الرئيسية / الأعداد / كتابة الذات بين الذاكرة والتأويل في رواية «أنا رفيق الحزن يا جارتي» للروائي عبد اللطيف محفوظ: مقاربة في التخييل الذاتي – محسن اليخليفي

كتابة الذات بين الذاكرة والتأويل في رواية «أنا رفيق الحزن يا جارتي» للروائي عبد اللطيف محفوظ: مقاربة في التخييل الذاتي – محسن اليخليفي

كتابة الذات بين الذاكرة والتأويل في رواية «أنا رفيق الحزن يا جارتي» للروائي عبد اللطيف محفوظ: مقاربة في التخييل الذاتي

محسن اليخليفي*

 

 مقدمة

شهد الأدب العربي تطورا ملحوظا في مجال الكتابات الذاتية، إذ انتقل من السير الذاتية المباشرة والمذكرات الفردية إلى أشكال روائية حديثة تمزج بين الواقع والتخييل. وفي الأدب المغربي خاصة، برزت تجارب رائدة تروي سيرة أصحابها بأساليب إبداعية، من ذلك روايات السيرة الذاتية التي يكتبها أصحابها بضمير المتكلم، جاعلين من تفاصيل حياتهم مادة أدبية. لقد أفرز هذا التوجه جنسا أدبيا يعرف اليوم بمصطلح التخييل الذاتي، وهو نمط سردي يجمع بين السيرة الذاتية والتخييل الروائي في آن واحد. يقوم التخييل الذاتي على كتابة الذات عبر استعادة الذاكرة وتأويلها، بحيث تعاد صياغة التجربة الشخصية بلغة أدبية تسمح للكاتب بتجاوز حدود الواقع الصرف. بهذا المعنى، يصبح النص مزيجا من مرجعية حياتية حقيقية ومن رؤية تخييلية تمنح تلك الحياة بعدا إنسانيا وفنيا. إن إشكالية “الذاكرة والتأويل” تتجلى هنا في تساؤل محوري: كيف يستطيع الكاتب أن يوازن بين أمانة الذاكرة وحرية التأويل التخييلي في كتابة ذاته؟ وماهي الاستراتيجيات السردية التي يستخدمها لتحويل واقعه الشخصي إلى عمل أدبي متكامل؟

تمثل رواية “أنا رفيق الحزن يا جارتي” لعبد اللطيف محفوظ نموذجا متقدما للتخييل الذاتي في الأدب المغربي المعاصر، إذ يستعيد الكاتب مرحلة اليفاعة في سرد تتقاطع فيه الأصوات الثلاثة: صوت الكاتب، وصوت السارد، وصوت الشخصية، داخل نسيج سردي يستلهم التجربة الذاتية دون أن يقع في أسر التوثيق المباشر.

  1. التخييل الذاتي وبناء الهوية السردية

1.1. ضمير المتكلم والتطابق الاسمي في تشكيل الأنا الساردة

تعتمد هذه الرواية إستراتيجية التخييل الذاتي منذ الصفحات الأولى، حيث يظهر ضمير المتكلم المفرد بوصفه الأداة السردية الأساسية التي يروي بها الكاتب/السارد حكايته. يقدم السارد نفسه بصيغة “أنا”، جاعلا من صوته الداخلي محورا تدور حوله الأحداث ووصف المشاعر. هذا الاستخدام لضمير المتكلم يضفي على النص بعدا اعترافيا، إذ يشعر القارئ أنه إزاء بوح ذاتي صادق. وفي هذه الرواية تتطابق الهوية الساردة مع شخصية البطل والمؤلف في الواقع، مما يخلق نوعا من التطابق الثلاثي بين الكاتب والسارد والشخصية. فالكاتب عبد اللطيف محفوظ يختار أن يسمي بطله باسمه الشخصي، ليعلن ضمنيا أن هذه الحكاية من صميم تجربته الخاصة. وقد عزز هذا التطابق إحساس القارئ بصدق الرواية، وكأنه يقرأ سيرة فعلية. إن ضمير المتكلم يحضر كذلك في صيغة المخاطَب حين يوجه السارد حديثه إلى جارته الغائبة بصيغة “أنت”، مما يفتح الحوار الداخلي على نداء مؤثر للآخر/المحبوبة. على سبيل المثال يخاطب السارد جارته قائلا: “تركتني موكبا للحزن يا جارتي[1]

حيث يمزج بين الضمير الأول والثاني في جملة واحدة. هذا النداء المباشر للجارة بأسلوب شاعري يوسع دائرة السرد من سرد الذات إلى مونولوج موجه إلى آخر متخيل، مما يعمق البعد الشعري في النص. بهذه الكيفية، يصبح التخييل الذاتي لدى محفوظ إستراتيجية سردية تسمح له بأن يرسم ملامح ذاته في المرآة السردية، متنقلا بحرية بين صوت الـ”أنا” الداخلي وخطاب الـ”أنت” الموجه إلى الحبيبة الغائبة.

