الأندلس بوصفها مجازا للوجود: قراءة نقدية في ديوان «مجاز القرطبي» لعبد الحق بن رحمون (الجزء الأول)
عبد العزيز الخبشي*
- مقدمة منهجية تؤسس لرهانات القراءة.
لا تقاس قيمة العمل الشعري في أفق النقد الأدبي الحديث بقدرته على استثارة الانفعال الجمالي وحده، ولا بثراء صوره البيانية أو سلامة بنائه الإيقاعي، وإنما تقاس، قبل كل شيء، بقدرته على إنتاج أسئلة جديدة حول الإنسان والعالم واللغة، وعلى إعادة تشكيل علاقة القارئ بالواقع والتاريخ والذاكرة. لقد تجاوزت القصيدة الحديثة منذ التحولات الكبرى التي عرفها الشعر العالمي والعربي خلال القرن العشرين وظيفتها التقليدية بوصفها خطابا وجدانيا أو تعبيرا ذاتيا، لتصبح نسقا معرفيا وثقافيا تتقاطع داخله الفلسفة بالتاريخ والهوية بالمجاز والجمال بالفكر والذات بالآخر. ومن ثم، لم يعد النص الشعري موضوعا للشرح أو التفسير بقدر ما أصبح مجالا للتأويل وفضاء مفتوحا لإنتاج الدلالة.[1]
ضمن هذا التحول المعرفي، لم يعد النقد الأدبي الحديث يكتفي بالسؤال التقليدي: ماذا يعني النص؟ بل أصبح ينشغل بتعبير مستوحى من أعمال رولان بارت البنيوية بالسؤال: كيف ينتج النص دلالته ومعناه؟[2] فالعمل الأدبي في المنظور البنيوي وما بعد البنيوي لا يعكس الواقع انعكاسا مباشرا، بل يعيد بناءه وفق قوانينه الداخلية ويبتكر عالما رمزيا لا يخضع لمنطق الإحالة المباشرة، وإنما لمنطق العلاقات التي تنشأ بين العلامات داخل النص. ولهذا لم تعد القراءة النقدية فعلا يهدف إلى الكشف عن قصد المؤلف أو إعادة صياغة مضمون القصيدة، وإنما أصبحت محاولة لاستنطاق بنيتها الداخلية والكشف عن الأنظمة الجمالية والثقافية والفكرية التي تنتظمها.
وانطلاقا من هذا الأفق النظري، فإن مقاربة ديوان «مجاز القرطبي» للشاعر المغربي عبد الحق بن رحمون[3] لا يمكن أن تنحصر في تتبع موضوعاته أو تلخيص مضامينه، لأن مثل هذه القراءة ستختزل العمل في بعده الإخباري، بينما تنتمي القصيدة، في جوهرها، إلى عالم الإيحاء والاحتمال والانفتاح الدلالي. فالنص الشعري لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يخلق أسئلة جديدة، ولا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد إنتاجه داخل اللغة، بحيث تصبح الكلمة فضاء للوجود، ويغدو المجاز وسيلة للتفكير، لا مجرد أداة للتزيين البلاغي.
ولعل أول ما يستوقف القارئ في هذا الديوان هو أن عنوانه نفسه يعلن، منذ اللحظة الأولى، عن مشروع شعري يقوم على تحويل التاريخ إلى مجاز والمكان إلى رؤية والذاكرة إلى بنية جمالية. فالعنوان لا يحيل إلى الأندلس بوصفها حدثا تاريخيا أو فضاء جغرافيا، وإنما يحيل إليها باعتبارها علامة ثقافية مفتوحة على التأويل، وهو ما يجعل القراءة مطالبة منذ البداية بتجاوز المرجع التاريخي إلى استكشاف البنية الرمزية التي تنتظم الخطاب الشعري. وهنا يصدق ما ذهب إليه جيرار جنيت حين رأى أن العتبات النصية لا تمثل مجرد حدود خارجية تحيط بالمتن، بل تشكل منطقة انتقال وتفاوض بين النص والقارئ وتؤثر في تلقي العمل وتوجه قراءته منذ لحظة الدخول إليه.[4]
إن اختيار عنوان «مجاز القرطبي» لا يخلو من وعي شعري وفلسفي؛ إذ يجمع بين مفهومين يختزلان، في الظاهر، حقلين مختلفين: المجاز بما هو مفهوم بلاغي ولغوي، والقرطبي بما هو إحالة حضارية وتاريخية. غير أن اجتماع هذين المفهومين في تركيب واحد يحرر كلا منهما من معناه المباشر ويؤسس أفقا تأويليا يجعل المدينة رمزا والرمز رؤية والرؤية مشروعا شعريا يتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ. ومن هنا، فإن القراءة التي نقترحها لا تنطلق من البحث في «قرطبة» بوصفها مرجعا خارجيا، وإنما من الكيفية التي تتحول بها قرطبة داخل النص إلى بنية دلالية وإلى استعارة للوجود والذاكرة والهوية.
وتستند هذه الدراسة إلى قناعة منهجية مفادها أن النص الأدبي لا يفسر بمنهج واحد، لأن كل عمل إبداعي كبير يقاوم الاختزال ويفرض على الناقد أن يستعين بأكثر من أداة قراءة. ولذلك ستعتمد هذه المقاربة على تفاعل مجموعة من المناهج الحديثة، لا على سبيل الجمع الاعتباطي، وإنما بوصفها أدوات متكاملة للكشف عن مستويات النص المختلفة.
فمن السيميائيات سنستفيد في تحليل العتبات النصية والغلاف والعنوان والعلامات البصرية، استنادا إلى تصورات جيرار جنيت وأمبرتو إيكو. ومن الأسلوبية سنحلل البنية اللغوية والانزياحات والإيقاع الداخلي، في ضوء رومان ياكوبسون، وجان كوهن، وصلاح فضل، ومحمد مفتاح. ومن التأويلية (الهرمنيوطيقا)، كما بلورها بول ريكور، سنقرأ المجاز بوصفه منتجا للمعنى لا مجرد انحراف عن الحقيقة. ومن نظرية التلقي، عند هانز روبرت ياوس وفولفغانغ إيزر، سننظر إلى القارئ باعتباره شريكا في إنتاج الدلالة لا متلقيا سلبيا. كما ستستفيد الدراسة من النقد الثقافي لفهم حضور الذاكرة الأندلسية والرموز الحضارية والأسئلة المتعلقة بالهوية والذاكرة.
غير أن الانفتاح على المناهج الغربية لا يعني القطيعة مع التراث النقدي العربي، بل على العكس، فإن هذه الدراسة تنطلق من قناعة راسخة بأن كثيرا من المفاهيم الحديثة تجد جذورها الأولى في الفكر البلاغي العربي. فعبد القاهر الجرجاني، في نظريته في النظم[5]، سبق إلى إدراك أن المعنى لا يتولد من المفردات منفردة، بل من العلاقات التي تنتظمها، وهو ما يلتقي، في جوهره، مع كثير من تصورات اللسانيات البنيوية. كما أن حازم القرطاجني، في حديثه عن التخييل ووظيفة الشعر، وضع أسسا يمكن أن تدخل في حوار مثمر مع التصورات الحديثة للصورة الشعرية والتلقي[6]. ومن ثم، فإن هذه الدراسة لا تتعامل مع النقد العربي القديم بوصفه تراثا منغلقا، ولا مع النقد الغربي بوصفه نموذجا نهائيا، بل تسعى إلى إقامة حوار معرفي بين المرجعيتين انطلاقا من خصوصية النص موضوع القراءة.
وتتمثل الفرضية المركزية التي تؤطر هذه الدراسة في أن «مجاز القرطبي» ليس ديوانا عن الأندلس، بل هو ديوان يجعل من الأندلس مجازا للوجود الإنساني. فالحضور الأندلسي فيه لا يُقرأ باعتباره استعادة لماض مفقود، ولا بوصفه خطابا حنينيا يرثي الحضارة، وإنما باعتباره أداة لإعادة التفكير في معنى الزمن، والهوية واللغة والمصير الإنساني. وهذا ما يحرر النص من القراءة التاريخية المباشرة، ويضعه في أفق القراءة التأويلية التي تبحث عن الدلالة الكامنة وراء الرمز، لا عن الرمز نفسه.
كما تنطلق الدراسة من فرضية ثانية مؤداها أن الشعر في هذا الديوان لا يكتب التاريخ، بل يكتب أثر التاريخ في الوعي. والفرق بين الأمرين جوهري؛ فالتاريخ يهتم بالوقائع، بينما يهتم الشعر بما تتركه الوقائع من أثر في الذاكرة والخيال واللغة. ولهذا فإن القصيدة لا تعيد بناء الأحداث، بل تعيد بناء الإنسان الذي عاشها أو ورثها أو تخيلها، لتصبح الكتابة نفسها شكلا من أشكال مقاومة النسيان وإقامة جديدة داخل اللغة، وفق التعبير الذي اشتهر به مارتن هايدغر حين جعل اللغة «بيت الوجود».[7]
وإذا كان لكل قراءة نقدية رهانها الخاص، فإن رهان هذه الدراسة يتمثل في الكشف عن البنية العميقة التي تنتظم المشروع الشعري لعبد الحق بن رحمون، من خلال تحليل العتبات، واللغة، والمعجم، والصورة، والإيقاع، والتناص، والرمز، والمرجعيات الثقافية، وصولا إلى إبراز القيمة الجمالية والفكرية للديوان. فالغاية ليست إصدار أحكام انطباعية، ولا الإشادة المجانية بالنص، وإنما مساءلته، واختبار تماسكه الفني، واستكشاف خصوصية صوته الشعري داخل المشهد الشعري المغربي والعربي المعاصر.
إن القراءة التي نقترحها هنا لا تدّعي امتلاك المعنى النهائي للديوان؛ لأن النص الأدبي الكبير، كما يرى أمبرتو إيكو، هو «نص مفتوح» تتجدد دلالاته بتجدد قرائه وسياقات تلقيه[8]. ولذلك فإن هذه الدراسة لا تريد أن تغلق النص داخل تأويل واحد، بل تسعى إلى فتحه على إمكانات متعددة للفهم، إيمانا بأن ثراء الأدب لا يكمن فيما يقوله مرة واحدة، بل فيما يتيحه من آفاق لا تنتهي للتأويل. ومن هنا، فإن «مجاز القرطبي» لا يُقرأ بوصفه وثيقة عن الأندلس، ولا قصيدة عن الماضي، وإنما بوصفه مشروعا شعريا يجعل من الذاكرة لغة، ومن اللغة وطنا، ومن الشعر شكلا من أشكال مقاومة الفناء عبر الجمال.
- العتبات النصية وسيميائيات الغلاف والعنوان.
من العلامة إلى الرؤية: كيف يعلن ديوان «مجاز القرطبي» عن مشروعه الشعري؟
لقد أحدث كتاب جيرار جنيتSeuils (العتبات) تحولا عميقا في النظر إلى النص الأدبي[9]؛ إذ لم تعد القراءة تبدأ من الصفحة الأولى، وإنما من كل ما يحيط بالنص ويؤطر دخوله إلى فضاء التلقي. فالعتبة، في تصور جنيت، ليست عنصرا خارجيا أو إطارا زخرفيا، بل هي «منطقة انتقال» بين العالم الخارجي والعالم النصي، تتحكم في كيفية استقبال العمل وتوجيه تأويله. ومن هنا فإن الغلاف والعنوان واسم المؤلف والتصميم وحتى نوع الخط والألوان، تتحول جميعها إلى علامات سيميائية تشارك في إنتاج المعنى قبل أن يبدأ المتن في الإفصاح عن نفسه.
ولا يخرج ديوان «مجاز القرطبي» للشاعر المغربي عبد الحق بن رحمون عن هذا التصور، بل يكاد يقدم نموذجا تطبيقيا لما قصده جنيت بالعتبات؛ إذ تبدو عناصره الخارجية وكأنها تنتمي إلى المشروع الشعري نفسه، لا إلى الغلاف بوصفه غلافا ماديا. فالكتاب يعلن عن هويته قبل أن تُقرأ قصيدة واحدة، ويقيم منذ اللحظة الأولى حوارا مع ذاكرة القارئ، مستدعيا مخزونا ثقافيا وحضاريا يجعل من فعل القراءة تجربة تأويلية تبدأ قبل النص، وتستمر بعده.
