبداع، لتفتح في هذا العدد نافذة حوارية مشرعة على الرؤى والأسئلة التي تشكل ملامح مشهدنا الثقافي الراهن. وفي مدارنا الشهر، نسعد باستضافة قامة أكاديمية وإبداعية مغربية استثنائية، استطاعت بكفاءة نادرة أن توازن بين رصانة البحث العلمي، وعمق التفكيك النقدي، وعذوبة التدفق الشعري.

إنها المبدعة فطنة بن ضالي؛ الباحثة والمفتشة التربوية التي نذرت جزءاً كبيراً من عمرها لخدمة لغة الضاد وبلاغتها، والشاعرة التي ما فتئت تطوف بأجنحة الحرف في سماوات الوجد، صائغةً من “شذرات الرحيق” و”تباريح أرصفة الليل” أمكنةً رمزية تتسع لقضايا الذات والوطن والأمة.

في هذا الحوار الممتد، نرفع الستار عن ملامح تجربتها الغزيرة، ونبحر معها في مفهومها للكتابة باعتبارها “سفراً دائماً في اللغة”، لندلف بعد ذلك إلى حصار الكلمات، وجدلية البيئة والمكان، ومستقبل الإبداع في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى نقاشها المحتدم حول واقع الجوائز الأدبية والكتابة النسوية في عالمنا العربي.

تفتح المبدعة فطنة بن ضالي مشارعها الفكرية وذائقتها الشاعرة لـ “مدارات ثقافية”، وتجيب عن أسئلتنا بكثير من الوضوح والعمق.. فإلى تفاصيل الحوار:

 

ورقة عن المبدعة فطنة بنضالي

  • أستاذة باحثة، ناقدة وشاعرة.
  • حاصلة على دكتورة الدولة جامعة القاضي عياض تخصص أدب ونقد بميزة مشرف جدا.
  • تلقت تعليمها بمدينة تارودانت حيث مسقط رأسها بمؤسسة معهد محمد الخامس، وحصلت على شهادة الباكالوريا من ابن يوسف بمراكش، أتمت تعليمها الجامعي فحصلت على اللسانس في اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط، كما حصلت على الإجازة العليا، كلية اللغة العربية جامعة القرويين، وهي كذلك خريجة المدرسة العليا للأساتذة الرباط، ومركز تكوين مفتشي التعليم سلك الثانوي الرباط.
  • عملت بالتدريس بكل من الرباط والمحمدية ومراكش. وبالتأطير بمركز مهن التربية والتكوين والتفتيش التربوي بأكاديمية التربية والتكوين بمراكش.
  • حاليا أستاذة الأدب والبلاغة بمعهد القاضي عياض للتعليم العتيق.
  • عضو نشيط بالعديد من جمعيات المجتمع المدني على المستوى الوطني والعربي،
  • أحرزت على عدة شهادات تقديرية وأوسمة، وطنية وعربية وكُرمت من قبل هيئات مختلفة.
  • قُدمت في أعمالها دراسات من لدن النقاد، السادة الدكاترة والأساتذة مغاربة ومن بلدان عربية.

الإصدارات والأعمال:

  • شذرات الرحيق، ديوان شعر، دار وليلي للطباعة والنشر، منشورات جريدة الآفاق المغربية، مراكش 2008.
  • النظم بين القرآن والشعر في دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، كتاب نقدي، دار العنقاء للطباعة والنشر، الأردن عمان 2013.
  • المشاركة في “تحت ظل النبض”، انطولوجيا الأدب المعاصر، ديوان جماعي، دار العنقاء للنشر والتوزيع، الأردن عمان 2014.
  • تباريح على أرصفة الليل، ديوان شعر، بورصة الكتب للنشر، القاهرة،2017. ترجم للإنجليزية.
  • المشاركة في “رمح أخيل”، كتاب نقدي جماعي حول ديوان “سفر البوعزيزي” لنصر سامي، دار ميارة للنشر والتوزيع، تونس، 2018.
  • المشاركة في تأليف كتاب “المعجم الموحد لمصطلحات الإشراف التربوي”، مكتب تنسيق التعريب، الرباط، إصدار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 2020.
  • المشاركة في تأليف كتاب “مرايا الشعر: مرايا النقد”، كتاب نقدي حول تحولات التجربة الشعرية لدى محمد الشحات، ج 2، دار الأدهم للنشر و التوزيع، القاهرة، 2021 .
  • وجد لا ينتهي ، ديوان شعر، مطبعة وراقة بلال ، فاس ، 2022. ترجم للأمازيغية.
  • ببابك ارتجي، ديوان شعر، دار بصمة للتوزيع والنشر، فاس 2024.
  • مقالات ودراسات نقدية وتربوية في مجلات وجرائد ورقية مثل طنجة الأدبية و ميريت الثقافية، والكترونية، مثل الناقد العراقي، والحوار المتمدن، والمثقف ..الخ.
  • مشاركات في برامج ثقافية وتربوية على أمواج الإذاعات بمراكش واذاعات مختلفة، تونس، مارساي، صوت العرب.
  • إعداد وتقديم برنامج “حديث القصيد” وهو برنامج يقدم أوراقا نقدية في قصائد، بإذاعة سقيفة المواسم الالكترونية ،الأردن.

المحور الأول: الرؤية الفنية والمسيرة الإبداعية

  • كيف ترى المبدعة فطنة بن ضالي الكتابة بصفة عامة، وماهي رسالتها برأيك؟

الكتابة سفر دائم في اللغة وباللغة في مستويات المعنى وثخومه وفي مستويات المبنى وصوره، فهي السفر الذي يجمع المنسجمات حينا ويؤلف بين المتناقضات أحيانا، بما يحقق لكل جنس أدبي شعريته وأدبيته، وقد يكون هذا السفر يسيرا في التعبير عما يسكن الذات ومعاناتها وجهدها وخوالجها سواء أكانت ذاتا فردية أو جماعية أي إنسانية بصفة عامة، وقد يكون عسيرا. فكما لكل سفر أدواته وأساليبه له أيضا صعوباته وانزلاقاته، لأن الكتابة مسؤولية تجاه النفس والآخر، والوجود والتاريخ بكل مكوناته. فهي التعبير عن الهموم والقضايا عبر مشاريع فكرية تؤرق الكاتب والمبدع معا، تطرح أسئلة حارقة تنقر الفكر وتحرك الإحساس. ورسالة الكاتب هي ان يخلق اللحظات المعبرة عن صدق التجربة بما فيها من ألم وأمل وذلك بأساليب فنية في بناء عالمه الإبداعي، انطلاقا من الرؤية للواقع ومدى إدراك حقيقته وتحولاته مع استشراف لمستقبل مأمول مغايرعلى مستوى الرؤيا، ولأن الكتابة علم وفن تتغير رسالتها بتغير الوقائع والأزمنة تبعا للوعي بالقضايا المطروحة في كل عصر.

  • من اين استمدت تجربة الكتابة لديك؟ وكيف دخلت بحر الإبداع؟ وما هو أول نص كتبته؟

إن في صوت كل مبدع أو شاعر أصوات شعراء كثر ساهوا في تكوين شخصيته المبدعة وعالمه، لأن الذات المبدعة لا تبدع من فراغ وانما من تراكم معرفي وثقافي واجتماعي مع استعداد نفسي، وتراكم التجارب يخلق الفارق، ويساهم في شحذ القريحة، وتطوير الذات والأساليب. لا بد للتعليم من دور في التوجيه نحو القراءة وتعلم إوالياتها وكلما تشبعت الذات خُلق لديها الاستعداد. ميولي للكتابة بدأ مع كتابة الإنشاء الأدبي، وبموازاة معه كتابة أشيائي الخاصة مسوداتي، ونما هذا الميول مع العمل في التدريس ثم في التفتيش التربوي حيث وجدتني أخلق لنفسي بين الفينة والأخرى مساحتي الخاصة أتحرر فيها من كل قيد وأطلق العنان للتعبير عن نفسي. فصارت الألفة و تجاذبتني الكتابة بشكليها. ما أذكره هو انني كنت انشر نصوصا سردية قصيرة. وهكذا اكتب كلما جاءتني الكتابة وبأي شكل جاءت.

