الرئيسية / الأعداد / العدد الخامس والسبعون والسادس والسبعون / أعمدة ثابتة 75-76 / الحسين حوري والذاكرة المسرحية المغربية: في ضرورة استعادة منجز مبدع منسي – محمد بوعابد (أبو ريم)

الحسين حوري والذاكرة المسرحية المغربية: في ضرورة استعادة منجز مبدع منسي – محمد بوعابد (أبو ريم)

رجالات المسرح

  الحسين حوري والذاكرة المسرحية المغربية: في ضرورة استعادة منجز مبدع منسي

محمد بوعابد (أبو ريم)*

 

إلى العزيزين: بهجاجي محمد وبكري الحسين، ذكرى زمن المحمدية

منذ فترة زمنية، بدت لي طويلة، وتأكد لي أنها بلغت أربعة عقود إثر ما نشره على صفحته في الفايسبوك الصديق الفنان المسرحي الحسين بكري، كنت أهتبل كل لقاء بمن أعرف أنهم كانوا ذوي اتصال معين بالفقيد الفنان المسرحي (حوري الحسين) لأستحثهم على العمل من أجل الكتابة عنه، والتعريف به مشخصا على الركح، وكاتبا دراميا ومخرجا، أو لأحضهم على توفير ما يسعف على جمع مؤلفاته الدرامية ونظراته الفكرية، إيمانا بأن الذاكرة الثقافية تعد إحدى الدعائم الأساس في بناء هوية الأمم، وصيانة استمراريتها الحضارية.غير أن المتتبع للمشهد الثقافي المغربي يلاحظ وجود مفارقة لافتى، تتمثل في وفرة الإبداع مقابل ضعف آليات التوثيق والتأريخ والاحتفاء بالمبدعين بعد رحيلهم. فكثيرا ما يطوي النسيان أسماء كان لها إسهام حاسم في تشييد الوعي الجمالي والفكري بالمغرب، فلا تلبث أن تتوارى آثارها وتغيب منجزاتها عن التداول النقدي والمؤسساتي.

ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم المسرحي المغربي الحسين حوري(ت1986)، الذي ينتمي إلى الجيل الذي أسهم بفعالية في بناء التجربة المسرحية المغربية الحديثة، سواء من خلال الكتابة الدرامية أو الإخراج والتشخيص والتنظير الفكري للممارسة المسرحية. ورغم أهمية حضوره في الحياة الثقافية المغربية، فإن منجزه ما يزال في حاجة إلى مزيد من الجمع والتوثيق والدراسة، حتى يستعيد مكانته المستحقة ضمن تاريخ المسرح المغربي الحديث والمعاصر.

أولا: الحسين حوري في سياق تشكل المسرح المغربي الحديث

برز الحسين حوري ضمن مرحلة تاريخية اتسمت بحيوية كبيرة في الحقل المسرحي المغربي، خاصة منذ سبعينيات القرن العشرين، وهي مرحلة عرفت تصاعد الأسئلة المتعلقة بالهوية الثقافية ووظيفة الفن ودور المثقف في المجتمع. وقد تميزت هذه الفترة بظهور جيل من المسرحيين الذين سعوا إلى تجاوز الوظيفة الترفيهية للمسرح، والانتقال به إلى فضاء النقد الاجتماعي والفكري والسياسي.

في هذا السياق، تشكل وعي حوري بالممارسة المسرحية باعتبارها فعلا ثقافيا وتاريخيا يتجاوز حدود الفرجة إلى مساءلة الواقع وتحريض المتلقي على التفكير. ومن ثم، ارتبط مشروعه المسرحي بإرادة بناء مسرح ذي وظيفة تنويرية، مسرح قادر على ملامسة التحولات التي يعيشها ويعرفها المغرب المعاصر على المستويات: الاجتماعية، والسياسية، والثقافية.

ثانيا: المسرح بما أنه التزام فكري واجتماعي

لا يستطاع فهم تجربة الحسين حوري المسرحية بعيدا عن تصوره للمسرح بما أنه شكل من أشكال الفعل الثقافي الملتزم. فقد كان يؤمن بأن المسرح ليس مجرد تقنية جمالية أو ممارسة فرجوية، وإنما هو فضاء لإنتاج المعنى، وأداة لإثارة الأسئلة المتعلقة بالإنسان والمجتمع والتاريخ.