إن أول ما يلفت الانتباه هو أن العنوان لا يحمل إسما تقريريا أو وصفيا، وإنما يختار تركيبا لغويا مكثفا: «مجاز القرطبي». وهذه الكثافة ليست مجرد اقتصاد لغوي، بل هي استراتيجية شعرية؛ لأن العنوان لا يحدد موضوع الديوان بقدر ما يفتح سلسلة من الأسئلة حول طبيعة العلاقة بين «المجاز» و «القرطبي». إن المتلقي يجد نفسه منذ البداية أمام عنوان لا يشرح نفسه، بل يطالب قارئه بالمشاركة في إنتاج معناه، وهو ما يجعل العنوان، وفق تصور أمبرتو إيكو، علامة مفتوحة على احتمالات متعددة، لا بطاقة تعريف بالنص[10].
إن كلمة «مجاز» لا تُستعمل هنا باعتبارها مصطلحا بلاغيا فحسب، وإنما باعتبارها إعلانا عن طبيعة الكتابة نفسها. ففي التراث العربي، لم يكن المجاز مجرد خروج عن الحقيقة، بل كان، كما بيّن عبد القاهر الجرجاني، أفقا تتسع فيه اللغة لإنتاج معان لا تبلغها العبارة المباشرة[11]. أما في النقد الحديث، فقد منح بول ريكور للمجاز مكانة فلسفية حين اعتبره شكلا من أشكال المعرفة، لأن الاستعارة لا تغير الألفاظ وحدها، وإنما تعيد تشكيل رؤيتنا للعالم[12]. ومن هذا المنطلق، فإن اختيار لفظة «مجاز» في صدر العنوان ليس اختيارا تقنيا، بل إعلان عن أن القصيدة لن تكتفي بتمثيل الواقع، وإنما ستعيد إنتاجه داخل اللغة.
أما لفظة «القرطبي»، فإنها بدورها تتجاوز الإحالة الجغرافية المباشرة. فهي لا تشير إلى مدينة فحسب، وإنما تستدعي طبقات متراكمة من الذاكرة العربية والإسلامية؛ إذ تحيل إلى قرطبة بوصفها رمزا للحضارة، والعلم، والفلسفة، والشعر، والتسامح الثقافي. وهنا يتحول الاسم من دلالة مرجعية إلى دلالة ثقافية، فيغدو «القرطبي» علامة على منظومة حضارية أكثر منه وصفا لمكان بعينه. وبهذا يلتقي العنوان مع ما يسميه رولان بارت «أسطورة العلامة»[13]، حيث لا يعود الاسم يحيل إلى مدلول واحد، بل إلى شبكة من الدلالات التي راكمها التاريخ والثقافة.
ومن خلال هذا التركيب، لا يضع العنوان القارئ أمام موضوع جاهز، بل أمام توتر دلالي بين البلاغة والتاريخ، وبين اللغة والحضارة، وبين الحقيقة والمجاز. وهذا التوتر هو الذي يؤسس أفق القراءة؛ إذ يدرك القارئ منذ اللحظة الأولى أنه لن يكون أمام ديوان يستعيد الأندلس بوصفها ماضيا منقضيا، بل أمام مشروع شعري يجعل من الأندلس استعارة للوجود الإنساني، ومن قرطبة رمزا للذاكرة، ومن المجاز أداة لفهم العالم.
ولا يقتصر دور العتبة على العنوان، بل يمتد إلى الغلاف نفسه، الذي يؤدي وظيفة سيميائية لا تقل أهمية. فالغلاف ليس مجرد عنصر جمالي، وإنما هو نص بصري يوازي النص اللغوي، ويقيم معه علاقة تكامل. وقد أكدت السيميائيات البصرية، مع ألجيرداس غريماس وأمبرتو إيكو، أن الصورة تمتلك نظامها الخاص في إنتاج المعنى، وأنها لا تقل قدرة عن اللغة على بناء الدلالة[14]. ومن ثم، فإن قراءة الغلاف لا ينبغي أن تتوقف عند وصف عناصره، بل تتجه إلى الكشف عن العلاقات التي تنشأ بين هذه العناصر، وعن الأفق الرمزي الذي تفتحه.
فإذا كانت العلامات البصرية في الغلاف تستدعي العمارة الأندلسية أو الفضاءات التاريخية، فإنها لا تفعل ذلك بقصد التوثيق، وإنما بقصد الإيحاء. فالمدينة لا تُعرض بوصفها أثرا سياحيا، وإنما بوصفها ذاكرة بصرية. وهذا ما يجعل الصورة تؤدي وظيفة موازية لوظيفة العنوان؛ فكلاهما لا يصف قرطبة، بل يستدعيها بوصفها رمزا قابلا لإعادة التأويل. ومن هنا يتحول الغلاف إلى جزء من استراتيجية الخطاب، لا إلى إطار خارجي له. وتتأكد هذه الوظيفة إذا استحضرنا مفهوم «أفق الانتظار» عند هانز روبرت ياوس[15]. فالقارئ لا يدخل إلى النص خالي الذهن، وإنما يحمل معه مجموعة من التوقعات التي تشكلها خبراته السابقة، والعتبات هي أول ما يتدخل في صياغة هذه التوقعات. والعنوان «مجاز القرطبي» يخلق لدى المتلقي انتظارا أوليا يتعلق بالأندلس، لكنه لا يلبث أن يزعزع هذا الانتظار بإضافة كلمة «مجاز»، التي تنقل المرجع من التاريخ إلى الشعر، ومن الجغرافيا إلى التأويل. وهكذا يصبح القارئ مدعوا إلى مراجعة توقعاته باستمرار، وهو ما يمنح القراءة طابعها الحواري والدينامي.
ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى العنوان بوصفه ممارسة واعية لما يسميه جاك دريدا «اختلاف الدلالة»[16]. فالعنوان لا يحدد معنى واحدا، بل يؤجل اكتمال المعنى، ويجعل القارئ في حالة بحث دائم عن العلاقة بين طرفيه. وهذا التأجيل ليس نقصا في الدلالة، بل مصدر ثرائها؛ لأن النصوص الكبرى لا تمنح قارئها معنى نهائيا، وإنما تمنحه إمكانية لا نهائية للتأويل.
وإذا عدنا إلى التراث النقدي العربي، وجدنا أن فكرة العتبة لم تكن غائبة تماما، وإن لم تصغ بالمصطلحات الحديثة. وقد أدرك البلاغيون العرب مبكرا أهمية المطلع في توجيه تلقي القصيدة وبناء علاقتها بالقارئ؛ فقد رأى ابن رشيق أن أول الشعر مفتاحه[17]، وإن كانت نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني لا تتناول المطلع بوصفه بابا مستقلا، فإنها تفترض أن كل جزء من أجزاء النص، بما في ذلك بدايته، يكتسب قيمته من موقعه داخل البنية الكلية للخطاب[18]. كما منح حازم القرطاجني للمقدمة الشعرية وظيفة تخييلية تمهد لاستقبال النص[19]. صحيح أن النقد القديم لم يتحدث عن الغلاف أو العنوان بالمعنى الحديث، لكن إدراكه لأهمية البداية يؤكد أن مفهوم العتبة ليس قطيعة مع التراث، وإنما تطوير له في ضوء أدوات تحليل جديدة.
وهكذا يتبين أن العتبات في «مجاز القرطبي» لا تؤدي وظيفة شكلية، بل تؤسس منذ البداية لمشروع شعري يقوم على تحويل الذاكرة إلى لغة، والتاريخ إلى رمز، والمكان إلى مجاز. فالديوان لا ينتظر القصيدة الأولى «ضميني»[20] ليعلن عن رؤيته، وإنما يبدأ في بناء عالمه منذ الغلاف والعنوان، جاعلا من كل علامة خارجية جزءا من نسيج النص الداخلي. ولذلك فإن القراءة السيميائية للعتبات لا تمثل مدخلا إلى الديوان فحسب، بل تمثل مفتاحا أساسيا لفهم منطقه الشعري، لأنها تكشف أن المشروع كله يقوم على فكرة واحدة كبرى: أن الشعر لا يستعيد الأمكنة، بل يعيد خلقها داخل اللغة، وأن الذاكرة لا تعيش في الحجر، بل في المجاز الذي يحفظها من النسيان.
- البنية الموضوعاتية للديوان: من الأندلس التاريخية إلى الأندلس الوجودية.
إذا كانت العتبات النصية قد مهدت للقارئ أفقا تأويليا يقوم على التفاعل بين الذاكرة والمجاز، فإن الدخول إلى المتن الشعري يكشف أن المشروع الذي يقترحه عبد الحق بن رحمون يتجاوز حدود استعادة الأندلس بوصفها حدثا تاريخيا أو رمزا تراثيا، ليؤسس ما يمكن تسميته بـ «الأندلس الوجودية»؛ أي الأندلس التي تتحول من مكان في الجغرافيا إلى حالة في الوعي، ومن زمن منقض إلى سؤال دائم عن الإنسان، والهوية، والذاكرة، والمصير.
لقد درجت الكتابة الشعرية العربية، منذ سقوط غرناطة، على استحضار الأندلس ضمن أفقين رئيسيين: أفق الرثاء الحضاري، كما نجده في كثير من النصوص الكلاسيكية، وأفق الحنين الرومانسي الذي يجعل من الأندلس فردوسا مفقودا. غير أن الشعر الحديث، منذ محمود درويش وأدونيس وأمل دنقل وغيرهم، بدأ يعيد النظر في هذه الصورة، فغدت الأندلس أقل حضورا بوصفها واقعة تاريخية، وأكثر حضورا بوصفها استعارة للمنفى، وللذاكرة، وللإنسان الذي يبحث عن معنى وجوده وسط الخراب.
وفي هذا السياق، يبدو أن مشروع «مجاز القرطبي» ينتمي إلى هذا الأفق الثالث؛ فهو لا يكتب عن الأندلس، بقدر ما يجعل الأندلس تكتب سؤالها داخل الإنسان المعاصر. فالمكان لا يستعاد من أجل ذاته، وإنما لأنه أصبح رمزا لمصير يتكرر، ولحضارة تثبت أن الازدهار والانهيار ليسا حدثين تاريخيين فقط، بل قانونين من قوانين الوجود.
وهنا يحسن استحضار تصور بول ريكور للذاكرة، الذي يرى أن استدعاء الماضي لا يكون بهدف إعادة إنتاجه كما كان، وإنما بهدف إعادة تأويله انطلاقا من أسئلة الحاضر. فالذاكرة، في نظره، ليست مخزنا للصور، بل عملية مستمرة لإعادة بناء المعنى[21]. وهذا ما يجعل الأندلس، في مثل هذا المشروع الشعري، ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لفهم الإنسان وهو يواجه سؤال الفقد، وسؤال البقاء، وسؤال الهوية.
ومن ثم، فإن البنية الموضوعاتية للديوان لا تقوم على خط سردي أو تسلسل تاريخي، وإنما على شبكة من الثيمات الكبرى التي تتقاطع وتتجاور وتتداخل، بحيث يصعب فصل إحداها عن الأخرى. فكل ثيمة تفتح الطريق إلى ثيمة أخرى، وكل رمز يقود إلى رمز آخر، في بناء دائري يجعل القصيدة فضاء للحوار بين الأزمنة، لا مجرد تسجيل لوقائعها.