  • أي صنف من الكتابة تجدين فيه ذاتك؟ حين تكتبين (شعر، نقد، نثر، إلخ).

كتابة أو نظم الشعر هي كتابة تأتي عن طواعية ككل إبداع ، ولحظاتها هي لحظات بوح بأشجانها وهمومها، تضج بالحياة وتنضح بالحب في فضاء رحب تكشف فيه الذات المبدعة عن تطلعاتها، فتحلق عاليا في عالمها الحالم المتعدد المختلف بكل أحاسيسها منتشية من معاناة الحرف في عالم آخر يحقق اللذة والدهشة في وجودها الرمزي، ولأن الشعر يسكن الذات والوجدان بكل حيثياته الثابتة والمتحولة، وبكل أشكاله وموضوعاته، ولأنه كيان مستقل في الوجود فهو ينتشلني من رتابة الزمن ، وتعد لحظاته بالنسبة لي لحظات كشف وتجل أتوق فيها الى عالم الجمال وصوره، كما أنها لحظات بحث مستمر عن الصفاء والسمو بالإحساس، ولذلك أجدني في حضرته وفي عالمه الحر وفضائه الرحب مختلفة متجددة ومتحررة. لأن الذوق والاحساس هنا يحضر أكثر من أي كتابة في جنس آخر .

  • ماذا حققت المبدعة فطنة بن ضالي في مجال الكتابة، بحكم ارتباطها بها؟

يقتضي الحضور في المشهد الثقافي التفاعل والتواصل الذي يؤدي إلى المثاقفة وتعزيز دور التجربة في المجال، لفطنة بن ضالي الشاعرة والناقدة مشاركات في لقاءات وندوات في منتديات وطنية ودولية وتفاعل في العمل على تطوير التجربة الإبداعية من جهة، والتلاقح والمثاقفة من جهة أخرى فضلا على تبادل التجارب وتفاعلها والانفتاح على الآخر واطلاعه على تجاربنا وتعريفه بمدى اهتمامنا لأننا نكتب بهويتنا وبخصائصنا المميزة لنا عن غيرنا، مما يطبع تجاربنا بالأصالة والعمق، وأظن ان مؤلفاتي على قلتها تملأ حيزا في المكتبة سواء منها الإبداعية او النقدية إلى جانب هذا التفاعل الذي يؤدي إلى نضج وصقل التجارب.

 

المحور الثاني: العلمية والابداعية وتحدياتها

  • ما هي أبرز التحديات التي تواجهك كمبدعة في صنف الكتابة الذي تمارسيه (شعر، نقد، رواية). كيف تتعاملين مع “حصار الكلمات ” أو جفاف الإلهام؟

الكتابة نفسها تحد للتيه والضياع والهجنة، أن نكتب معناه أن نتخطى الحواجز مهما كان نوعها وندخل عالما ليس حكرا على أحد، ولكن لا يدخله الكل. في الإبداع كثيرا ما تساهم الظروف الموضوعية والمحفزات في خلق الدفعات والدفقات الشعورية في استمرار الإنجاز وطلاقته وسلاسته، فتسعفك فيه اللغة وتطيعك الأخيلة فتتداعى الصور ويأتي الإبداع كامل المعنى والمبنى، أما إذا عسرت الولادة، وانحصرت الكلمات، فلابد من تخفيف الوطأة بالاستكانة والهدوء والراحة وطلب صفاء الذهن ووضوح التفكير. حتى إذا انبثق الضوء، يرتوي المعنى ويكتمل التشكل. وتبدأ دورة الحياة.

  • هل للبيئة الجغرافية والثقافية تأثير على أعمالك؟ كيف ينعكس ذلك على نصوصك؟

قالوا قديما: المبدع والشاعر ابن بيئته، فلا بد من هذا التأثر والتأثير بين الاثنين، ولثقافتنا الدور الأكبر في الحفاظ على هويتنا ومهد ثقافتنا بيئتنا، ونقصد ثقافتنا المغربية المنسجمة المشارب المتعددة الأصول الغنية بعاداتها وتقاليدها العريقة مع مكتسباتنا العظيمة في هذا المجال، وبيئتنا المتنوعة المختلفة التكوين، لابد ان يطبع هذا بشكل من الأشكال الشخصية المبدعة المغربية بما يميزها عن غيرها، بما فيه المشترك العام والخاص بالذات المبدعة، ويُعبر عن البيئة الجغرافية بالمكان، وهو يحضر في تجربتي الإبداعية. إلا أن المكان في الشعر يتعدى المكان الجغرافي، فيصبح فضاء واسعا له أبعاده الدلالية والرمزية المؤثرة في المبدع/ الشاعر، وإن كان يحيل على واقعه ومحيطه، يمثل تلك الابعاد النفسية الوجدانية المحملة بالأفكار والمواقف فضلا عن الأبعاد الجمالية، وقد يتعدد المكان بتعدد علاقات الشاعر معه، فهو تارة رمز للدفء والحنين والذكريات وأخرى يدل على الغربة والتيه والفشل أو غيرها، من الانتصار والنجاح، من هنا فللمكان فلسفة خاصة ترتبط بجماليته و بالأثر الذي يحدثه في نفسية الشاعر، والمساحة التي يحتلها في شعره وكيف نظر إليه وتعامل معه. والمكان في تجربتي جزء منها: القرية الانتماء والطفولة والصفاء، والمدن، تارودانت، أكادير، مراكش، فاس…إلخ، هذه الأمكنة وغيرها تتحرك في الزمن الشعري لترسم الهوية المغربية، وتثبت الجمالية انطلاقا من رمزيتها التاريخية والعلمية، والعمرانية. ثم فلسطين، العراق بغداد، الشام رموز تحيل على العالم العربي وما يشهده من تحول على جميع الأصعدة. لأن الشاعر والكاتب انسان مثقف ومسؤول عن كل هذا من ضميره، وما تقتضيه أخلاقيات الابداع والكتابة.

  • كيف ترين العلاقة بين القراءة والكتابة في مسيرة المبدع؟ وما هو الدور الذي تلعبه القراءة في تشكيل تجربتك الإبداعية؟

العلاقة بين القراءة والكتابة علاقة وطيدة، كل واحدة منهما تحتاج الأخرى، الكتابة تحتاج إلى تراكم قرائي وفق مهارات أساسية من أجل اكتساب حصائل لغوية، وتحسين الأساليب والتشبع بالأفكار واستحضارها في الوقت والموقف المناسب، والقراءة تأمل في المكتوب وتَعمّق في مستوياته واستيعاب ووعي بأفكاره، فكل منهما تزيد من وضوح الأخرى والاستفادة منها، وكل كتابة جيدة هي قراءة واعية شاملة عميقة. وتلعب القراءة في تشكيل أي تجربة إبداعية شعرية الدور الهام لأن القراءة هي أساس الكتابة وتتطور الكتابة بتطور القراءة، ولكل كتابة إبداعية أدبياتها التي يجب على المبدع الإلمام بها ولها وسائلها، ومادامت اللغة هنا هي الوسيلة الأسمى فمعرفتها ومعرفة علومها يضحى ضروريا، فضلا عن الموهبة التي تصقل بالقراءة والاطلاع، واشتغالي باللغة العربية والبحث فيها ساهم في إغناء تجربتي، وكذلك قراءاتي الحرة.

 

المحور الثالث: قضايا أدبية عامة

  • كيف ترين تجربة الكتابة في العالم العربي اليوم، وماهي أبرز التحديات والفرص التي تواجهها؟

تعيش معظم دول العالم العربي اليوم ظروفا صعبة بسبب الحروب، وما إليها، ويبدو أن الدفاع عن الكرامة والأرض يحرك المشاعر ويذكي الحماس، ويطرد اليأس ويخلق التفاؤل بالمستقبل، وطبيعي أن تسير الكتابة والإبداع في هذا المنحى، من أجل إنصاف الوطن واسترجاع الحق وتوعية الشارع وتصحيح الأفكار والمسار، ولمّ الشتات ضد الانهزام والانكسار، وهذا يحتاج إرادة قوية تحفظ الثقافي عن التراجع وعن تأثره بالسياسي وما يتبعه من مشاكل تعمل على تمزيقه، ورغم هذا فإن الإنتاج الأدبي  ونشره  يعرف تزايدا، وبوتيرة سريعة ساهم فيها التواصل الرقمي، كما ساهم في إظهار كتّابا ومبدعين جددا، ومادام الامر كذلك فلا بد من ضمان الحرية في التعبير ووضع ترسانة قانونية لحفظ حقوق التأليف، وضمان النشر و التوزيع بين بلدان العالم العربي، وكذلك الطبع بكلفة ميسرة.   الفرصة اليوم سانحة لإعادة الاعتبار للمبدع والكاتب وحفظ مكتسباته مع الحفاظ على القامات الأدبية المفكرة. لأن المشهد اليوم يعرف طفرة نوعية وتحولات معقدة ما بين غزارة الإنتاج والانتشار السريع.