وإلى جانب ضمير المتكلم وسردية الاعتراف، يشكل البعد الشعري في “أنا رفيق الحزن يا جارتي ” أحد المكونات الأساسية لاستراتيجية التخييل الذاتي. يفتتح الكاتب روايته بمقاطع تنتمي إلى التعبير الشعري من حيث النبرة والإيقاع والصور، فتبدو الصفحات الأولى أقرب إلى كتابة وجدانية منها إلى سرد تقريري لتوصيف حالاته الداخلية واستعادة شذرات من ماضيه.

يسهم هذا التداخل بين السردي والشعري في إبراز صوت سارد تتقاطع فيه الوظيفة الحكائية مع البعد التأملي، حيث تصاغ الأحداث من الداخل عبر شحنة انفعالية وإيقاع لغوي خاص. فالهوية السردية تتبلور من خلال اللغة بوصفها أداة لإعادة تشكيل الذاكرة، إذ ينشغل السارد بتخييل تجربته وتوليد دلالاتها، بدل الاكتفاء بتوثيقها، مما يضفي على السرد طابعا ذاتيا مفتوحا على التأويل..

  • الوهم المرجعي وإعادة بناء التجربة الشخصية: الرحيل من فاس إلى الدار البيضاء نموذجا

على الرغم من الطابع التخييلي لهذا النص الذاتي، فإنه يستند إلى أرضية واقعية صلبة يستشعرها القارئ عبر ما يمكن أن نسميه الوهم المرجعي. يوهم النص القارئَ بأنه إزاء أحداث مرجعية حقيقية مأخوذة من حياة السارد الفعلية، وذلك من خلال التفاصيل المكانية والزمانية الدقيقة. حيث يوثق السارد محطات سيرته بتواريخ وأسماء أمكنة معروفة، مما يعزز إحساسنا بأننا نقرأ وقائع واقعية. فعلى سبيل المثال، يذكر السارد تاريخ انتقال أسرته من مدينة فاس إلى الدار البيضاء بدقة: “غادرنا فاس يوم الحادي والثلاثين من غشت، صيف سنة ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين. اتفقنا قبل يومين مع مجموعة من الحمالين الذين لهم بغال قوية، على المجيء بعد صلاة عصر اليوم المعلوم. وفي الموعد المحدد أشرفنا على حمل الرحيل إلى الساحة المقابلة لثانوية أم البنين، حيث تنتظرنا شاحنة كبيرة”[2].

هذا السرد التفصيلي لحدث حقيقي – انتقال الأسرة وما صاحبه من ترتيبات مع الحمالين والشاحنة – يبرز حرص الكاتب على إعادة بناء واقعه الشخصي داخل النص. إن ذكر سنة 1974 وأسماء الأحياء (فاس، آنفا في البيضاء، ثانوية أم البنين) وغيرها من التفاصيل يمنح القصة بعدا توثيقيا ويقيم جسورا واضحة مع مرجعيات خارج النص. بذلك ينشأ الوهم المرجعي: إذ يقتنع القارئ بواقعية الأحداث وشخوصها، وينسى مؤقتا أنه أمام رواية متخيلة.

ويعمل الوهم المرجعي في إطار التخييل الذاتي على إعادة بناء الواقع الشخصي في قالب حكائي. فالانتقال من فاس إلى الدار البيضاء رمز لتحول في حياة الذات الساردة. إن سرد تفاصيل الرحيل وما اعترضه من عقبات (كالمفاوضات مع سائق الشاحنة، وإخفاء أحد الأبناء لتجنب المخالفة، وتكرار إيقاف الشاحنة من قبل رجال الدرك) يعكس واقعا معيشا وفي الوقت نفسه ينضج شخصية البطل ويهيئ المناخ لحياة جديدة في المدينة الكبرى. لقد أعاد الكاتب تأويل تجربة الرحيل هذه لتصبح جزءا من بناء هويته، ففاس تمثل الطفولة والماضي، والبيضاء تمثل آفاق الشباب والمستقبل. ومن خلال الوصف الدقيق والتفاصيل المرجعية، ينجح النص في إيهامنا بصدق التجربة وتحقيق توازن ذكي بين الذاكرة والتخييل.

