تعدد الأجناس الأدبية… هل يعني تعدد الإبداع؟

فيروز مخول*
كلما أصدر شاعر رواية ، أو نشر روائي ديواناً شعرياً ، انقسم القراء والنقاد بين من رأى في ذلك اتساعاً طبيعياً للموهبة ، ومن عدَّه مغامرة لا تضمن النجاح ، لأن لكل جنس أدبي لغته الخاصة وأدواته ورؤيته للعالم. وبين هذين الرأيين يتجدد سؤال لم يفقد حضوره منذ نشأة النقد الأدبي: هل الموهبة الأدبية واحدة بطبيعتها ، بحيث يستطيع صاحبها أن يبدع في مختلف الأجناس الأدبية ، أم أن لكل جنس أدبي عبقريته الخاصة التي لا تُكتسب إلا بالمعايشة الطويلة والتمرس العميق ؟
لا يتعلق هذا السؤال بقدرة الكاتب على إصدار كتاب في الشعر أو الرواية أو القصة أو المسرح ، فذلك أمر أصبح متاحاً أكثر من أي وقت مضى ، وإنما يتعلق بمعيار أكثر صرامة :
هل يضيف الكاتب إلى الفن الذي يكتبه إضافة حقيقية ، أم يكتفي بنقل أدوات جنس أدبي إلى جنس آخر؟ وهنا يبدأ الفرق بين الكتابة بوصفها ممارسة لغوية ، والإبداع بوصفه فعلًا جمالياً يؤسس لرؤية ، ويبتكر شكلًا، ويترك أثراً.
لقد شغلت هذه الإشكالية النقاد قديماً وحديثاً ، لأنهم أدركوا أن الأجناس الأدبية لم تكن قوالب شكلية ، إنما أنظمة فنية مستقلة ، لكل منها قوانينها الداخلية وأدواتها التعبيرية .
فالرواية تُبنى على تطور الشخصيات ، وإدارة الزمن ، وتعدد الأصوات، بينما تقوم القصيدة على التكثيف والإيقاع والإيحاء ، وتعتمد القصة القصيرة على الاقتصاد الفني ووحدة الأثر، في حين ينهض المسرح على الصراع والحوار والفعل الدرامي. ومن ثم فإن الانتقال من جنس إلى آخر لم يكن انتقالًا في الموضوع ، في طبيعة التفكير الفني نفسه.
من هنا نشأ الاعتقاد الشائع بأن الأديب الحقيقي يستطيع أن يكتب كل شيء. ويستند هذا الرأي إلى أن اللغة والخيال والحساسية الجمالية هي الجذر المشترك لكل الفنون الأدبية. غير أن هذا التصور، على وجاهته الظاهرة ، يغفل حقيقة جوهرية ، وهي أن امتلاك أدوات التعبير لا يعني بالضرورة امتلاك أسرار كل فن.
لقد ميّز النقد الأدبي الحديث بين القدرة على الكتابة والقدرة على الإبداع. فالكتابة مهارة يمكن صقلها بالممارسة ، أما الإبداع فهو القدرة على اكتشاف الشكل الفني الذي تستقر فيه الرؤية بأفضل صورة.
ولهذا لا يكفي أن يمتلك الكاتب لغة رفيعة أو خيالًا خصباً ليصبح مبدعاً في جميع الأجناس الأدبية. وقد أسهم الناقد الروسي ميخائيل باختين في ترسيخ هذا الفهم حين رأى أن الرواية جنس يقوم على الحوارية وتعدد الأصوات، وأنها تستوعب رؤى متباينة للعالم داخل بنية سردية واحدة. بينما تتجه القصيدة إلى بناء عالمها عبر التكثيف والإيقاع والصورة الشعرية ، حيث تصبح الكلمة محمّلة بطاقة إيحائية تتجاوز معناها المباشر. واختلاف البنية هنا يعني اختلاف طبيعة الإبداع ذاته. أما تزفيتان تودوروف فقد أكد أن لكل جنس أدبي نظاماً يحكمه، وأن نجاح الكاتب لا يتحقق بمجرد الانتقال بين الأجناس ، بل بقدرته على استيعاب خصائص كل جنس واحترام منطقه الداخلي. ويذهب جيرار جينيت أبعد من ذلك حين يبين أن الفروق بين الأجناس لا تقتصر على الشكل ، وإنما تمتد إلى بناء الزمن ، والصوت السردي ، والعلاقة بين النص والقارئ. ولم يكن التراث النقدي العربي بعيداً عن هذا الوعي. فقد أدرك الجاحظ اختلاف طرائق البيان تبعاً لاختلاف المقامات، ورأى أن جودة التعبير رهينة بملاءمة القول لمقتضى الحال. كما منح حازم القرطاجني أهمية كبرى للانسجام بين عناصر العمل الأدبي وطبيعته الفنية ، وهو ما يلتقي ، في جوهره، مع المفهوم الحديث لخصوصية الأجناس الأدبية.