  • ما رأيك في الكتابة النسوية في العالم العربي؟ وأين يمكننا ترتيب حضور الكتابة النسوية من خلال الإصدارات النسوية المتزايدة وحضورها في كل المجالات الإبداعية؟

“الكتابة النسوية” في العالم العربي قطعت أشواطا مهمة في التطور ولازال المصطلح مطروحا اليوم للنقاش، فهي كتابة تخطت مرحلة الريادة إلى الاتساع تناولت قضايا أكثر وعيا بالظروف والملابسات، وهي قضايا مقاربة النوع الاجتماعي في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما فيها الهجرة والعنف، وبعيدا عن التأويل فإذا اعتبرنا أن للكتابة النسوية علاقة مباشرة بالإبداع الأدبي والنصوص الإبداعية التي تخص عوالم المرأة، فهي حاضرة دائما خاضعة للتطور ككل كتابة إنسانية، وإن كانت رؤاها خاصة، وقد تعدت كسر الصمت إلى بناء عالمها الإبداعي الذي يميزها، في ظل التحديات الثقافية و الاجتماعية، والمكتبة العربية تشهد كثرة الآثار التي  تملأ حيزا مهما  في رفوفها، والحضور في جميع المجالات، ويمكننا ان نذكر كتابات نوال السعداوي، ونازك الملائكة وسعاد الصباح وغيرهن كثير. فالرجال والنساء يكتبون الأدب منذ زمن بعيد، وإذا كان من اختلاف فهو في التركيز على بعض المضامين والاهتمام بها أكثر من غيرها، مع اختلاف في النبرة، أما التقاليد والأساليب الأدبية فهي مشتركة بين الجميع. بالنسبة للترتيب فهو محتاج إلى بحث ميداني، وعلى العموم فترتيبها هو ترتيب الكتب الإبداعية والنقدية في الأدب العربي إنْ في المصادر أو المراجع حسب المجالات التي تنتمي إليها.

  • مع تطور التكنولوجيا هل تعتقدين أننا سنستغني يوما، عن الكتابة كوسيلة للتعبير أو التوثيق؟ وإلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر في مستقبل الكتابة الإبداعية؟

يعد العصر عصر التكنولوجيا، و لاستعمال التكنولوجيا إيجابيات كما له سلبيات، وهي تعرف تطورا مهولا، وعلى الإنسان أن يواكب هذا التطور ما أمكن حتى يضمن الاستفادة منها في العمق، أما الاستغناء عن الكتابة كوسيلة للتعبير فهو رهين بمستعملي التكنولوجيا، واستعمالها في الاتجاه الإيجابي الذي يحافظ على اللغة وسلامتها وقواعدها وتراكيبها، دون تشويه، وكذلك الشأن في التوثيق فهي تستطيع ان تجمع وتؤلف في ثوان  ما قضى الإنسان العمر في جمعه، وهذا بطبيعة الحال تحت سيطرة الإنسان، وأما الذكاء الاصطناعي فهو وسيلة لها القدرة على التعلم سريعا جدا، كما لها إيجابيات في إتاحة المعلومة والمعطيات في جميع المجالات ونشر العلوم والفنون بشكل سريع لعدد كبير من الناس، ولهذا تأثير في مستقبل الكتابة الإبداعية، ويمكن أن يكون إلى أبعد مدى. لكن لغة الإبداع هي لغة الوجدان والاحساس ولا أظن أن الذكاء الاصطناعي له القدرة على إدراك ذلك إلا إذا أعطاه له الانسان. لذلك لا بد من وضع قوانين استعمال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بما يُمَكّن الإنسان من السيطرة والتوجيه في الاتجاه الإيجابي، لخدمة الانسان، وحفظ الطبيعة من التلوث.

 

المحور الرابع رؤى شخصية ومستقبلية

  • ما الكتاب الذي أثر في تجربتك الإبداعية وترك بصمة واضحة في مسيرتك؟

 لا أظن أن كتابا معينا وحده أثر في مباشرة، وإنما كتب عدة بما فيها كتب قديمة وحديثة، فكرية وإبداعية، كلها ساهمت في بناء شخصيتي الثقافية والابداعية ونمّتها عبر مراحل عمرية ومستويات تعليمية وثقافية، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وقد يتوصل إلى آثارها الدارس الناقد لإبداعي إن حالفني الحظ.

  • ما هو الكتاب الذي حلمت أن تكتبيه ولم تتح لك الفرصة أن تكتبيه بعد؟

هو كتاب أتمنى ان ييسر لي الله تأليفه، وهو كتابة سيرتي الذاتية أو قصتي.

  • كيف ترى الانسان فطنة بن ضالي المبدعة فطنة بن ضالي؟

ترى فطنة بن ضالي الانسان فطنة بن ضالي المبدعة، مندفعة مهتمة بقضايا الانسان عموما وقضايا الوطن والهوية وتسعى إلى الحفاظ على اللغة العربية متحدية انطلاقا من وعي الناقدة وحساسية الشاعرة.

  • ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب؟ وهل ترينها مقياسا حقيقيا للنجاح الإبداع؟

الكتابة جهد وعناء والجوائز الأدبية، هي نوع من الاعتراف بهذا الجهد للكاتب والمبدع، ويكون لها دور في التحفيز وفي انتشار الابداع الفائز والترويج له، من أجل قراءته وان شئنا توجيه القراء إليه. وهي ليست مقياسا للنجاح الإبداعي، وإنما ذوق القراء والنقد الأدبي الموضوعي الجاد هو الذي يعطي للعمل قيمته الأدبية بعيدا عن أي اعتبارات غير اعتبار مقومات الابداع العلمية والذوقية المنصوص عليها، ولكن هذا لا يمنع من أن تكون الأعمال الفائزة قد تستحق، كما لا يمنع من وجود أعمالا كثيرة تستحق ولم تفز. فكأننا أمام توجيه وحصر للذوق والنقد. والواقع يدل على تراجع القراءة، فنصبح أمام مسؤولية جسيمة تقع على عاتق النقد، وهي أن يضطلع بمهمته في التقييم والتقويم ويساهم في الارتقاء بذائقة القراء.

  • ماهي مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي؟

مشروعي الثقافي الأساسي الذي أخلص إليه وأسعى إلى التوفيق فيه هو الكتابة، إبداعية كانت أم فكرية نقدية، تربوية، وتمثل الإبداعية الصدارة لأنها تتيح لي المساحة الأوسع والأفضل لممارسة حريتي أكثر في التعامل مع اللغة والأساليب. وهذه الكتابات حاضرة دائما ومتزامنة تغديها القراءة والاطلاع، لكن الإبداع لا يُسْتدعى، بل يحضر كلما توفرت شروطه التي هي الصفاء والإلهام، وهي غير مرتبطة بمدة زمنية معينة قد تقصر وقد تطول، مشروع ديوان يتشكل وأتمنى أن يكتمل في القريب إن شاء الله، مع مشروع دراسة نقدية.

 

نصوص إبداعية للمبدعة فطنة بنظالي

القصيدة الأولى: ببابك أرتجي

 

بين خيط العتمة والفجر
أصغي لوتيرة الكون
على صخب الحرف
فأدرِك ضآلتي

**
تجول صورك بين عتمة ليلي
وأنغامِ قيثاري
ولا مانع عندي
ما دمت بخاطري
**

أهمس لك بكل ألوان الشفق
وأنسج من عمق المعاناة والضنى
أنا المتيم الذي تاه بالمقامات
لا البعد يسليه ولا الوصل يحييه

**

في مدارك الليالي
تضيء الذكريات
وتكشفني الأسرار
فتجرفني سيول الغواية
وأحِن… أحن
للطيف
**

يرتادني شغف الصور
في المرايا
يشجيني الهديل
وأهفو
لغيث المراتع
**
تأتيني في أردية من حرير
فتنير كياني
وأصدح

بعبق الزهر اليانع

**
إني لك عاشقة

**

أي اشتياق
ترسم دقات القلب صوره
بين أنامل طيفك
**
أينك؟

أليس الجوى يقتل ويحيي؟

**

أهيم في بحور هواجسي
أهرُب في اتجاه ظلي
يتعقبني
يروي لي
قصص الشتاء البارد
**
!وأنت البعيد القريب

**

رجوتك

وفي رجائي لوعتي

على شهقات الانتظار
تأخذني الخطى
إلى مراتع العناوين
فأسكن وحشتي
**

ومن جلدي

سرت في موطن صبوتي

أكتم سري

ولا أبدي سروري

وانتظر
أن تزهو الخطوط
على كف من نور
كي يَمتهِنني
السفر في مباهج الدلالات
**

من لهفة الاشتياق
تزهر
وتثمر سنابلي
فأنحني خجلا بين يديك

ذاك الشذا جزء من رياك

فهلا سقيت عبدا

!!    جثا… طمعا في نداك

**

أحتاج نبض وريد
يكتبني باسترسال
ويخاتل صوري في كل الحالات
ثم ينتشي الرحيق
من اشتياقي إليك
**

يعصف بي الهوى
تُضيعني الدلالات
أتجرع التيه بين السطور
ويأخذني الأمل بعيدا
بعين التأويل
**

أسيرة أنا
في محراب الندى
بلون الابتهال
يا رب

عطرني بالانتشاء

****

 

 القصيدة الثانية: طيف زار

    لا تسلني كيف أمسي وحنينـي

زارني الطيف وهاج الشوق نارا

   يا لــقلبي ذاب والبعد كوانــــي

لا تلــمني ما كفــاني حـيــث زار

    لك حب جاوز الكون اتســاعــا

يحتويه القلب شــــوقا منـــه ثار 

أرقب الليل حــبــورا إن أتـاني

أسرج الوجدان للبوح جــهــــارا    

وبنات الفكر طــوعا تــتـداعـى

حين أفضي لك لـــيـــلا ونـــهارا     

وأمني النفس أنــهـارا عــذابـا

سلسبيلا ننتشي لـــن نــتـــوارى     

هل يدوم الوصل يزهو لربيعي

يرتوي عشقا فيختال اخــضرارا     

نسكب الروح أهازيجا ووجــدا

ســـاكنا نشدو له الليل ســهارى      

فاتني ما العمر إلا بـعــض يوم

ملـــــهـم زار وبالــعيــن أشــــار             

 

القصيدة الثالثة: ظـــــــمـــــأ

ورقاء في لهفة مثلي على مهل

لا ترشف القــطر إلا وهْي بالـــطلل

لم تدر ما بي ولون الطوق يجمعنا

والشجو من حرقة في القلب والعلل

وجد وسهد اذابـــا القلب في علن 

  ام لي إذن منك لون الطوق والحلل

يُدنيك مني جفــــا خل علــى أمد 

يقصيك عني عتـــاب عــــاث بالخلل

 ما لي هديــل يناجيـــــه ولا جلد

لا لي سبيل الــمنى في العهد والملل

 يشجيك ما قد شجاني منه في كمد

فلم يبق من مهجتي إلا علـــى الغلل

  من لهفة ليتني ورقـــاء في عمد

تشدو الجفــــا بالعوالي منه والـتلل

 أسلو إذا كل شجـــو كان من عتب

حيرى صلــي باليمين القطر بالبلل

عن madarate

شاهد أيضاً

الجمعية الإقليمية لرعاية الشؤون الثقافية تعقد اجتماعاً حاسماً لتنزيل موسمها الثقافي 2026 والتحضير لملحونيات

في إطار ديناميتها المستمرة وحرصاً على تنفيذ برنامجها السنوي الطموح، احتضن مقر الجمعية يوم السبت …

اترك تعليقاً