  • تعدد أصوات الأنا عبر طبقات السرد

من السمات البارزة في هذه الرواية اعتماد الاسم الشخصي الحقيقي للسارد/البطل، الأمر الذي يعزز اندماج المؤلف في نصه عبر التخييل الذاتي. فالسارد يحمل اسم الكاتب نفسه “عبد اللطيف”، مما يقيم تطابقا صريحا بين الواقع والنص. هذا التطابق الاسمي يشعر القارئ بصدق العهد السيرذاتي بينه وبين المؤلف؛ فحين يخاطَب البطل باسمه الحقيقي يترسخ الانطباع بأن كل ما يروى إنما هو صفحة من حياة فعلية. ففي أحد المقاطع تستحضر الرواية رسالة مكتوبة إلى السارد من جارته/الحبيبة، استهلت بتحية تحمل اسمه مباشرة” الغالي جدا عبد اللطيف[3]

“كم كانت فرحتي عظيمة وأنا أفاجأ بك، وأنت تسلمني رسالتك، بعد أن انتابني الشك في أن اهتمامك مجرد استلطاف من جار مهذب، سيما وأن الخفر الذي كان ينساب هادئا من عينيك، وأنت تغض البصر حال التقاء عيوننا، كان يزيد شكي في تأويل نظراتك وسلوكك...

لا أكتم عنك، عزيزي، أنني منذ التقت عيناي بعينيك شعرت ببريق ساحر يجذبني إليك.”[4]

. يظهر هنا صوت آخر داخل السرد (هو صوت الجارة أمل عبر رسالتها) ينادي السارد باسمه الشخصي. إن ورود الاسم صراحة في الحوار والنص المكتوب (الرسالة) يضفي على الرواية طابعا توثيقيا، كما لو أننا نطلع على وثائق حميمة من حياة حقيقية. ولأن التخييل الذاتي جنس هجين بين السيرة والرواية، فإن استخدام الاسم الشخصي يمثل إحدى علامات الصدق المرجعي التي يوظفها الكاتب عن وعي. فهو من جهة يزيل الحدود بين المؤلف وبطله، ومن جهة ثانية يذكر القارئ بأن هذا العمل يحتفي بالذات الواقعية داخل المتن التخييلي.

لكن الرواية لا تكتفي بصوت “الأنا” الواحد؛ إذ نشعر فيها بتعدد أصوات الذات عبر تعدد طبقات السرد داخل الأنا الواحدة.  فالسارد يروي قصته في الحاضر، لكنه يستدعي أيضا أصواتا من ماضيه المدون. نجد مثلا صوت الذات الطفولية أو اليافعة في كراسة المذكرات التي يحتفظ بها السارد، حيث دون خواطره وأحداثه الماضية. عندما يفتح السارد دفاتر مذكراته القديمة، ينبثق صوت “أنا” آخر من الماضي، يعبر عن ذاته في سن أصغر وبوعي أقل نضجا. كذلك تتعدد الأصوات الذاتية عبر أساليب مخاطبة النفس ومساءلتها، وأحيانا عبر انقسام السارد إلى موضعين: موضع يروي وموضع يعلق أو يخاطب ذاته. هذا التعدد في طبقات الصوت يمنح السرد غنى وتنوعا، ويجعل من الـ”أنا” مركبة ذات أصوات متعددة: الصوت الحاضر الواعي، والصوت الماضي المخزن في الذاكرة والنصوص القديمة، وحتى صوت الآخر الداخل في تكوين الذات (كصوت الجارة في الرسالة، أو أصوات أفراد الأسرة التي تشكل جزءا من وعي السارد بذاته). بهذه التقنية، ينجح الكاتب في أن يصور لنا الذات بوصفها جمعا لا مفردا: فهي مجموع خبراتها وأصواتها عبر الزمن. إن الأنا الساردة هنا فضاء تتردد فيه أصداء الماضي والحاضر في تناغم سردي متكامل. وهكذا نسمع في النص صوت عبد اللطيف الطفل والمراهق عبر مذكراته، وصوته الشاب الواعي الذي يكتب الرواية، بل وحتى صوت عبد اللطيف المتخيل في عيون الآخرين. كل هذه الأصوات تشكل نسيجا سرده متعدد الطبقات، يثري التخييل الذاتي ويدعم مصداقيته الفنية، إذ تبدو الذات كائنا مركبا تماما كما هي في الواقع الإنساني.

  1. الذاكرة النصية وإعادة تأويل الذات

يتمثل عبد اللطيف محفوظ في أنا رفيق الحزن يا جارتي تجربتي الحب والمراهقة عبر اشتغال سردي يتقاطع فيه الزمنان، الحاضر والماضي، كما تتداخل فيه التجربة الفردية مع البعد الثقافي، والواقعي مع التخييلي. ترتبط خصوصية هذا العمل باستدعاء الذاكرة، وبالكيفية التي يعاد بها إنعاش تلك الذاكرة من خلال نصوص سابقة وهي مذكرات دونها السارد في عمل سابق، هو رهاب متعدد، ليدرجها هنا بوصفها وثيقة ذاتية تستعاد داخل النص، وتقرأ وتؤول وتعاد صياغتها ضمن مسار جديد للكتابة. إنها محاولة لإعادة فهم ما حدث بوعي الحاضر. إن السارد يقرأ نفسه، ويجعل من “الأنا” نصا يعود إليه في شكل قارئ متأمل. لتسائل الذات صورتها القديمة. وينشأ في المسافة الفاصلة بين ما كتب وما قرئ، وبين الكيفية التي تم بها هذا الفهم، مستوى سردي يعنى بما يمكن تسميته بـ “الذاكرة النصية”، حيث تدرك الذات أنها كانت يوما ما نصا منجزا يعاد اليوم تأويله من موقع زمني ونفسي مغاير. وهكذا، لا يستعاد الماضي كما وقع، بل كما كتب، ثم كما يفهم ويعاد تأويله في ضوء الوعي الراهن. وما طيف الابتسامة من الجارة. كمرسل عاطفي إلا ذريعة سردية تمكن السارد من أن ينقب في الماضي، ليتأمل بنزعة شبه تحليلية، مقالا قرأه عرضا في صحيفة، ونصوصا كتبها وبات يشاهد نفسه فيها من الخارج.

إن السارد يخوض تجربة قرائية ثانية، ليتحرر من وطأة تمثلاته القديمة. فكل من مذكرات ـ “الحكي الممنوع”، “الاختلاط المشبوه”، “شبهة التحرش” ـ تقرأ باعتبارها ملفا أخلاقيا وثقافيا، يختلط فيه العار، والقمع، والتردد، والتحفظ، والخوف، والتربية، والمعايير الجماعية. وهنا، تراجع الذات التي تكتب ماضيها، وتعيد تشكيل نفسها على نحو يعيد توازنها في الحاضر بعد زمن القراءة.

2.1  الذات قارئة لماضيها المكتوب: تشكل الذاكرة النصية

تشكل لحظة قراءة السارد لمذكراته نقطة انعطاف داخلية دقيقة، على مستوى فهم ذاته في الزمن الحاضر وعلاقتها بماضيها. فهو يقرأها بوصفها طبقات خطابية تمثل صورا سابقة لذكرياته، صورا حدثت في لحظة هشاشة أو خجل أو تردد، ثم تستعاد الآن من موقع وعي أكثر نضجا.

إن الاستنتاج الجوهري الذي يخرج به السارد بعد هذا الاشتغال التأويلي هو أن كل ما بدا له، في لحظة الكتابة الأولى، مأساة أو خجلا أو فشلا عاطفيا، يتحول عند القراءة اللاحقة إلى مادة لفهم أوسع للذات، لمجتمعها، ولآليات القمع الرمزي التي طبعت علاقة الجسد الذكوري بالأنثوي.

وفي هذا السياق، تسهم الأغاني مثل “نظرة وفاتت جنبنا”[5] في تحفيز هذا الفهم كخطاب بديل، يفسح المجال لما لم تقله الذات في حينه، ويمنحها مفاتيح رمزية للبوح المؤجل. وبهذا المعنى، تشكل التجربة التأويلية لحظة تحول في وعي السارد، إذ تساعده على فهم أزمته العاطفية وتفتح له أفقا لإعادة النظر في منظومته الشعورية والتعبيرية وعلاقته بعالمه الداخلي.

إن الحالة التي أصبح عليها السارد هي حالة من التخفف من جلد الذات، ومن تصالح مؤقت مع ماض لم يعد يرى كخطأ شخصي إنما كنتاج لبنية ثقافية واجتماعية شكلت وعيه يقول السارد: “على الرغم من كونها أغنية معروفة تذاع مرارا، أحسست كأنني أستمع إليها أول مرة ، ربما لأنها جعلتني تلك الليلة أشعر باندماجي في الجموع. وبفضل هذ الشعور بالاندماج خفت موازين آلامي أكثر وتخلصت نهائيا من عنف تجريحي لذاتي”[6]. فالفهم حل محل التأنيب، والقراءة سمحت له بإعادة تأويل التجربة دون إنكار أثرها. إن اللحظة التي يقول فيها السارد ” ولأول مرة بعد أرق ثلاثة أيام، لم أدر متى أخذني النوم إلى عوالمه”[7] تمثل ذروة هذا التحول: فالذات التي كانت موزعة بين التردد واللوم والخجل، تستعيد توازنها عبر الفهم الذي توفره الكتابة الثانية، والتأويل الجديد للمذكرات التي خطتها اليد ذاتها.

حين يعيد السارد قراءة تجربة “رهاب التحرش” في مذكراته، يتبدى العقاب الذي تلقاه في طفولته نتيجة حكي بريء كأصل لارتباكاته العاطفية لاحقا. فالحدث أسس علاقة مشوشة بين الذات والرغبة، في مجتمع يجرم البوح ويكرس التردد. لقد شكلت هذه الحادثة نموذجا أوليا للقمع الداخلي الذي طبع سلوك السارد وصمته عبر الزمن. هنا يغدو التخييل الذاتي وسيلة لكشف وتأمل المسكوت عنه، إذ تضع الذات نفسها في مواجهة مع ما كانت تتجنب إدراكه أو الاعتراف به سابقا. وتظهر أهمية اللحظة التي يقرأ فيها السارد هذه الصفحة المنسية من حياته ويقارنها بوضعه الراهن، ليكتشف أن التوتر الذي يحول بينه وبين البوح بحبه لجارته أمل، ما هو إلا انعكاس لرهاب قديم. بهذا، يصبح الحكي المؤجل عن الذاكرة المؤلمة ضرورة وجودية، لأن تحرير الرغبة لا يتم إلا عبر استدعاء الخوف، والنظر إليه من موضع لم يعد فيه الخوف مطلقا.

في هذا المعنى، يكتب السارد من جديد ماضيه بوصفه نصا قابلا للتأويل، ويحرر ذاته من سلطة الصمت، دون أن ينكر أثر ذلك الماضي. فالرغبة التي كانت محاصرة بالخجل والتردد، تجد في حاضر القراءة معبرا لإعادة فهم الأحدث والبوح

   2.2  البنية الزمنية المركبة: الفعل والتذكر وإعادة القراءة

تقوم بنية الرواية على تعدد مستويات الزمن السردي، مما يمنح سرد الذات كثافة دلالية وفنية. حيث يتداخل زمنان أساسيان في تحريك الحكي: زمن الفعل الآني، وزمن التذكر. ففي الحاضر، نتابع يوميات البطل: انتقاله إلى الدار البيضاء، علاقاته بالجيران، وتطور مشاعره تجاه أمل. إلى جانب ذلك، يظهر زمن داخلي يستدعي فيه السارد لحظات من طفولته في فاس وتجارب ماضية لا تستعاد وفق ترتيب زمني، بل تستدعى بحسب تدفق الوعي وتداعي المعاني. موقف بسيط في الحاضر قد يحرك ذكرى قديمة، فينفتح السرد تلقائيا على مشهد من الماضي.

يضاف إلى هذين المستوىَين زمن ثالث يتجلى في إعادة القراءة، حيث يتوقف الحكي ليفسح المجال لتأمل المذكرات القديمة. هنا تتقاطع ثلاثة أزمنة: زمن الكتابة الأصلية، وزمن القراءة الراهنة، وزمن الحكي الموجه للقارئ. هذه الطبقات الزمنية تخلق حركة سردية مرنة، تبتعد عن الخطية وتشبه حوارا دائما بين الماضي والحاضر.

يظهر السارد في لحظة قراءة المذكرات كيف يعيد عيش التجربة ومشاعرها، ثم يؤجل تحليلها إلى ما بعد العودة إلى فراشه. في هذه الدينامية، تتكامل ثلاث حالات: عيش التجربة، تذكرها، ثم تأملها. ويؤدي هذا التشابك إلى بناء صورة مركبة للذات، تجعل القارئ يتتبع تحولاتها بين المراحل المختلفة، ويرصد بوضوح أثر الزمن في تشكيل وعيها.

يتجلى هذا التوازي أيضا في مشاهد أخرى، مثل لحظة الانتقال إلى الدار البيضاء، التي تروى في الحاضر، لكنها مشبعة بالحنين إلى فاس، وتقرأ بوعي لاحق يضفي على الحدث بعدا تأويليا. هذا البناء الزمني المركب يمكن الرواية من تقديم شخصية متعددة الأبعاد، ترى في الحاضر، وتستعاد في الماضي، وتفهم من خلال القراءة. إن سرد الذات هنا ليس تسجيلا للحياة، وإنما مساءلة للزمن، ولمعنى العبور من تجربة إلى أخرى.

  1. شعرية السرد وتمثيل الفقد

3.1.  شعرية اللغة والتكثيف الوجداني

تستوقفنا في هذه الرواية اللغة بوصفها وسيلة تأملية يستخدمها السارد للتعبير عن أعماقه الداخلية وأحاسيسه، فالكاتب يصوغ عباراته بعناية شعرية ملحوظة، مما يكسب النص نغما وجدانيا عذبا ويحقق تكثيفا وجدانيا للمشاهد. يتجلى هذا الأسلوب منذ الافتتاحية؛ إذ افتتحت الرواية بمقطع شعري مكثف يمثل حالة الوجدان لدى البطل قبل الدخول في صلب الحكاية. يخاطب السارد جارته الحبيبة بلغة استعارية تخاطب الخيال والعاطفة معا، فيصور فراقها المفاجئ وكأنه قدر مأساوي انقض على سعادتهما الوليدة. يقول في مطلع الرواية [8]

عشقنا الوليد،

كمْ رَعَيْنَاه،

وَمَا حَسبْنَا حسَابَ الْقَدَرْ.

إذْ في لَحْظَة من نعيم،

سَطَتْ عَلَى كل أحْلَامنَا يَد العَدَمْ.

 

سَرَقَ الدهْر فَرْحَتَنَا،

وَأَوْدَعَهَا عَالَما بلَا مسْتَقَرْ.

غَبْت أَنْت، بلَا مَوْعد، ذَاتَ سَفَرْ،

وَبَقيت أَنَا

غَريبا ..

 

وحيدا ..

شَاحبا كَالقَمَرْ”.

وَهَا أَنَا

في كل دَرْب

في كل زقَاق

وعند شارعنا النهي

ليس لي منك، فيها،

إلا بَقَايَا صور

وفي عمارتنا …

شرفة غرفتك

 

وَنَوَافذ بَيْني

مَاذَا أَقول لَهَا

حينَ تَسْأَلني في غَد عَنْك،

وَقَدْ رَاحَ حبي وَانْدَثَرْ .

وَمَاذَا أَقول لطَيْفك، إذَا مَا زَارَني في يَقْطَتي،

أَوْ في هجودي قَدْ حَضَرْ.

هَلْ أَقول :

أَنَا، بَعْدَكَ، رَفيق الْحزْن يَا جَارَتي،

أَمْ أَقول:

أَقَامَ اليَأْس، بَعْدَك في دروبي، وَاسْتَقَرْ.

نلاحظ في هذه اللغة الشعرية وفرة الصور والمجازات: فالحب يشبه بوليد رعياه معا، والقدر يأخذ هيئة يد العدم التي تسطو على الأحلام، وفرحة المحبين تسرق وتلقى في عالم بلا مستقر، ثم النهاية التي ترسم صورة البطل بعد رحيل جارته: غريبا وحيدا شاحبا كالقمر. كل تلك التعابير ترتقي باللغة من مستوى التقرير المباشر إلى مستوى الإيحاء والتكثيف. ففي بضعة أسطر تكشف الافتتاحية الشعورية عن معاناة الفقد التي ستشكل خلفية الحكاية. إنها بمثابة مفتاح تأويلي يضعنا أمام ثنائية المركز في الرواية: الحب/الفقد، النعيم/الألم، الوصل/الرحيل. ومن خلال هذه اللوحة اللغوية المكثفة، يحفز القارئ للدخول إلى عالم النص النفسي قبل أن تبدأ التفاصيل السردية. ولا يقتصر البعد الشعري على الافتتاحية فحسب، إنما يتغلغل في نسيج السرد كله. يستخدم الكاتب جملا إيقاعية ووصفا حسيا بليغا كلما أراد نقل الحالات الداخلية للشخصيات. فعندما يصف تردد البطل وخجله مثلا، يستعين بتشبيهات معبرة عن ثقل هذا الشعور ووطأته. كذلك عند تصوير الأمكنة (فاس القديمة، شارع آنفا بالبيضاء) يلون الوصف بانطباعات وجدانية تجعل المكان فضاء معنويا. إن اللغة الشعرية تؤدي دور الوسيط التأملي هنا لأنها تمنح السارد فسحة للتعبير عن تأملاته العميقة وهواجسه. فكثيرا ما ينزاح السرد من سرد الوقائع إلى التأمل الفلسفي أو النفسي، وتأتي اللغة الشعرية لتجسير هذا الانتقال. على سبيل المثال، حين يتحدث السارد عن الصمت المتجذر في شخصيته، يقول عبارة ذات إيقاع ومجاز: يصف الصمت بأنه “سياج متعال يحول دون انطلاق الذات إلى ما تصبو إليه[9]، محولا المفهوم المجرد (الصمت/الخجل) إلى صورة بصرية ملموسة (سياج يحيط الذات). هذا التكثيف الوجداني يجعل القارئ يفهم الشعور ويحسه في آن واحد، فهو يصور لنا خجله كقيد حابس. ومن جهة أخرى، تساهم اللغة الشعرية في خلق إيقاع سردي موحد يربط بين أجزاء الرواية المختلفة. فسواء كنا في مشهد يومي عادي أو في لحظة اعتراف داخلي، نجد الأسلوب محافظا على رصانته البلاغية وجمالياته. وهذا لا يعني أن اللغة متشابهة النبرة دوما؛ فهي تتلون بحسب المقام (رصانة وجزالة في لحظات التأمل، وسلاسة وعفوية في حوار الشخصيات مثلا)، لكن الخلفية الشعرية تبقى حاضرة، تظهر تارة في استعارة خاطفة، وتارة في جملة مسجوعة، وتارة في مونولوج وجداني يمتد عبر عدة أسطر. إن مثل هذه اللغة تجعل القراءة تجربة ممتعة على المستوى الجمالي، إلى جانب ما تقدمه من مضمون حكائي. كما أنها تؤكد فكرة الذات ككائن لغوي؛ فشخصية عبد اللطيف تتبلور أمامنا من خلال كلماته وأسلوبه في التعبير بقدر ما تتبلور عبر أفعاله. نعرفه شاعرا حساسا من طريق لغته الشاعرية، ونعرفه مفكرا عميقا من خلال تأملاته المصوغة بعذوبة. بهذا تغدو اللغة الشعرية المرآة الأصدق للذات في هذه الرواية؛ فهي تعكس حالاتها، وتترجم ما قد يعجز السرد الواقعي المباشر عن ترجمته من دقائق المشاعر وأطياف المعاني. إنها وسيط للتأويل الذاتي، حيث يشتبك اللفظ بالمعنى ليشكلا صورة نابضة للذات في مرايا السرد.

  • القصيدة الافتتاحية ووظيفتها في بناء مسار الفقد

لا تبدأ رواية “أنا رفيق الحزن يا جارتي ” كما تبدأ معظم الروايات، أي بحدث أو مشهد افتتاحي، فهي تشرع في البوح من لحظة الذروة: فقدان المحبوبة. فالسارد لا يترك للقارئ مجالا للتدرج نحو الألم، حيث يضعه مباشرة أمام مشهد الانكسار. فيتكثف الحزن في صور دقيقة وهادئة: عبر القصيدة لتوجيه القارئ إلى أن ما سيأتي لاحقا وإعادة فهم هذا الفقد من الداخل.

تشكل القصيدة لحظة انكشاف مكثف لجوهر التجربة، فيما يأتي السرد لاحقا ليكشف، بهدوء وتأمل، كيف انتهى صاحبها إلى أن يصبح رجلا يجوب الأمكنة القديمة، مطاردا طيف من رحلت، متسائلا: “ماذا أقول لطيفك إذا ما زارني في يقظتي؟”.[10] وإذا كانت القصيدة تلتقط لحظة شعورية خارجة عن الزمن، فإن الرواية تعيد عقارب الحكاية إلى الوراء، باحثة في الطفولة والمراهقة والانتقال من فاس إلى الدار البيضاء عن البدايات التي مهدت لهذا الحاضر الممزق بين الحنين والفقد.

وتقوم العلاقة بين القصيدة والرواية، إذن، على منطق التأويل لا الاستهلال. القصيدة تقول “أنا رفيق الحزن”. الرواية تشرح كيف أصبح كذلك، عبر نسيج حكائي لتفاصيل الحياة اليومية، والمشاهد العابرة، وحالات الأرق، والتردد، والسكوت، والندم. إن القصيدة تنتمي إلى لحظة نضج الألم، والرواية إلى زمن تشكله البطيء.

ثمة فارق جوهري في أدوات التعبير: القصيدة توظف التكثيف والرمز والإيقاع الداخلي، بينما الرواية تشتغل على التراكم والتفصيل. لكن كلاهما يلتقيان في غاية واحدة: مساءلة الذات، بوصفها أثرا يتشكل بين اللغة والذاكرة.

إن حضور القصيدة في مستهل الرواية يؤسس لبنية سردية يحافظ فيها الحس الشعري على حضوره داخل نَفَس السرد. فالحدود بين اللغة الشعرية واللغة الروائية تبنى على التكامل، إذ يتواصل الإيقاع الوجداني في العديد من المقاطع السردية، ويتجلى ذلك في الوصف الدقيق، والاستعارات، وفي العلاقة الحميمة مع اللغة التي تمنح السرد طابعا تأمليا يضبط إيقاعه الداخلي..

من هذا المنظور، يمكن اعتبار الرواية بأكملها نوعا من الشرح الطويل لتلك القصيدة الافتتاحية. بإعادة معايشتها على نحو سردي. وما اللغة إلا الوسيط الذي تنتقل من خلاله التجربة من حالتها الشعورية الخالصة إلى شكلها الحكائي، دون أن تفقد وهجها الأصلي.

خاتمة

تشكل رواية “أنا رفيق الحزن يا جارتي” لعبد اللطيف محفوظ نموذجا متقدما للتخييل الذاتي في الأدب المغربي، حيث يتقاطع قول الذات سرديا مع فعل الكتابة، ويتحول الماضي إلى مادة للتأويل؛ فتقدم السيرة إعادة فهم الذات عبر استدعاء الذاكرة من موقع زمني ونفسي جديد.

يتكامل في النص ضمير المتكلم مع البعد الشعري والوهم المرجعي، ما يضفي صدقا تعبيريا يعزز التماهي بين السارد والقارئ. وتؤدي المذكرات دورا محوريا بوصفها كتابة أولى يعاد قراءتها لاستخلاص تمثلات الطفولة والخجل والرغبة المؤجلة. في هذا التأويل، تصبح الكتابة مدخلا للتحرر من أثر الخوف والصمت.

ويعتمد السرد بنية زمنية مركبة، تتقاطع فيها لحظات الفعل والتذكر وإعادة القراءة، لتنكشف الذات في تحولها لا في اكتمالها. وتسهم اللغة الشعرية في شحن السرد بكثافة وجدانية، تجعل من التجربة العاطفية أفقا للتأمل وبناء الذات.

الإحالات

[1]  عبد اللطيف محفوظ. أنا رفيق الحزن يا جارتي. منشورات القلم المغربي. الدار البيضاء، المغرب. الطبعة الأولى: 2025.ص:199

[2]  المصدر نفسه ص: 7

[3] المصدر نفسه. ص: 76

[4] المصدر نفسه. ص: 76-77

[5] المصدر نفسه. ص: 61

[6] المصدر نفسه. ص:62-63

[7] المصدر نفسه. ص: 62

[8] المصدر نفسه. ص: 05-06

[9] المصدر نفسه، ص24

[10] المصدر نفسه. ص: 06

كاتب من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أما أنت يا أبي.. – غزلان صابر

أما أنت يا أبي.. /box] غزلان صابر*   فلم تكن أول رجل عرفته، بل أول …

اترك تعليقاً