ومن هنا، فإن الأوراق النظرية والكتابات الدرامية التي خلفها تكتسي أهمية قصوى، لأنها تكشف عن انشغاله النظري بوظيفة المسرح، وعن محاولته بلورة تصور نقدي لما سماه ((مسرح المرحلة)). وينطوي هذا المفهوم على وعي مزدوج: وعي بتاريخية الفعل المسرحي، ووعي بمسؤولية الفنان تجاه قضايا مجتمعه. فالمسرح، وفق هذا التصور، لا يشتغل في الفراغ، بل يتحدد بمقتضى شروط تاريخية وثقافية واجتماعية معينة ومحددة، ويستمد مشروعيته من قدرته على محاورة تلك الشروط ومساءلتها.

ثالتا: الحسين حوري والذاكرة الثقافية المغربية

تكشف حالة الحسين حوري عن إحدى الإشكالات البنيوية التي تواجه الثقافة المغربية، وهي التي تتمثل في هشاشة تقاليد الأرشفة والتوثيق. فالمبدع، في كثير من الأحيان، يظل حاضرا بقدر حضوره البيولوجي، وما إن يغب حتى تتعرض آثا\ره لخطر التشتت والضياع. وقد وقفت على هذه الظاهرة في زمننا هذا من خلال أمثلة لمشاريع فكرية وفنية توقفت بغياب جسد من كان عاملا عليها، كما وجدت تأشيرا عليها في مبتدأ التقريظ الذي وضعه العلامة القاضي عبد الحفيظ الفاسي تثمينا للمجهود التوثيقي والتأريخي الذي بذله القاضي عباس التعارجي في ((الإعلام…))، وذلك حين سجل: (كثيرا ما وصفوا المغاربة بالإهمال ودفنهم فضلاءهم في قبري تراب وإخمال…)

ومن ثم فإن إعادة الاعتبار للحسين حوري ليست مجرد وفاء لشخصه، وإنما هي واجب ثقافي وتاريخي يهم الذاكرة المسرحية المغربية برمتها. ويقتضي هذا الواجب العمل على جمع تصوصه المسرحية، وتحقيق أوراقه النظرية، وتوثيق شهادات معاصريه وتلامذته، وإنجاز دراسات أكاديمية تتناول تجربته في مختلف أبعادها الفكرية والجمالية.

خاتمة:

تشكل تجربة الحسين حوري جزءا من الذاكرة الحية للمسرح المغربي الحديث. وقد جمع الرجل بين الإبجاع والتنظير والممارسة الثقافية الملتزمة، وأسهم في ترسيخ تصور للمسرح بوصفه فعلا نقديا وتنويريا. غير أن استمرار غياب مشروع علمي لتوثيق منجزه يهدد بفقدان جانب مهم من تاريخ المسرح المغربي. لذلك فإن استعادة ذكرى الحسين حوري لا ينبغي أن تظل رهينة المبادرات الفردية أو المناسبات التأبينية العابرة، بل ينبغي أن تتحول إلى مشروع بحثي وثقافي مؤسسي، يندرج ضمن سياسة أشمل لحفظ الذاكرة الثقافية المغربية.

المراجع:

*برشيد عبد الكريم، الكتابة والمسرح، منشورات وزارة الثقافة، الرباط 1996

*بنيس محمد، حداثة السؤال، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1988

*المنيعي حسن، المسرح المغربي: بحث في الأصول والسيرورة، منشورات كلية الآداب، الرباط، 1985

*المسكيني الصغير، أسئلة المسرح المغربي، منشورات وزارة الثقافة، الرباط 2000

*الإشارات المتعلقة بمفهوم ((مسرح المرحلة)) تستند إلى ما سبق لحوري أن نشره من أوراق وكتابات، وهو ما لم يعد متوفرا بين الأيدي بعد أن تداولته الأوساط المسرحية والثقافية، وإن ذلك لهو ما يستدعي عملا توثيقيا وعلميا لجمعها وتحقيقها ونشرها.

تنبيه منهجي: أدرجت فقط المراجع التي يمكن الاستناد إليها بوصفها مراجع عامة حول المسرح المغربي والذاكرة الثقافية. أما التفاصيل الخاصة بسيرة الحسين حوري ومؤلفاته وتواريخ نشاطه، فتحتاج إلى توثيق أرشيفي وشهادات مباشرة ومصادر أولية قبل إثباتها أكاديميا على نحو دقيق.

 

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

جسد المرأة من الوظيفة الإغرائية إلى الغاية الحجاجية، “هواجس شجرة”؛ لانتصار عباس – الخليل اخنيبيلة

الخليل اخنيبيلة*    مقدمة تعرف القصة عموما بأنها “مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب”[1]. وأما القصة …

اترك تعليقاً