وعندما ننتقل من النظرية إلى التجربة، نجد أن تاريخ الأدب يقدم أمثلة لافتة. فقد بلغ نجيب محفوظ قمة الإبداع في الرواية ، حتى غدت أعماله مرجعاً عالمياً في هذا الفن ، لكنه لم يتجه إلى الشعر، وكأن وعيه الفني أدرك أن للرواية المجال الذي تتجلى فيه موهبته بأصفى صورها. وعلى الضفة الأخرى ، ظل محمود درويش شاعراً حتى في نصوصه النثرية ، لأن رؤيته للعالم كانت تتشكل عبر الحساسية الشعرية قبل أي شيء آخر. ولا يعني ذلك أن الجمع بين أكثر من جنس أدبي أمر مستحيل. فالأدب العالمي عرف أسماء استثنائية مثل يوهان فولفغانغ غوته وفيكتور هوغو، اللذين قدّما أعمالًا بارزة في الشعر والمسرح والرواية.
غير أن هذه النماذج تؤكد أن النجاح في أكثر من جنس لا يتحقق بمجرد امتلاك الموهبة ، وإنما يحتاج إلى عبقرية نادرة ، وإلى قدرة على إعادة تشكيل الأدوات الفنية كلما تغير الجنس الأدبي.
وفي المقابل ، تكشف تجارب كثيرة ، قديماً وحديثاً ، عن إخفاقات سببها الاعتقاد بأن النجاح في جنس أدبي يمنح صاحبه تلقائياً شرعية النجاح في غيره . فيصدر الشاعر رواية تطغى عليها اللغة الشعرية على حساب الحدث والشخصيات ، أو يكتب الروائي قصائد تبدو أقرب إلى النثر المزخرف منها إلى الشعر. وهنا لا يكون الخلل في اللغة ، إنما في عدم الانسجام مع طبيعة الفن الجديد.
وهذا يقود إلى سؤال أكثر أهمية من السؤال الأول:
هل يستطيع الكاتب، عندما ينتقل إلى جنس أدبي جديد ، أن يتخلى عن عاداته الفنية القديمة ، وأن يعيد تعلم الكتابة من جديد ؟
فالإبداع الحقيقي لا يقوم على نقل الأدوات ، بل على اكتشاف أدوات أخرى تفرضها طبيعة الفن الجديد.
إن التاريخ الأدبي لا يتذكر من كتب في كل شيء ، إنما يتذكر من بلغ في فنه درجة أصبحت معها أعماله علامات مضيئة في مسيرة الأدب. فقد يخلّد شاعر بقصيدة ، أو روائي برواية ، أو قاص بمجموعة قصصية واحدة ، إذا استطاع أن يضيف إلى الفن الذي يكتبه رؤية جديدة أو بناءً مبتكراً . ولذلك فإن تعدد الأجناس الأدبية التي يمارسها الكاتب ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه إمكاناً للإبداع ، لا دليلًا عليه.
فالمعيار الحقيقي ليس عدد الفنون التي يخوضها الأديب ، وإنما مقدار ما يحققه في كل فن من أصالة ، وعمق، وإضافة.
وفي النهاية ، يبدو أن السؤال: «هل يبدع الكاتب في جميع الأجناس الأدبية ؟»
لا يقبل جواباً حاسماً بنعم أو لا . فالموهبة قد تفتح للكاتب أبواباً كثيرة، لكنها لا تعفيه من مشقة تعلّم خصوصية كل باب. والإبداع ليس جواز سفر يسمح بالتنقل الحر بين الأجناس الأدبية ، إنما مسؤولية فنية تفرض على صاحبها أن يبدأ، في كل جنس جديد ، تلميذاً قبل أن يصبح أستاذاً .
ولعل هذه هي الحقيقة التي يؤكدها تاريخ الأدب في مختلف عصوره ، فليس الخلود من نصيب من كتب في كل الفنون ، وإنما من بلغ في فنه درجة جعلت اسمه جزءاً من ذاكرة الأدب الإنساني.
فالأدب في نهاية المطاف ، لا يحتفي بكثرة التجارب ، وإنما يحتفي بعمق الأثر وجمال الإنجاز.
كاتبة من سوريا
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي