أخبار عاجلة

ليلة حالمة – معاني سليمان

ليلة حالمة/box]

معاني سليمان*

 

بدت الشمس كجمرة مشتعلة وهي تغيب تدريجياً وراء الأفق، الناس يملؤون الشوارع ويتدفقون من كل مكان كعادتهم في الليالي الصيفية المبهجة حيث يطيب السهر والسمر. رش أبو جلال مصطبة الدكان بالماء، ووضع كرسيه أمام دكانه هرباً من الحر، انضم إليه جاره ورفيق عمره هاني وجلسا يتجاذبان أطراف الحديث:

  • ما هي آخر أخبار عصابة تجارة الأعضاء؟ ألم يقبضوا عليهم بعد؟
  • لا تزال التحريات قائمة، الشرطة تبحث عنهم في كل مكان، وجدوا الأسبوع الفائت جثة جديدة مشقوقة الصدر في مقلب القمامة، ما يثير الاستغراب أنهم يجدون بجوارها زهرة أوركيد بيضاء!
  • يا لجنون هؤلاء البشر! يقتل وينتزع قلب الضحية، ثم يلقيه مع زهرة بجواره!

سكنت أصواتهما عندما مرت بجوارهما شابة جميلة ترتدي فستاناً أصفر ليموني اللون، وشعرها البني ينسدل على كتفيها، رائحة عطرها منعشة تشبه رائحة الأزهار البرية، تمشي بخفة فراشة وتتمايل بكعبها الأبيض. مجرد رؤيتها كانت كفيلة بأن تنسي العجوزين حديثهما، وتجعل قلبيهما يخفقان من السعادة، حيتهما بابتسامة عندما لاحظت نظراتهما، وردا عليها التحية، بأعين زائغة وأفواه فاغرة ودعاها حتى نهاية الشارع.

زفر هاني متحسراً: ليت الشباب يعود يوماً!

  • قل هذا عن نفسك! رد أبو جلال.
  • أنا لا زلت شاباً، ليتها فقط تقبل بي وسأجعلها ملكة! ضحك هاني وقال له ساخراً:
  • انتظر لنسمع رأي زوجتك بالأمر…
  • مالي ومالها تلك العجوز البغيضة! سأتركها وأرحل مع هذه الشابة الجميلة!

تبادلا الضحكات، بينما أكملت الشابة طريقها إلى متجر الملابس، لفتت انتباه كل الحاضرين عند دخولها، اقتربت من البائع وطلبت منه قرطاً لؤلؤياً. تأمل البائع ملامحها المغتبطة وقال لها: لحسن حظك لدي شيء يناسبك تماماً. كانت السيدتان اللتان تقفان بالجوار تراقبانها بحسرة؛ لم تتذكر إحداهما متى آخر مرة شعرت بالحب أو همس لها أحدهم بكلمة غزل، أو دعاها إلى موعد غرامي. ارتدت الشابة الأقراط التي بدت أنها تناسبها تماماً، ودعت البائع والسيدتين، بينما تمتم البائع: كم هو محظوظ، إنه أسعد رجل في العالم!

أكملت الفتاة طريقها، كان صوت وردة يتدفق من الكشك المجاور: “بتمر ساعات بعد لقانا.. والروح لوجودك عطشانة توحشني عينيك وبلاقي الدنيا بقت فاضية.. مع إن الناس رايحة وجاية وأنا بحلم بيك”

قطعت الشابة الشارع وتوغلت داخل الأزقة المظلمة، حتى وصلت إلى المكان المحدد. كان ينتظرها هناك، ابتسم عندما رآها تنير كالبدر في السماء المظلمة. اقترب منها سعيداً، فحيته بابتسامة دافئة: “هل تأخرت عليك يا عزيزي؟” ثم مررت أصابعها الرقيقة عبر شعره تطمئنه: “لا تقلق، منزلي بالجوار.”

وصلا إلى البيت الذي كان يبدو معزولاً ومتطرفاً عن بقية البيوت، فتحت الشابة الباب وأضاءت النور، كان البيت مرتباً وجميلاً.

سألها الشاب باستغراب:

  • لا أفهم لِمَ تعيشين في هذا المكان المنعزل، ألا تشعرين بالخوف!؟ أجابته: المنطقة هنا أرخص من غيرها، كما أنني أستخدم جزءاً من البيت كعيادة… تعال انظر! ذهب معها إلى الغرفة الأخرى وجال ببصره بالغرفة؛ سرير الفحص، أسطوانات أكسجين، أجهزة مراقبة النبض، مصابيح علوية معلقة على حوامل، كانت تبدو كأنها غرفة عمليات مصغرة. شعر الشاب بأن المكان أصبح خانقاً وضيقاً وبدأ إحساس بالذعر والخوف يداهمه.
  • هذا غريب… قالها ثم انتبه إلى الصورة المعلقة على الجدار:
  • من هذا الذي بجوارك؟
  • إنه خطيبي السابق، لقد رحل منذ زمن، كان يدعي أنه يحبني ويخلص لي، ويرسل لي الأزهار يومياً، لكنه حطم قلبي ورحل مع أخرى.

إحساس ثقيل بالخدر يشل أطراف الشاب، ورغبة ملحة بالنوم تثقل جفنيه، كانت مزهرية بداخلها أزهار الأوركيد البيضاء موضوعة على الطاولة، هي آخر ما رآه قبل أن يغمض عينيه ويفقد الوعي.

قاصة من سوريا

 

عن madarate

شاهد أيضاً

سيميائية الكرامة في قصيدة (قيامة فدغم: مطرح الكرامة) لأبي غالب الحميري – معاذ غالب الجحافي

معاذ غالب الجحافي*   الملخص تقدم هذه القراءة مقاربة سيميائية لقصيدة «قيامة فدغم: مطرح الكرامة» …

اترك تعليقاً