وأول هذه الثيمات هي ثيمة الذاكرة[22]، التي تبدو بمثابة العمود الفقري للمشروع الشعري. وهي في «مجاز القرطبي» ليست موضوعا من موضوعات الديوان فحسب، بل هي البنية العميقة التي تنتظم معظم قصائده؛ فالشاعر يكتب ضد النسيان، ويستعيد الأندلس لا باعتبارها حدثا تاريخيا منتهيا، وإنما باعتبارها ذاكرة حية وهوية ثقافية ومشروعا جماليا وروحيا. إن عبد الحق بن رحمون يحوّل الذاكرة في «مجاز القرطبي» من مجرد استرجاع للماضي إلى فعل شعري لإعادة بناء الهوية ومقاومة الخراب التاريخي، بحيث تغدو القصيدة نفسها شكلا من أشكال حفظ الذاكرة الجماعية من التبدد والنسيان. غير أن الذاكرة هنا ليست استذكارا نوستالجيا للماضي، بل وعيا نقديا به. إنها ليست محاولة للهروب من الحاضر، وإنما وسيلة لفهمه. وهذا ما يجعلها، في ضوء نظرية موريس هالبفاكس، ذاكرة جماعية تتجاوز التجربة الفردية، لتصبح جزءا من الوعي الثقافي للأمة. فالذات الشاعرة لا تتحدث عن ماضيها الشخصي، بل عن ذاكرة حضارية تشكل جزءا من هويتها الرمزية.
ومن هذه الذاكرة تنبثق ثيمة ثانية هي ثيمة المكان.[23] غير أن المكان في «مجاز القرطبي» لا يؤدي وظيفة الإطار الجغرافي الذي تقع فيه الأحداث، وإنما يتحول إلى شخصية رمزية داخل النص. وقد أكد غاستون باشلار في كتابه «جماليات المكان» أن المكان في الأدب ليس حياديا[24]، بل يحمل شحنة وجدانية وفلسفية تجعل البيت، والمدينة، والنافذة، والحديقة، والشارع، علامات على حالات الوعي الإنساني. ومن هذا المنظور، تصبح قرطبة في المشروع الشعري أكثر من مدينة؛ إنها صورة للذات وهي تبحث عن مأوى داخل اللغة، وعن وطن داخل الذاكرة.
كما يرتبط المكان ارتباطا وثيقا بثيمة الزمن.[25] فالزمن في هذا المشروع لا يتحرك وفق خط مستقيم من الماضي إلى الحاضر، بل يتخذ شكلا دائريا، تتداخل فيه الأزمنة، ويتجاور فيه التاريخ مع اللحظة الراهنة. وهنا نستعيد مفهوم ميخائيل باختين عن «الكرونوتوب»[26]، أي وحدة الزمان والمكان داخل النص الأدبي، حيث لا يمكن فهم أحدهما بمعزل عن الآخر. فقرطبة ليست زمنا مضى، وإنما زمن يتكرر داخل الحاضر، والقصيدة لا تنتقل بين الأزمنة، بل تجعلها تتعايش داخل لحظة شعرية واحدة.
ومن أبرز الثيمات التي تنتظم الديوان كذلك ثيمة الهوية.[27]وهي من الثيمات المركزية في ديوان «مجاز القرطبي»، بل يمكن القول إنها تمثل الأفق الذي تنتظم داخله ثيمات الذاكرة والمكان والزمن جميعا. فالذات الشعرية في الديوان لا تسأل: من أنا؟ بالمعنى الفردي أو السيري، وإنما تسأل: من نحن بعد الأندلس؟ وما الذي تبقى من الهوية بعد تشتت المكان وانكسار الزمن؟ غير أن الهوية هنا لا تُطرح بوصفها انتماء عرقيا أو جغرافيا، وإنما بوصفها سؤالا ثقافيا مفتوحا. فالقصيدة لا تبحث عن هوية جاهزة، بل تكشف أن الهوية نفسها مشروع دائم لإعادة البناء. وهذا ما يجعل النص قريبا من تصور ستيوارت هول الذي يرى أن الهوية ليست معطى ثابتا، بل سيرورة تاريخية تتشكل باستمرار عبر الذاكرة والاختلاف والتفاعل الثقافي.
وتنبثق من سؤال الهوية ثيمة أخرى لا تقل أهمية، هي ثيمة الآخر[28]. وهي من الثيمات العميقة في ديوان «مجاز القرطبي»، لكنها لا تظهر في صورة مواجهة مباشرة بين «الأنا» و «الآخر» كما نجد في بعض الشعر الهوياتي أو السياسي، وإنما تتجلى عبر شبكة من العلاقات الحضارية والثقافية والإنسانية والرمزية. فالآخر في المشروع الشعري ليس خصما دائما، ولا مرآة سلبية للذات، بل عنصر أساسي في تشكلها. ومن هنا تبدو الأندلس فضاء للحوار بين الثقافات، لا مجرد رمز لصراع الحضارات. وهذه الرؤية تلتقي مع تصور تزفيتان تودوروف الذي جعل من الاعتراف بالآخر شرطا لتكوين الذات نفسها، لأن الهوية لا تتحدد بالانغلاق، بل بالحوار.[29]
ويحتل الخراب موقعا مركزيا داخل البنية الموضوعاتية. وهو من الثيمات العميقة والمهيكلة لديوان «مجاز القرطبي»، لكنها لا تظهر بوصفها خرابا ماديا أو عمرانيا فحسب، وإنما بوصفها خرابا حضاريا وزمنيا ووجوديا. فالخراب في الديوان ليس نهاية التاريخ، بل هو لحظة تأمل في معنى السقوط، وفيما يبقى من الحضارة بعد انهيار المدن والدول والأسماء. غير أن الخراب هنا لا يُقرأ بوصفه نهاية، بل بوصفه بداية لسؤال جديد. فالقصيدة لا ترثي المدن لأنها سقطت، وإنما لأنها تكشف هشاشة الإنسان أمام الزمن[30]. وهذا ما يمنح الخراب بعدا فلسفيا، ويجعله قريبا من مفهوم فالتر بنيامين الذي رأى أن الأنقاض ليست بقايا الماضي فحسب، بل هي الشاهد الأكثر صدقا على التاريخ[31].
ومن اللافت أن هذه الثيمات جميعها لا تقدم في صورة مباشرة أو خطابية، وإنما تتشكل عبر شبكة من الرموز والصور والإيقاعات، بحيث تصبح البنية الموضوعاتية نفسها بنية شعرية. فلا نجد موضوعا مستقلا عن اللغة، ولا فكرة منفصلة عن المجاز، بل تتولد الموضوعات من الطريقة التي تُكتب بها القصيدة، لا من مضمونها وحده. وهذا ما يجعل الديوان، في ضوء الشعرية الحديثة، نصا يؤسس معناه من داخله، لا من خارجه.
وقد نبه رولان بارت إلى أن النص الأدبي العظيم هو الذي يحول الموضوع إلى كتابة[32]، فلا يعود الحب حبا، ولا الحرب حربا، ولا المدينة مدينة، بل تصبح جميعها طرائق في بناء الخطاب. وهذا ما يبدو أن عبد الحق بن رحمون يحققه في مشروعه؛ إذ تتحول الأندلس من موضوع إلى بنية، ومن مرجع إلى مجاز، ومن مكان إلى رؤية.
ومن ثم، فإن وحدة الديوان لا تقوم على وحدة الموضوع، بل على وحدة الرؤية. فكل قصيدة، مهما بدا موضوعها مختلفا، تعود في النهاية إلى السؤال المركزي نفسه: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على ذاكرته في عالم يتآكله النسيان؟ وكيف تستطيع اللغة أن تمنح ما يفنى شكلا من أشكال الخلود؟
وهنا يبلغ المشروع الشعري أفقه الفلسفي؛ إذ لا يعود الشعر وسيلة لرواية التاريخ، بل يصبح شكلا من أشكال مقاومة الزمن. فالقصيدة لا تعيد بناء المدن، وإنما تعيد بناء المعنى الذي تركته المدن في الوجدان الإنساني. وبهذا يتحول الديوان إلى رحلة في طبقات الذاكرة، حيث يغدو التاريخ مادة للتأمل، والمكان استعارة للهوية، واللغة بيتا أخيرا للإنسان.
- شعرية اللغة والمعجم والانزياح الأسلوبي: كيف يصنع عبد الحق بن رحمون لغته الشعرية الخاصة؟
إذا كانت البنية الموضوعاتية تكشف عن الرؤية الفكرية التي تؤطر المشروع الشعري، فإن اللغة هي الحقل الحقيقي الذي تتحقق فيه هذه الرؤية. فالشعر، في نهاية المطاف، ليس موضوعا يُقال، وإنما لغة تُبتكر. ومن هنا، فإن القيمة الجمالية لأي تجربة شعرية لا تُقاس بموضوعها، وإنما بقدرتها على إعادة تشكيل اللغة ذاتها، وتحويلها من وسيلة للتواصل إلى أفق للتأويل. وقد كان رومان ياكوبسون محقا حين جعل الوظيفة الشعرية للغة قائمة على «توجيه الرسالة نحو ذاتها»[33]، أي أن الشعر يبدأ عندما تصبح اللغة موضوعا لنفسها، وتغدو كيفية القول جزءا من المعنى، لا مجرد وعاء له.
وانطلاقا من هذا التصور، فإن لغة عبد الحق بن رحمون، كما يوحي بها مشروع «مجاز القرطبي»، لا تنتمي إلى اللغة الوصفية أو الإخبارية، ولا تستجيب لمنطق التقرير، بل تنتمي إلى ما يسميه جان كوهن «اللغة المنحرفة»[34]؛ أي اللغة التي تخرج عن مألوف الاستعمال اليومي لتؤسس نظاما دلاليا جديدا. فالقصيدة لا تنقل الواقع كما هو، وإنما تعيد خلقه داخل بنية لغوية تتجاوز المعنى المباشر إلى المعنى الممكن، وتتجاوز الدلالة المعجمية إلى الدلالة الشعرية.
لقد بيّن جان كوهن، في كتابه «بنية اللغة الشعرية»، أن الشعر لا يبدأ من الموضوع، بل من الانزياح. فاللغة العادية تسعى إلى الاقتصاد في الدلالة، بينما تسعى اللغة الشعرية إلى مضاعفة الدلالة، وإرباك العادة الإدراكية للقارئ. والانزياح، بهذا المعنى، ليس خروجا اعتباطيا عن القاعدة، بل هو الشرط الذي يمنح النص شعريته. غير أن الانزياح الحقيقي لا يقوم على الغموض المجاني أو التعقيد المصطنع، وإنما على إنتاج علاقة جديدة بين الكلمات والعالم، بحيث يصبح المألوف غريبا، ويغدو الغريب مألوفا.
وهنا يلتقي التصور البنيوي مع ما أسسه عبد القاهر الجرجاني في نظريته في النظم؛ إذ رفض أن تكون البلاغة كامنة في المفردة ذاتها، وأكد أن جمال الكلام لا ينشأ من الألفاظ منفردة، وإنما من العلاقات التي تنتظمها داخل السياق. يقول الجرجاني في دلائل الإعجاز: «ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله»[35]. غير أن المقصود بالنحو هنا ليس قواعد الإعراب وحدها، بل النظام الذي يجعل الكلمات تتساند لتنتج معنى لا يوجد في أي كلمة بمفردها. وهذه الفكرة، على الرغم من صياغتها التراثية، تلتقي بصورة مدهشة مع ما ستقوله اللسانيات الحديثة بعد قرون.
ومن هنا، فإن شعرية اللغة في هذا المشروع لا تُبنى على غرابة المفردات، بل على طبيعة العلاقات التي تنشأ بينها. فالكلمة لا تستمد قيمتها من معناها المعجمي، وإنما من موقعها داخل النسيج الشعري، ومن الطاقة الإيحائية التي تكتسبها عبر السياق. وهذا ما يجعل القراءة الأسلوبية مطالبة بالنظر إلى النص بوصفه بنية من العلاقات، لا مجرد قائمة من الألفاظ الجميلة.
وقد نبّه صلاح فضل إلى أن الحداثة الشعرية ليست ثورة على اللغة بقدر ما هي ثورة داخل اللغة. فالقصيدة الحديثة لا تهدم النظام اللغوي، وإنما تعيد تنظيمه وفق منطقها الخاص. ولذلك فإن قيمة الشاعر لا تتحدد بامتلاكه معجما نادرا، وإنما بقدرته على إعادة توزيع الكلمات داخل شبكة جديدة من الدلالات. إن اللغة الشعرية ليست لغة أخرى، بل هي اللغة نفسها وقد اكتشفت إمكاناتها الكامنة.[36]
ومن هذا المنطلق، يمكن الحديث عن المعجم الشعري باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم المشروع الإبداعي. فكل شاعر، كما يرى محمد مفتاح، يبني مع الزمن معجمه الخاص، الذي يكشف عن هواجسه ورؤيته للعالم[37]. والمعجم الشعري لا يعني مجرد تكرار ألفاظ معينة، بل يعني انتظام الكلمات داخل حقول دلالية تتساند لتشكيل الهوية الأسلوبية للنص.
وفي مشروع يتخذ من «مجاز القرطبي» عنوانا له، يصبح من الطبيعي أن تتجاور الحقول المعجمية المرتبطة بالمكان، والذاكرة، والزمن، والكتابة، والهوية، والضوء، والظل، والماء، والخراب، والبعث. غير أن أهمية هذه الحقول لا تكمن في حضورها الكمي، بل في طبيعة العلاقات التي تنشأ بينها. فالكلمات لا تعمل منفردة، وإنما تتحول إلى شبكة دلالية متداخلة، بحيث تستدعي كل مفردة مفردات أخرى، ويغدو المعجم بأكمله أشبه بخريطة رمزية للنص.
وهنا يمكن استحضار تصور ميشال ريفاتير الذي يرى أن القراءة الشعرية لا تقوم على تتبع الكلمات منفصلة، وإنما على اكتشاف «المصفوفة الدلالية» التي تنتظمها[38]. فالمعنى لا يسكن المفردة، بل يتولد من تكرارها، ومن اختلافها، ومن علاقاتها بما يجاورها من علامات. وهذا ما يجعل التحليل المعجمي جزءا من التحليل البنيوي، لا مجرد إحصاء للألفاظ.
ولا تقتصر خصوصية اللغة الشعرية على المعجم، بل تمتد إلى التركيب. فالجملة الشعرية تختلف عن الجملة النثرية في أنها لا تُبنى لتحقيق الوضوح وحده، وإنما لتحقيق التوتر والإيحاء. وقد رأى رومان ياكوبسون أن الشعر يعيد توزيع العلاقات بين المحورين: محور الاختيار ومحور التأليف، بحيث يصبح ترتيب الكلمات نفسه مصدرا للمعنى[39]. فالتقديم والتأخير، والحذف، والتكرار، والتوازي، ليست مجرد وسائل بلاغية، بل آليات لإنتاج الإيقاع والدلالة في آن واحد.
ومن هنا، فإن الجملة الشعرية في هذا المشروع لا تُقرأ بوصفها وحدة نحوية، وإنما بوصفها وحدة إيقاعية ودلالية. إنها جملة تُبنى لكي تُرى كما تُقرأ، ولكي تُسمع كما تُفهم، بحيث تتداخل الموسيقى مع الصورة، ويتعانق النحو مع المجاز. وهذا ما يجعل الإيقاع الداخلي جزءا من البنية اللغوية، لا عنصرا مضافا إليها.
ويكتسب الانزياح التركيبي أهمية خاصة في هذا السياق، لأنه لا يغير شكل العبارة فحسب، بل يغير طريقة إدراك القارئ لها. وقد بيّن جان كوهن أن كل انزياح هو في جوهره دعوة إلى إعادة القراءة؛ لأن القارئ حين يصطدم ببنية غير مألوفة يضطر إلى إعادة بناء المعنى بنفسه[40]. وهكذا يتحول الانزياح إلى استراتيجية جمالية تخرج القارئ من الاستهلاك السلبي للنص، وتجعله شريكا في إنتاج دلالته.
وليس بعيدا عن ذلك ما ذهب إليه بول فاليري حين قال إن الشعر هو تردد اللغة أمام نفسها[41]. فالجملة الشعرية لا تسير في خط مستقيم نحو المعنى، وإنما تتوقف، وتلتفت، وتراوغ، وتفتح أكثر من احتمال، لأن غايتها ليست الوصول إلى معنى واحد، بل إنتاج فضاء من المعاني الممكنة.
وتتجلى هذه الخصوصية أيضا في اقتصاد اللغة. فالنص الشعري الكبير لا يقوم على كثرة الكلام، بل على كثافة الدلالة. وقد أشار إزرا باوند إلى أن الشعر هو لغة مشحونة بأقصى قدر من المعنى[42]. وهذه الشحنة لا تنتج من الإطناب، بل من قدرة العبارة على أن تقول أكثر مما تنطق به. ومن هنا فإن الكلمة الشعرية تحمل دائما فائضا دلاليا يتجاوز معناها الظاهر، ويجعلها قابلة للتأويل المستمر.
ومن الخصائص التي تستحق الانتباه كذلك شعرية الصمت. فالنص الحديث لا يبني معناه بما يقوله فقط، بل أيضا بما يتركه مسكوتا عنه. وقد أولى موريس بلانشو أهمية كبرى لهذا البعد، معتبرا أن الصمت ليس غيابا للكلام، بل حضوره الأعمق[43]. فالبياضات، والفجوات، والانقطاعات، ليست نقصا في النص، وإنما فضاءات يدعو فيها الشاعر القارئ إلى المشاركة في استكمال المعنى. وهنا يلتقي هذا التصور مع نظرية فولفغانغ إيزر حول «الفراغات النصية» التي تجعل القراءة فعلا إبداعيا لا يقل أهمية عن الكتابة.[44]
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن خصوصية لغة عبد الحق بن رحمون – بوصفها مشروعا شعريا – لا تقوم على استعراض البلاغة أو زخرفة العبارة، وإنما على بناء لغة تتوتر فيها العلاقة بين الذاكرة والمجاز، وبين التاريخ والرمز، وبين الواقع والاحتمال. إنها لغة تُفكر بقدر ما تُغني، وتُؤوِّل بقدر ما تُصوِّر، وتفتح أمام القارئ إمكانات لا تنتهي لإعادة اكتشاف النص.
وهكذا، فإن شعرية اللغة في «مجاز القرطبي» لا تنبع من خروجها عن القواعد، بل من قدرتها على إعادة اكتشاف القواعد ذاتها، وإعادة توظيفها داخل رؤية جديدة للعالم. فالشعر، كما كان يقول عبد القاهر الجرجاني، ليس في اللفظ وحده ولا في المعنى وحده، وإنما في العلاقة التي تنشأ بينهما[45]؛ وهي العلاقة نفسها التي سيعيد النقد الحديث، بوسائله المختلفة، اكتشافها تحت أسماء متعددة: الانزياح، والشعرية، والوظيفة الجمالية، والكتابة. وهنا تتأكد استمرارية الفكر النقدي عبر العصور، ويتبين أن النص الشعري العظيم يظل دائما قادرا على جمع التراث والحداثة داخل لغة واحدة، هي لغة الإبداع.
- الصورة الشعرية وبنية المجاز.
من بلاغة التعبير إلى فلسفة الرؤية: قراءة في ضوء بول ريكور وغاستون باشلار.
إذا كانت اللغة هي المادة الأولى التي يتشكل منها الخطاب الشعري، فإن الصورة الشعرية هي اللحظة التي تتحول فيها هذه المادة إلى رؤية للعالم. ولم يعد النقد الأدبي الحديث ينظر إلى الصورة بوصفها زينة بلاغية أو عنصرا تزيينيا يضفي على النص شيئا من الجمال، وإنما أصبح يعدها البنية العميقة التي تتجسد فيها فلسفة الشاعر ورؤيته للوجود. فالصورة، كما يقول غاستون باشلار، ليست نتيجة الإدراك العقلي، بل هي «انبثاق مفاجئ للخيال»، وهي لحظة يلتقي فيها العالم الخارجي بالعالم الباطني، فتولد تجربة شعرية لا يمكن اختزالها في معناها المباشر.[46]
وانطلاقا من هذا المنظور، فإن المشروع الشعري الذي ينهض عليه ديوان «مجاز القرطبي» يجعل من الصورة محورا مركزيا في بناء الدلالة. وليس ذلك أمرا عارضا؛ فالعنوان نفسه يمنح للمجاز مكانة تأسيسية داخل التجربة الشعرية، وكأن الشاعر يعلن منذ البداية أن العالم لا يمكن إدراكه بالحقيقة المباشرة، وإنما عبر الوسيط المجازي الذي يحول الأشياء من معطيات حسية إلى علامات ثقافية ورموز وجودية.
لقد ظل النقد البلاغي القديم يدرس الصورة من خلال التصنيفات المعروفة: التشبيه، والاستعارة، والكناية، والمجاز، لكنه كان يهتم غالبا ببيان وجوه الحسن فيها. أما النقد الحديث فقد تجاوز هذا المستوى ليبحث عن الوظيفة المعرفية للصورة، وعن علاقتها ببنية النص ورؤية العالم. ومن هنا، فإن الصورة في الشعر الحديث لا تُقرأ بوصفها مفردة بلاغية، وإنما بوصفها نظاما دلاليا ينتظم القصيدة بأكملها.
ويعد بول ريكور من أكثر الفلاسفة الذين أعادوا الاعتبار للمجاز بوصفه أداة للفكر. ففي كتابه «الاستعارة الحية» [47]يؤكد أن المجاز لا يقوم على استبدال كلمة بأخرى، بل على إنتاج معنى جديد لم يكن موجودا من قبل. والاستعارة، في نظره، ليست انحرافا عن الحقيقة، وإنما طريق آخر إليها، لأنها تجعلنا نرى الأشياء بطريقة لم نكن نراها من قبل. ولهذا يقول ريكور إن المجاز «يعيد وصف العالم»[48]، أي إنه لا يكتفي بتسمية الواقع، بل يعيد بناءه داخل اللغة.
ومن هنا تكتسب تسمية الديوان «مجاز القرطبي» دلالة فلسفية عميقة؛ فهي لا تشير إلى استخدام المجاز بوصفه تقنية أسلوبية، بل تجعل منه منهجا في الرؤية. فقرطبة ليست موضوعا للوصف، وإنما تصبح استعارة كبرى تتجاوز حدود المدينة لتتحول إلى صورة للإنسان وهو يواجه أسئلة الفقد، والذاكرة، والزمن، والهوية. إن المدينة هنا لا تُستعاد لأنها مدينة، بل لأنها أصبحت رمزا لكل ما يفنى ماديا ويستمر روحيا داخل اللغة.
وهذا ما يجعل الصورة الشعرية في المشروع لا تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالصورة التزيينية، وإنما إلى الصورة البنيوية[49]؛ أي الصورة التي تتكرر بأشكال مختلفة داخل النص، فتؤسس شبكة رمزية تتفاعل فيها العلامات فيما بينها. وقد ميّز نورثروب فراي بين الصورة الجزئية التي تؤدي وظيفة محلية، وبين الرمز المركزي الذي تنتظم حوله بقية الصور[50]. ويبدو أن المجاز، في هذا الديوان، يؤدي هذه الوظيفة الثانية؛ فهو لا يظهر في موضع واحد، بل يصبح القانون الذي يحكم حركة الصور كلها.
ومن ناحية أخرى، يتيح لنا فكر غاستون باشلار أن نفهم الصورة الشعرية من زاوية مختلفة. فباشلار يرى أن الشعر لا يصف الأشياء، وإنما يمنحها حياة جديدة داخل الخيال. والصورة، عنده، ليست نسخة عن الواقع، بل ولادة ثانية له. ولذلك فإن قيمة الصورة لا تُقاس بمدى مطابقتها للعالم الخارجي، بل بقدرتها على إيقاظ المخيلة وإحداث صدمة جمالية لدى القارئ. يقول باشلار: «الصورة الشعرية ليست صدى للماضي، بل هي بداية جديدة للوعي»[51].
وفي ضوء هذا التصور، لا تعود قرطبة مجرد مدينة تاريخية، بل تصبح فضاء تخييليا تتحرك فيه الذاكرة بحرية، وتتحول فيه الوقائع إلى رؤى، والأنقاض إلى إشارات، والأمكنة إلى حالات نفسية. إن المكان، في هذا الأفق، لا يحتفظ بحدوده الجغرافية، بل يذوب داخل الوجدان ليصبح مكانا داخليا، أو ما يسميه باشلار «المكان الحميم». ومن هنا فإن الأندلس، في التجربة الشعرية، لا تُستعاد بوصفها جغرافيا، بل بوصفها بيتا رمزيا للروح.
ولعل أهم ما يميز الصورة الشعرية في هذا المشروع أنها لا تنفصل عن الزمن. فالصور لا تُبنى على اللحظة الراهنة وحدها، وإنما تحمل في داخلها طبقات متعددة من الزمن، بحيث يصبح الماضي حاضرا في الصورة، كما يصبح الحاضر امتدادا للماضي. وهذا ما يجعل الصورة تتجاوز بعدها الوصفي لتصبح شكلا من أشكال التفكير التاريخي. وقد أشار بول ريكور إلى أن الخيال لا يلغي التاريخ، بل يعيد تأويله، ويمنحه معنى جديدا داخل الحاضر[52].
ومن هنا، فإن المجاز لا يهرب من الواقع، وإنما يعيد قراءته. فالمدينة المفقودة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للكشف عن هشاشة الإنسان أمام الزمن، وعن قدرة اللغة على مقاومة الفناء. ولهذا تتحول الصورة إلى أداة فلسفية، لا لأنها تقدم مفهوما مجردا، وإنما لأنها تجعل القارئ يعيش الفكرة في شكل حسّي وجمالي.
ولا يمكن الحديث عن الصورة الشعرية دون استحضار عبد القاهر الجرجاني، الذي سبق إلى إدراك أن قيمة الاستعارة لا تكمن في غرابتها، بل في موقعها داخل النظم. فالاستعارة، عنده، لا تُفهم منفصلة عن السياق، لأن معناها يتولد من العلاقات التي تقيمها مع بقية عناصر الخطاب[53]. وهذه الفكرة تلتقي بصورة لافتة مع التصورات البنيوية الحديثة، التي ترى أن العلامة لا تكتسب معناها إلا داخل شبكة من العلاقات.
ومن هنا، فإن الصورة في المشروع الشعري ليست جزيرة معزولة، بل جزء من منظومة كاملة تتفاعل فيها اللغة، والإيقاع، والرمز، والتناص، والذاكرة. وكل صورة تستدعي صورة أخرى، حتى يصبح الديوان أشبه بنسيج من العلامات التي تتساند لتكوين رؤية واحدة. وهذا ما يجعل القراءة الحقيقية للنص لا تقف عند حدود الصورة المفردة، وإنما تبحث عن البنية الكلية التي تنتظم الصور جميعا.
وقد نبّه محمد مفتاح إلى أن الصورة الشعرية العربية الحديثة لم تعد قائمة على المفردة، وإنما على «السلسلة التصويرية»، حيث تتولد صورة من أخرى، وتتفاعل الصور فيما بينها لتكوين عالم متكامل[54]. وهذا ما يمنح القصيدة وحدتها العضوية، ويجعلها أقرب إلى الكائن الحي منها إلى مجموعة من الأبيات أو المقاطع المنفصلة.
ومن الناحية الجمالية، تمتلك الصورة الشعرية وظيفة مزدوجة؛ فهي، من جهة، تحقق المتعة الفنية بما تخلقه من إدهاش، ومن جهة أخرى، تؤدي وظيفة معرفية لأنها توسع أفق إدراك القارئ. وقد عبّر تزفيتان تودوروف عن هذا المعنى حين رأى أن الأدب لا يعلمنا الحقائق، بل يعلمنا طرائق جديدة للنظر إليها[55]. فالصورة لا تضيف معلومة، وإنما تضيف رؤية.
ويترتب على ذلك أن المتلقي لا يكون مستهلكا للصورة، بل شريكا في إنتاجها. فكل صورة شعرية تترك فراغات ينبغي للقارئ أن يملأها بخبرته وثقافته وذاكرته. وهنا تستعيد نظرية التلقي أهميتها؛ إذ يرى فولفغانغ إيزر أن النص الأدبي لا يكتمل إلا في فعل القراءة، وأن البياضات التي يتركها الشاعر ليست نقصا، بل دعوة إلى التأويل[56]. وكلما ازدادت الصورة كثافة، ازدادت حاجتها إلى قارئ قادر على تفكيكها وإعادة تركيبها.
إن القيمة الكبرى للصورة في «مجاز القرطبي» لا تكمن في جمالها البلاغي وحده، وإنما في قدرتها على الجمع بين الحسّي والفلسفي، وبين التاريخي والوجودي، وبين المحلي والإنساني. فهي لا تصف العالم، بل تعيد خلقه، ولا تنقل الماضي، بل تمنحه حياة جديدة داخل الوعي. ولذلك يغدو المجاز، في هذا المشروع، ليس مجرد تقنية أسلوبية، وإنما رؤية شاملة تجعل الشعر فعلا من أفعال المعرفة، واللغة فضاء تقيم فيه الذاكرة، ويقيم فيه الإنسان أيضا.
وبذلك تتجاوز الصورة الشعرية وظيفتها الجمالية التقليدية لتصبح أفقا أنطولوجيا؛ أي طريقة في مساءلة الوجود نفسه. وهذا ما يجعل المشروع الشعري لعبد الحق بن رحمون، في أفقه النظري يتقاطع مع فلسفة مارتن هايدغر، الذي ينظر إلى الشعر بوصفه أحد أنماط انكشاف الوجود في اللغة، لا مجرد بناء جمالي أو ترفٍ لغوي؛ فاللغة عنده هي «بيت الوجود»، والشعر هو ما يتيح للإنسان أن يقيم في هذا البيت إقامةً أصيلة [57]. فحين تتحول قرطبة إلى مجاز، لا تعود مدينة فحسب، بل تصبح سؤالا مفتوحا عن الإنسان، وعن الزمن، وعن القدرة الدائمة للشعر على إنقاذ ما يوشك أن يضيع في النسيان.
- الإيقاع الخارجي والداخلي.
بين موسيقى الوزن وإيقاع الرؤية: شعرية الإيقاع في مشروع «مجاز القرطبي».
لم يعد الإيقاع، في النقد الأدبي الحديث، مجرد انتظام للأوزان والقوافي، ولا مجرد تكرار صوتي يضفي على القصيدة موسيقى خارجية، بل أصبح بنية جمالية وفكرية تتغلغل في جميع مستويات النص، بدءا من اختيار المفردة، ومرورا ببناء الجملة والصورة، وانتهاء بالرؤية الشعرية ذاتها. وإذا كانت البلاغة العربية القديمة قد أولت الوزن والقافية أهمية كبرى، فإن الدراسات الحديثة، منذ هنري ميشونيك[58] ورومان ياكوبسون[59] وجان كوهن[60]، أعادت تعريف الإيقاع بوصفه طاقة دلالية قبل أن يكون ظاهرة صوتية، معتبرة أن الشعر لا يُعرف بانتظام وزنه وحده، وإنما بالطريقة التي يتحول بها الصوت إلى معنى، والمعنى إلى موسيقى داخلية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الإيقاع في مشروع «مجاز القرطبي» لا ينبغي أن يقتصر على تتبع البحور الشعرية أو رصد القوافي، بل يجب أن يمتد إلى تحليل البنية الإيقاعية الشاملة التي تنتظم الخطاب الشعري، لأن الإيقاع الحقيقي لا يسكن آخر السطر الشعري، وإنما يسري في جميع مفاصل النص، في تكرار الصور، وتجاور الحقول الدلالية، وحركة الجمل، وصعود النبرة وانخفاضها، وفي العلاقة الدقيقة بين الصمت والكلام.
وقد رأى رومان ياكوبسون أن الوظيفة الشعرية للغة تقوم على تحويل النظام الصوتي إلى عنصر دلالي، بحيث تصبح الأصوات نفسها منتجة للمعنى، لا مجرد أوعية له[61]. فالإيقاع، في الشعر، ليس زخرفة سمعية، بل هو طريقة أخرى للتفكير. ولهذا فإن القارئ لا يسمع القصيدة فقط، بل يعيشها إيقاعيا، لأن الموسيقى تصبح جزءا من التجربة الشعورية التي ينقلها النص.
وإذا عدنا إلى التراث النقدي العربي، وجدنا أن حازم القرطاجني كان من أوائل النقاد الذين أدركوا هذه الحقيقة حين ربط الوزن بالتأثير النفسي، معتبرا أن الإيقاع ليس مجرد انتظام عددي، بل وسيلة لإحداث التخييل والانفعال في نفس المتلقي[62]. كما أن عبد القاهر الجرجاني، وإن لم يجعل الإيقاع محور نظريته، كان واعيا بأن حسن النظم لا يتحقق بالعلاقات الدلالية وحدها، وإنما بالتآلف الصوتي الذي يجعل الكلام منسجما في سمع المتلقي كما هو منسجم في عقله.[63]
ومن هنا، فإن الإيقاع في المشروع الشعري لعبد الحق بن رحمون ينبغي أن يُقرأ بوصفه بنية مركبة، تتداخل فيها مستويات متعددة، يمكن تمييزها – منهجيا – إلى إيقاع خارجي وإيقاع داخلي، مع التأكيد على أن الفصل بينهما هو فصل إجرائي فقط، لأن القصيدة الحقيقية تجعل الموسيقى الخارجية امتدادا للموسيقى الداخلية، لا بديلا عنها.
أولا: الإيقاع الخارجي… من الوزن إلى التشكيل البصري.
يمثل الوزن والقافية أكثر مستويات الإيقاع ظهورا، غير أن تجربة الشعر الحديث أثبتت أن الموسيقى الشعرية لا تختزل في انتظام البحر أو ثبات القافية، بل يمكن أن تتحقق من خلال تفاوت طول الأسطر، وتوزيع الكلمات على الصفحة، والوقفات، وعلامات الحذف، والفراغات الفاصلة بين المقاطع. ومن ثم لم يعد السؤال النقدي مقصورا على مدى التزام الشاعر بالوزن، وإنما أصبح متصلا بكيفية توظيف مختلف العناصر الإيقاعية لخدمة التجربة الشعرية.
ويتجلى هذا المستوى في قول الشاعر:
«كَيْفَ نَذْهَبُ إِلَى الأَنْدَلُسِ
إِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَقْصَى الشَّوَارِدِ
أَقْصِدُ جَوَارِيَ القُصُورِ
اللَّوَاتِي وَقَفْنَ عَلَى أَعْمِدَتِهَا»[64]
يقوم هذا المقطع على أسطر متفاوتة الطول، تبدأ باستفهام طويل نسبيا، ثم تتدرج في وحدات أقصر، بما يولد إيقاعا من التردد والتوقف. ولا يبدو الاستفهام هنا طلبا لجواب مباشر، بل يمثل وقفة نفسية أمام صعوبة الوصول إلى الأندلس، لا باعتبارها مكانا جغرافيا فحسب، بل بوصفها زمنا ضائعا وذاكرة بعيدة. وهكذا يصبح التقطيع السطري ترجمة لحركة الذات المترددة بين الرغبة في الوصول واستحالة استعادة الماضي.
ويظهر الإيقاع البصري والتأملي كذلك في قوله:
«أَنَا فِي بَاطِنِي أَفْتَحُ عَيْنَيْهَا فِي قَلْبِي
لِأَنْظُرَ إِلَى كَشْفِ السِّرِّ.
أَسْمَعُ غِنَاءَ الْيَقِينِ
بِالرِّضَى أَنْظُرُ وَأَمْشِي نَحْوَهَا».[65]
تنتظم الأسطر هنا في حركة متدرجة تبدأ من الداخل: «في باطني»، ثم تنتقل إلى فعل الرؤية، فالسماع، فالمشي. وبذلك يصبح توزيع الأسطر مرآة لحركة الذات من التأمل الداخلي إلى الانفتاح على العالم. كما تمنح الوقفات بين الأفعال كل فعل استقلالا نغميا ودلاليا: أفتح، أنظر، أسمع، أمشي؛ فتتشكل موسيقى قائمة على تعاقب الأفعال أكثر من قيامها على انتظام الوزن التقليدي.
ومن أمثلة التشكيل الخارجي أيضا قوله:
«هِيَ أَوَّلُ الْحُبِّ
أَوَّلُ قَصِيدَةٍ كَتَبْتُهَا
تَتَبَادَلَانِ قَدَحَيْنِ، لَا رُقَادَ… لِسُهَادٍ
تَخْرِمُ الْغَيْمَةَ وَالْهَزِيمَةَ»[66]
إن قصر السطرين الأولين، وتشابه بنيتهما، ثم انتقال النص إلى أسطر أطول، يجعل الإيقاع الخارجي متحركا بين التكثيف والانبساط. ويؤدي البياض المحيط بعبارتي «هي أول الحب» و «أول قصيدة كتبتها» وظيفة إبرازية، فيتحول شكل الصفحة إلى عنصر من عناصر إنتاج الدلالة.
ثانيا: الإيقاع الداخلي… الموسيقى التي لا تقاس بالتفعيلات.
إذا كان الإيقاع الخارجي يرتبط بما يسمع أو يرى من انتظامات ظاهرة، فإن الإيقاع الداخلي يتولد من العلاقات الخفية بين الكلمات والجمل والصور. وقد جعل هنري ميشونيك هذا المستوى في صميم الشعرية، حين نظر إلى الإيقاع بوصفه تنظيما للذات داخل الخطاب ومن خلاله، لا مجرد نظام عروضي مستقل عن التجربة.[67]
ويتجلى الإيقاع الداخلي في ديوان «مجاز القرطبي» من خلال حركية الأفعال، وتجاور الكلمات ذات الأصداء المتقاربة، والتوازن بين الجمل، وتعاقب الصور.
يقول الشاعر:
«يَدِي تَكْتُبُ بِلا مِدَادٍ
مِنَ الْيَمِينِ تُعَاكِسُهَا النَّغْمَةُ
مَا يَكْتُبُ بِالْيَدِ الْيُسْرَى
يَرْكُضُ، بَطِيئًا فِي
لَوْحِ الْمَعَانِي»[68]
يتولد إيقاع هذا المقطع من تعاقب الأفعال المضارعة: يكتب، تعاكس، يمشي، يكتب، يركض، وهي أفعال توحي بالحركة، لكنها تقترن بمفارقة لافتة في عبارة «يركض بطيئاً». وتمنح هذه المفارقة الإيقاع توترا داخليا بين السرعة والبطء، وبين الكتابة والحركة، وكأن إنتاج المعنى سير متردد لا يخضع لزمن منتظم.
ويقول أيضا:
«مِنْ جَنَّةِ اللَّهِ أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ
وَاقِفًا كَالْأَلِفِ
سَاجِدًا كَالْيَاءِ
قَلْبِي تُلْهِمُهُ
أَشْجَارٌ مُبَارَكَةٌ
تَرَبَّتْ عَلَى كَفِّي
شَوْقًا وَحَنَانًا»[69]
ينشأ إيقاع المقطع من التماثل التركيبي بين «واقفين كالألف» و «أجسادا كالياء»، ومن الانتقال بين الحرف والجسد والشجرة والقلب. فالموسيقى هنا ليست مستقلة عن الصورة، بل تتولد من تناظر البنيات ومن التدرج الهادئ في الصور، بحيث تتحول الحروف إلى أشكال مرئية، وتتحول الأشكال إلى حالات شعورية.
ثالثا: التكرار بوصفه إيقاعا للذاكرة.
لا يمثل التكرار في الشعر مجرد إعادة محايدة للكلمة أو العبارة، لأن العنصر المكرر لا يعود في كل مرة بالدلالة نفسها، بل يكتسب من سياقه الجديد قيمة إضافية. ولهذا يؤدي التكرار وظيفة مزدوجة: فهو من جهة يبني نغما داخليا، ومن جهة أخرى يثبت العلامات المركزية في ذاكرة القارئ.
ومن أوضح أمثلته في الديوان قول الشاعر:
«الرِّيَاحُ فِي بِلَادِ الرِّيَاحِ
تَلْتَقِي فِي الضِّفَّتَيْنِ.
السَّالِبِ وَالْمُوجِبِ
حُرُوفُهُمَا عِلَّةُ الْعِشْقِ
لِآخِرِ نِهَايَةِ الضَّوْءِ
وَبِدَايَةِ سَحَابَةٍ مَكْشُوفَةٍ»[70]
يتكرر لفظ «الرياح» في تركيب دائري: «الرياح في بلاد الرياح»، فيغدو التكرار محاكاة لغوية لحركة الريح نفسها. فالكلمة تنطلق ثم تعود إلى ذاتها، كما لو أن الجملة تدور في فضاء مغلق. ولا يؤدي التكرار هنا وظيفة موسيقية فحسب، بل يحول الرياح إلى علامة على الحركة والعبور والاضطراب، وإلى وسيط يصل بين الضفتين والماضي والحاضر.
ويتجلى إيقاع التكرار بصورة أخرى في قوله:
«مَا يُسْعِدُ الرُّوحَ فِي السُّرَى
يَطْرُقُ بَابً الْقَلْبِ لِيَنْفَتِحَ
مَا يُسْعِدُ الرُّوحَ
بَابُ الرُّوحِ إِذَا انْطَوَى اللَّيْلُ
وَجَاءَتِ النَّجْمَةُ»[71]
إن تكرار عبارة «ما يسعد الروح» يضبط حركة المقطع ويمنحه مركزا نغميا ودلاليا. فالعودة إلى العبارة ذاتها لا تمثل حشوا، بل تؤكد أن كل الصور اللاحقة ـ القلب والليل والنجمة ـ تدور حول سؤال الفرح الروحي.
ويقول في موضع آخر:
«ضُمِّينِي إِلَيْكِ فِي سَفَرِ الْأَشْجَارِ
ضُمِّينِي فِي فَسَائِلِ الْأَشْوَاقِ
ضُمِّينِي إِلَيْكِ فِي سُورَةِ الْخَتْمِ
وَضُمِّينِي إِلَيْكِ فِي الْمَجَازِ»[72]
يتحول تكرار فعل الأمر «ضميني» إلى لازمة وجدانية تكشف إلحاح الرغبة وقوة التعلق. كما يؤدي التكرار إلى إبطاء حركة القراءة، لأن القارئ يعود مع كل لازمة إلى النقطة الشعورية نفسها، فتتشكل بنية دائرية تشبه حركة الحنين الذي لا ينتهي.
رابعا: التوازي التركيبي وإيقاع الجملة.
يعد التوازي من أبرز آليات الإيقاع الداخلي، إذ يقوم على بناء عبارتين أو أكثر وفق نسق نحوي أو دلالي متقارب. ولا يقتصر دوره على إحداث التناغم، بل يسهم في إظهار العلاقات بين الأزمنة والصور والأفكار.
ويتجلى ذلك في قول الشاعر:
«جَاءَتْ وَأَشْعَلَتْهَا
ثُمَّ عَادَتْ
وَسَتَعُودُ لِإِشْعَالِهَا
عِشْقًا وَرِيَاحًا
فِي بِحَارٍ تُعَاكِسُ الشَّوْقَ»[73]
تنتظم الأفعال في تدرج زمني واضح: جاءت – عادت – ستعود؛ أي الماضي، ثم العودة، ثم المستقبل. ويمنح هذا النسق المتوازي النص إيقاعا دائريا، لأن الفعل لا ينتهي، بل يعود ليبدأ من جديد. وهكذا يتجسد استمرار الذاكرة داخل البنية النحوية نفسها، ويغدو التوازي تعبيرا عن حركة الماضي الذي لا يكف عن الحضور.
ويظهر التوازي بصورة لافتة في مقطع «العناق»:
«الرُّوحُ لِلرُّوحِ
وَالْغُصْنُ لِلْغُصْنِ
وَالطَّيْرُ لِلطَّيْرِ
وَالنَّفْسُ لِلنَّفْسِ
وَالصَّوْتُ لِلصُّورَةِ»[74]
يقوم المقطع على تكرار بنية نحوية واحدة: اللام + الاسم + الاسم نفسه، ويولد هذا الانتظام جرسا شبيها بالترتيل، كما يعمق دلالة الاتحاد والمماثلة؛ فالروح لا يقابلها إلا الروح، والغصن لا يحتضنه إلا الغصن. وبذلك تتوحد البنية التركيبية مع موضوع القصيدة القائم على التلاقي والعناق.
كما يتجسد التوازي في قوله:
«حَتَّى لَا تَتَحَرَّكَ الْجِبَالُ، وَلا تَمِيلَ السُّفُنُ،
وَلَا تَتَمَزَّقَ الرَّوَابِي»[75]
إن تكرار أداة النفي «لا»، وتشابه بناء الجمل الفعلية، يخلقان نبرة تقريرية قوية، ويحولان التوازي إلى وسيلة لتثبيت الموقف ورفض الانهيار، وهو ما يمنح المقطع نبرة من الثبات والمقاومة والرغبة في الحفاظ على توازن العالم الشعري ومنع تفككه أو انهياره.
خامسا: إيقاع الصورة… من التعاقب إلى التحول.
لا تنتج الصورة الشعرية دلالتها فقط، وإنما تنتج إيقاعا خاصا من خلال طريقة ظهورها وتحولها وانتقالها إلى صورة أخرى. وقد يكون تعاقب الصور سريعا ومفاجئا، أو متدرجا وهادئا، وفي الحالتين تصبح حركة الخيال مصدرا للموسيقى الداخلية.
يقول الشاعر:
«السَّالِبُ وَالْمُوجِبُ
حُرُوفُهُمَا عِلَّةُ الْعِشْقِ
لِآخِرِ نِهَايَةِ الضَّوْءِ
وَبِدَايَةِ سَحَابَةٍ مَكْشُوفَةٍ
تَمَطَّى شَبَحُ الْأَشْبَاحِ
وَبُسْتَانُهَا غَسَقٌ»[76]
تتحرك الصورة من التضاد الكهربائي: السالب والموجب، إلى العشق، ثم إلى الضوء، فالسحابة، فالشبح، فالغسق. ولا تجمع هذه العناصر علاقة منطقية مباشرة، لكن تعاقبها يولد حركة تصويرية تنقل القارئ من الوضوح إلى الغموض، ومن الضوء إلى الغسق. وهكذا يتولد الإيقاع من تحول الصورة، ومن انتقالها المتدرج بين الحالات.
ويقول في موضع آخر:
«جَزِيرَةُ الْحَمَامِ، طَارَ مِنْهَا الْحَمَامُ
كَذَبَ الْمُنَجِّمُونَ
وَصَدَقَ الشُّعَرَاءُ
لَا يَحُطُّ الْحَمَامُ فِي قَفْرٍ.
لَوْ أَعْدَمُونِي عَلَى غُصْنِهَا
نَبَتَتْ فِي بَدَنِي أَغْصَانٌ
ارْتَشَفْتُهَا بُرْتُقَالًا
تَنَسَّمْتُهَا أَزْهَارًا»[77]
تبدأ الصورة بالجزيرة والحمام، ثم تنتقل إلى الموت على الغصن، قبل أن يتحول الجسد نفسه إلى أغصان وبرتقال وأزهار. إن هذا التوالد المستمر للصور يمنح النص إيقاعا تحوليا، إذ لا تستقر صورة حتى تنبثق منها أخرى. كما تسهم الأفعال: طار، يحط، أعدموني، نمت، ارتشفت، تنسمت في تسريع حركة المقطع وربط الصور بعضها ببعض.
وفي قوله:
«إِذَا انْكَسَرَ عَلَى حَجَرٍ
تَوَقَّفْتُ كَأَنِّي سَفِينَةٌ تَرْسُو
خَارِجَ الْوَصْل»[78]
ينتقل النص فجأة من انكسار معنوي إلى صورة حجر، ثم إلى سفينة متوقفة خارج الميناء العاطفي. ويولد هذا الانتقال المفاجئ إيقاعا قائما على الصدمة والتحول، فيصبح الانكسار توقفا للحركة، وتصبح الصورة ترجمة زمنية ونفسية لحالة الانقطاع. وكأن الإيقاع الداخلي يحاكي تجربة الانقطاع والغياب التي تعبر عنها الصورة الشعرية.
سادسا: الصمت والبياض بوصفهما إيقاعا.
لا يتشكل الإيقاع من الكلمات المنطوقة وحدها، بل يسهم الصمت والبياض والانقطاع في توجيه القراءة وتحديد سرعة التلقي. فالفراغ بين المقاطع يمنح القارئ زمنا لاستعادة ما قرأه، كما تجعل علامات الحذف المعنى مفتوحا على ما لم يُقل.
يقول الشاعر:
«مِسْكُهَا بِدَايَةٌ
خَتْمُهَا شَاهِد
عَلَى مَوْجِ الْهَوَى
إِذَا انْكَسَرَ عَلَى حَجَرٍ
تَوَقَّفْتُ كَأَنِّي سَفِينَةٌ تَرْسُو
خَارِجَ الْوَصْلِ» [79]
تؤدي علامة الحذف الطويلة بعد «خارج الوصل» وظيفة إيقاعية ودلالية؛ فهي تمدد لحظة التوقف التي تعبر عنها صورة السفينة، وتجعل الصمت امتدادا للانقطاع. فالنص لا يكتفي بالحديث عن التوقف، بل يمارسه بصريا من خلال البياض وعلامات الحذف.
ويقول في المقطع نفسه:
«أَجْمَلُ مَا فِيهَا إِذَا اخْتَلَطَ
سِرُّ الْقُدْسِ الْحَزِينِ
ظُهُورُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ الشَّاهِدِ
….
اسْأَلُوا قَبْلَ أَنْ تُسَامِحُوا
قَبْلَ أَنْ يَمْطُرَ الْقَمَرُ
فِي خَزَائِنِ الْخَلِيفَةِ»[80]
يفصل البياض بين تجربتين دلاليتين، ويمنح الانتقال بينهما طابعا مفاجئا. كما يؤدي تكرار «قبل» دورا في خلق إيقاع انتظار، بينما يظل الفراغ بين المقطعين مساحة مفتوحة أمام التأويل.
ومن أبرز تجليات إيقاع الصمت أيضا قوله:
«قُلْ لَهُمْ: أَنَا وَأَبِي رَسَمْنَا طَبِيعَةً صَامِتَةً
رَسَمْنَا اسْمَنَا بِالنُّونِ
وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ»[81]
تظهر عبارة «طبيعة صامتة» في سياق شعري قائم على القول والكتابة، فتخلق مفارقة بين الصمت والكلام. كما أن قصر الأسطر وعزل الكلمات يمنح كل عبارة زمنا مستقلا في القراءة، فيتحول الصمت بين الأسطر إلى جزء من نبرة النص. كما يحافظ المقطع على هذا التناص القرآني وتمنحه بعدا رمزيا يرتبط بالكتابة والهوية والذاكرة.
سابعا: الإيقاع والرؤية… حركة الذاكرة داخل الزمن.
لا ينفصل الإيقاع في «مجاز القرطبي» عن الرؤية الشعرية العامة؛ فالديوان يقوم على استحضار الأندلس، واستعادة الذاكرة، ومساءلة الغياب، والبحث عن الصلات بين الماضي والحاضر. ولذلك يأتي الإيقاع في كثير من المقاطع دائريا، قائما على العودة والتكرار، أو مترددا بين الحركة والتوقف، بما يلائم رؤية شعرية تجعل الماضي حاضرا لا ينقضي.
يقول الشاعر:
«فِي كُلِّ بَيْتٍ لَنَا شَجَرَةٌ
وَقَصِيدَةٌ
وَمَشْرَبِيَّاتٌ
وَهِيَ السَّهْوُ
وَاللِّسَانُ الْفَصِيحُ
فِي الْمَرَايَا الْجَرِيحَةِ
….
جَمِيعًا نَحْنُ أَبْنَاءُ الْأَنْدَلُسِ»[82]
يقوم المقطع على تعداد متدرج: شجرة، قصيدة، مشرب، السهو، لسان، فينشأ إيقاع تراكمي يعيد بناء الأندلس من عناصر متفرقة. وينتهي هذا التدرج بالجملة الجامعة «جميعا نحن أبناء الأندلس»، فتتحول العناصر الجزئية إلى رؤية كلية للانتماء والذاكرة.
ويقول:
«الْحُبُّ غَادَرَ الْأَنْدَلُسَ عَلَى فِرَاقٍ
خَلَّفَ طَلَلًا وَرَمْلًا
مَنْ غَادَرَهَا»[83]
إن تقارب الأفعال غادر، خلف، غادرها يخلق إيقاعا قائما على الرحيل والعودة اللفظية إلى فعل الرحيل نفسه. ويتجسد الغياب في بناء الجملة، إذ تدور الكلمات حول فعل المغادرة كما تدور الذاكرة حول ما فقدته.
ويقول أيضا:
«نَحْنُ نَائِمُونَ عَلَى حِكَايَةِ مَوْجٍ
لِنُبْدِعَهَ
سَتَبْقَى الصَّبِيَّةُ
بِجَمَالِهَا نَائِمَةً، وَلَا حَدَائِقُ الدُّنْيَا
تُشْبِهُ عٌرِّيشَتَهَا»[84]
يتحرك الإيقاع هنا ببطء، عبر أسطر قصيرة وصور حالمة، بما ينسجم مع حالة النوم على الحكاية. فالرؤية الأندلسية لا تقدم في شكل سرد تاريخي مباشر، بل تتشكل عبر موج ولؤلؤ وصبية وحدائق، ويتحول إيقاع الصور الهادئ إلى وسيلة لاستعادة الماضي في صورة حلم.
ويتضح من هذه الشواهد أن الإيقاع في الديوان ليس مجرد عنصر صوتي، بل هو زمن الرؤية الشعرية؛ فهو الطريقة التي يتحرك بها الماضي داخل الحاضر، وتعود بها الصور والكلمات والأفعال إلى مراكزها الدلالية. ولهذا يتجاور في النص إيقاع الرحيل مع إيقاع العودة، والصوت مع الصمت، والحركة مع التوقف، والذاكرة مع الغياب.
في ختام هذا الجزء، يتبين أن الإيقاع في «مجاز القرطبي» لا يمكن اختزاله في الوزن والقافية، بل يتشكل من شبكة متداخلة من العناصر الخارجية والداخلية. فهو يظهر في توزيع الأسطر والبياضات والوقفات، كما يظهر في التكرار والتوازي وحركية الأفعال وتعاقب الصور. وتكتسب هذه العناصر قيمتها من اتصالها برؤية الديوان القائمة على استحضار الأندلس والبحث في الذاكرة والهوية والغياب.
فالتكرار يحول الحنين إلى حركة دائرية، والتوازي يجعل الزمن يتردد بين الماضي والمستقبل، والصور المتوالدة تمنح الخيال موجته الداخلية، بينما يفسح البياض والصمت مجالا لما تعجز اللغة عن التصريح به. وبذلك يصبح الإيقاع حاملا للمعنى ومنظما للرؤية، ويغدو الصوت والبياض والصورة والجملة وجوها مختلفة لموسيقى واحدة تقيم عالم الديوان بين اللغة والذاكرة والزمن.
[1]يمكن إسناد هذا المقطع إلى أكثر من مرجع أساسي في النقد الأدبي الحديث، لأن كل فكرة فيه تعود إلى اتجاه نقدي محدد، وليس إلى كتاب واحد فقط. وفيما يلي أهم المراجع التي تؤكد هذه الأفكار مع تاريخ صدورها:
- Roland Barthes, (1967). La mort de l’auteur. In Le Bruissement de la langue. Paris : Éditions du Seuil.
- Jauss, H. R. (1982). Toward an Aesthetic of Reception (T. Bahti, Trans.). Minneapolis : University of Minnesota Press.
- Ricoeur, P. (1984). Time and Narrative, Volume 1 (K. McLaughlin & D. Pellauer, Trans.). Chicago : The University of Chicago Press.
- Jakobson, R. (1960). Closing statement : Linguistics and poetics. In T. A. Sebeok (Ed.), Style in Language Cambridge, MA : MIT Press.
- Todorov, T. (2007). La littérature en péril. Paris : Flammarion.
[2] Roland Barthes, S/Z, Éditions du Seuil, Paris, 1970
[3] عبد الحق بن رحمون، مجاز القرطبي، دار النشر: مكتبة السلام الجديدة، الدار البيضاء، المغرب. سنة 2026.
[4] Gérard Genette, Seuils, Paris, Éditions du Seuil, coll. Poétique, 1987, pp. 7–8
[5] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز في علم المعاني، تحقيق: محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1992.
[6] حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1986.
[7] Martin Heidegger, Letter on Humanism, translated by Frank A. Capuzzi, in Pathmarks, ed. William McNeill (Cambridge : Cambridge University Press, 1998), p. 239.
[8] Eco, U. (1989). The Open Work (A. Cancogni, Trans.). Cambridge, MA : Harvard University Press. (Original work published 1962).
[9] يعد كتاب Seuils (العتبات) أحد أهم الأعمال المؤسسة في السيميائيات والنقد الأدبي الحديث، وهو الكتاب الذي بلور فيه جيرار جنيت مفهوم الباراتيكس (Paratexte) أو النص الموازي، والذي أصبح لاحقا من أكثر المفاهيم تداولا في الدراسات الأدبية المعاصرة.
- Gérard Genette, Seuils, Paris : Éditions du Seuil, Collection Poétique, 1987.
[10] Umberto Eco, The Role of the Reader : Explorations in the Semiotics of Texts, Indiana University Press, 1979, pp. 7-11.
[11]عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، تحقيق: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، 1991.
[12] Paul Ricoeur, La Métaphore vive, Paris : Éditions du Seuil, 1975.
[13] يرى بارت أن الأسطورة ليست حكاية خيالية، بل هي نظام دلالي ثان يبني فوق النظام اللغوي الأول. أي أن العلامة التي تمتلك معنى في المستوى الأول تتحول في المستوى الثاني إلى دال جديد يحمل دلالة ثقافية أو إيديولوجية أوسع.
– Barthes, Roland. Mythologies. Paris : Éditions du Seuil, 1957
[14] – Algirdas Julien Greimas et Joseph Courtés, Sémiotique : Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, Paris : Hachette, 1979.
– Greimas, A. J. (1976). Sémiotique et sciences sociales. Paris : Éditions du Seuil.
– Umberto Eco, A Theory of Semiotics, Bloomington : Indiana University Press, 1976.
[15] يعد مفهوم أفق الانتظار (Horizon of Expectations) من المفاهيم المركزية في نظرية التلقي التي أسسها الناقد الألماني هانس روبرت ياوس (Hans Robert Jauss) في أواخر ستينيات القرن العشرين، ويشير إلى مجموع المعارف والقيم والتجارب والمرجعيات الجمالية والثقافية التي يحملها القارئ معه قبل دخوله إلى النص الأدبي، والتي تؤثر في طريقة فهمه وتأويله واستقباله للعمل الأدبي. يعرف ياوس أفق الانتظار بأنه: مجموعة التوقعات والمعايير الجمالية والثقافية التي يكونها القارئ انطلاقا من معرفته السابقة بالأجناس الأدبية، والأعمال السابقة، والسياق التاريخي والثقافي الذي ينتمي إليه. وبعبارة أخرى، فإن القارئ لا يدخل إلى النص بوصفه صفحة بيضاء، وإنما يدخل إليه محملا بخبراته القرائية والثقافية، وهو ما يجعل كل قراءة مشروطة بأفق انتظار معين. ظهر المفهوم لأول مرة بصورة واضحة في المحاضرة التأسيسية التي ألقاها ياوس سنة 1967 بعنوان:
- Hans Robert Jauss, Literary History as a Challenge to Literary Theory, 1967.
ثم تطور لاحقا في كتابه:
- Jauss, Hans Robert. Toward an Aesthetic of Reception. Translated by Timothy Bahti. Minneapolis : University of Minnesota Press, 1982.
[16] Jacques Derrida, La différence, in Margins of Philosophy, Paris : Éditions de Minuit, 1972.
[17] بن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، دار الجيل، بيروت، ج1، ص 225 تقريبا (يختلف حسب الطبعات).
[18] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ص 50-70 تقريبا بحسب الطبعة.
[19] حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1986.
[20] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة 5.
[21] Paul Ricoeur, La mémoire, l’histoire, l’oubli, Paris : Éditions du Seuil, 2000
[22] يمكن تحديد تجليات هذه الثيمة في مستويات متعددة: الذاكرة الأندلسية: استعادة الفردوس المفقود، حيث يكاد الديوان كله يقوم على استدعاء الأندلس بوصفها زمنا مفقودا وحلما تاريخيا لا ينقضي. فقرطبة ليست مجرد مدينة، بل تتحول إلى رمز لذاكرة جماعية عربية ومتوسطية تستعاد شعريا من أجل مواجهة الخراب الراهن. يقول الشاعر:”نحن جميعا أبناء الأندلس”، ويقول أيضا: “الأندلس غادرها الحب على عجل فخلف طللا ورملا وافتراقا” وهنا تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة للنسيان التاريخي وإلى محاولة لإحياء ما اندثر من القيم والجمال والتسامح. وهناك أيضا ذاكرة المكان، حيث تتكرر أسماء الأمكنة والرموز القرطبية والأندلسية مثل: قرطبة؛ القصور؛ الأقواس؛ الجسور؛ الحدائق؛ الحمام؛ النواعير؛ الخليفة؛ طارق؛ ابن زيدون؛ ابن عربي. إن المكان في الديوان ليس إطارا للأحداث، بل خزانا للذاكرة، ولذلك يبدو الشاعر كأنه ينقب في طبقات المدينة القديمة بحثا عن الزمن المفقود. هناك أيضا ذاكرة الخراب والغياب، حيث لا تستعيد القصائد الأندلس المزدهرة فقط، بل تستعيد أيضا لحظة السقوط والانكسار: “الملوك قتلوا الملوك” “ودم الخليفة مديح للطلل”. فالذاكرة هنا ليست احتفاء بالماضي بقدر ما هي وعي بمأساة التاريخ وتكرار الخيانات والانقسامات التي أدت إلى الخراب. ثم هناك الذاكرة بوصفها بحثا عن الهوية يحضر ابن زيدون وابن عربي وطارق بن زياد وغيرهم باعتبارهم شخوصا تاريخية فقط، بل باعتبارهم علامات على سؤال الهوية والانتماء: كيف تذهب إلى الأندلس؟ فالسؤال في جوهره ليس سؤال السفر إلى مكان، وإنما سؤال العودة إلى الذات وإلى الجذور الثقافية والحضارية. ثم هناك الذاكرة الصوفية حيث تتخذ الذاكرة في الديوان بعدا روحيا وصوفيا، إذ تتحول إلى نوع من الحنين الوجودي إلى الأصل الأول، ولذلك تتجاور رموز الحب والعشق والنور والروح مع رموز الأندلس والتاريخ، فيبدو الماضي وكأنه مقام روحي أكثر منه زمنا تاريخيا.
[23] يمكن توثيق حضور ثيمة المكان على النحو الآتي: قرطبة حيث تمثل المركز المكاني والرمزي للديوان، وقد ورد ذكرها صراحة في التقديم النقدي لنجيب العوفي وفي بيانات كتابة الديوان، حيث وردة الإشارة إلى أن الديوان كتب في قرطبة بين سنتي 2023 و2024. ثم وصف الديوان بأنه مسكون بقرطبة الفيحاء. وكذا الإشارة إلى قرطبة بوصفها واسطة عقد الأندلس. وهذا كله يوجد في الصفحات التقديمية للديوان قبل المتن الشعري نفسه. كما تحضر الأندلس باعتبارها فضاء حضاريا ورمزيا في عدة مواضع كالحديث عن غصن الأندلس الرطيب، والإشارة إلى الأندلس وواسطة عقدها قرطبة الفيحاء، وكذا الإشارة إلى سقوط الأندلس. كما يظهر حضور غرناطة بصورة صريحة في المقطع التالي: … وعودُ ملكِ ملوك غرناطة …، الصفحة 129 من الديوان. كما تعد الشجرة من أكثر الرموز المكانية حضورا في الصفحات المتاحة، ومن ذلك: الشجرةُ عمودُ الطبل وقانونه، كما يظهر: الشجرة في الرقص… وهذه النصوص أيضا واردة في الصفحة 129 من الديوان. ويحضر المكان الطبيعي من خلال الغابة في المقطع: الذئبُ والغابة… وكذلك الغابة… وهذا المقطع يوجد كذلك في الصفحة 129. ثم وردت القصور بصورة مباشرة في: قصص الحب في القصور… وهو أيضا من نصوص الصفحة 93 من الديوان. كما يستحضر المكان من خلال ذكر البحر، والنهر، والحصون الأقواس بعض المدن الأخرى،
[24] Gaston Bachelard, La Poétique de l’espace, Paris : Presses Universitaires de France (PUF), 1957.
[25] يمكن القول إن الزمن في مجاز القرطبي يتخذ خمس صور أساسية: الزمن التاريخي (الأندلس، الملوك، الخلفاء). الزمن الحضاري (الصعود والانهيار). ثم الزمن الوجودي (العبور والبحث عن الذات). ثم الزمن النفسي (الحنين والذاكرة والأم). وأخيرا الزمن الكوني (الشمس، الليل، السماء، الأفق). ولذلك لا يكتب عبد الحق بن رحمون الزمن بوصفه تعاقبا للأحداث، بل بوصفه تجربة للوجود نفسه، وهو ما يجعل الديوان قريبا من تصور بول ريكور الذي يرى أن الزمن لا يفهم إلا من خلال السرد والذاكرة والتأويل، وأن الإنسان لا يعيش الزمن مباشرة، بل يعيش القصص التي يرويها عنه.
[26] يعد مفهوم الكرونوتوب (Chronotope) من أهم المفاهيم التي قدمها الفيلسوف والناقد الروسي ميخائيل باختين إلى النظرية الأدبية الحديثة، وهو مفهوم يجمع بين الزمان (Chronos) والمكان (Topos) في وحدة دلالية واحدة، بحيث لا يمكن فهم أحدهما بمعزل عن الآخر. ويعرف باختين الكرونوتوب بأنه: الترابط الجوهري بين العلاقات الزمانية والمكانية كما تتجسد فنيا في الأدب. وقد ورد هذا المفهوم أساسا في دراسة له Forms of Time and of the Chronotope in the Novel written between 1937–1938، وقد نشرت ضمن كتابه:
- Mikhail Bakhtin, The Dialogic Imagination : Four Essays, edited by Michael Holquist, translated by Caryl Emerson and Michael Holquist, Austin : University of Texas Press, 1981.
[27] يمكن القول إن الهوية في مجاز القرطبي تتجلى في أربعة مستويات متشابكة: هوية أندلسية رمزية، ثم هوية حضارية ثقافية، ثم هوية جماعية وذاكراتية، وأخيرا هوية مفتوحة على التأويل وإعادة البناء. ولهذا فإن الديوان لا يرثي الأندلس بقدر ما يجعل منها استعارة كبرى للهوية العربية المعاصرة؛ هوية تبحث عن ذاتها بين الذاكرة والمكان والزمن، وتحاول أن تجد في الشعر ما عجز التاريخ عن منحه لها.
[28] إن الآخر في مجاز القرطبي ليس عدوا ولا نقيضا للذات، بل هو شرط وجودها وإحدى صور اكتمالها. فالذات الشعرية في الديوان لا تبني هويتها ضد الآخر، وإنما من خلال الحوار معه حضاريا مع الأندلس، وروحيا مع ابن عربي، وإنسانيا مع المرأة، ووجوديا مع الطبيعة، وتاريخيا مع الذاكرة الجماعية. ولهذا يبدو الديوان أقرب إلى شعر الحوار الحضاري منه إلى شعر الهوية المغلقة، وهو ما ينسجم مع الصورة التي تقدمها الأندلس نفسها بوصفها فضاء للتعدد والتفاعل والتعايش.
[29] Tzvetan Todorov, La conquête de l’Amérique : La question de l’autre, Paris : Éditions du Seuil, 1982.
[30] الخراب في مجاز القرطبي ليس موضوعا تاريخيا فحسب، بل هو مجاز للوجود العربي المعاصر. فالأندلس ليست المدينة التي سقطت سنة 1492، بل هي كل حضارة مهددة بالنسيان، وكل هوية تبحث عن نفسها بين الذاكرة والغياب. ولهذا لا يكتب عبد الحق بن رحمون مرثية للأندلس، بل يكتب في العمق شعرية للخراب؛ أي محاولة لتحويل الفقد إلى معنى، والأنقاض إلى لغة، والغياب إلى كتابة. وفي هذا المعنى يصبح الشعر نفسه فعلا من أفعال مقاومة الخراب، أو كما يقول محمود درويش في سياق مختلف: نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا.
[31] Benjamin, Walter. Theses on the Philosophy of History. In Illuminations, edited by Hannah Arendt, translated by Harry Zohn, New York : Schocken Books, 1968, pp. 253–264.
[32] Roland Barthes, Le Degré zéro de l’écriture, Paris : Éditions du Seuil, 1953
[33] Roman Jakobson, Closing Statement : Linguistics and Poetics, in Thomas A. Sebeok (ed.), Style in Language, Cambridge, Massachusetts : MIT Press, 1960, pp. 350-377.
[34] Jean Cohen, Structure du langage poétique, Paris : Flammarion, 1966.
[35] الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز في علم المعاني، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 5، 2004، ص 81.
[36] فضل، صلاح. أساليب الشعرية المعاصرة. بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1995.
[37] محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت، الطبعة الثانية، 1986.
[38] Michael Riffaterre, Semiotics of Poetry, Bloomington and London : Indiana University Press, 1978
[39] Roman Jakobson, “Closing Statement : Linguistics and Poetics”, in : Thomas A. Sebeok (ed.), Style in Language, Cambridge, Massachusetts : MIT Press, 1960, pp. 350-377
[40] جان كوهن، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1986
[41] Paul Valéry, Tel Quel, Paris, Gallimard, 1941
[42] Ezra Pound, ABC of Reading, New York : New Directions, 1960, p. 28
[43] Maurice Blanchot, L’Espace littéraire, Paris, Gallimard, 1955
[44] Iser, Wolfgang, The Act of Reading : A Theory of Aesthetic Response, Baltimore and London, The Johns Hopkins University Press, 1978 ; P 167.
[45] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1992، ص 81.
[46] Gaston Bachelard, La Poétique de l’espace, Paris, Presses Universitaires de France (PUF), 1957.
[47] بول ريكور، الاستعارة الحية، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2006.
[48] Ricœur, Paul, La Métaphore vive, Paris, Seuil, 1975, pp. 289–290
[49] الصورة البنيوية هي مفهوم نقدي ينظر إلى الصورة الشعرية أو الأدبية لا باعتبارها عنصرا منفصلا أو زينة بلاغية مستقلة، وإنما باعتبارها جزءا من البنية الكلية للنص، تؤدي وظيفة دلالية وجمالية داخل شبكة العلاقات التي تربط عناصر النص بعضها ببعض. ففي التصور البلاغي التقليدي كانت الصورة تدرس غالبا بوصفها تشبيها أو استعارة أو كناية منفردة، أما النقد البنيوي فقد انتقل من دراسة الصورة المفردة إلى دراسة النظام الذي تنتظم داخله الصور. وبعبارة أخرى: الصورة البنيوية هي الصورة التي تستمد معناها من موقعها داخل البنية العامة للنص، لا من دلالتها المعجمية أو البلاغية المنفصلة.
[50] Northrop Frye, Anatomy of Criticism : Four Essays, Princeton : Princeton University Press, 1957. Pp 118-125.
[51] Gaston Bachelard, La Poétique de l’espace, Paris, Presses Universitaires de France (PUF), 1957. P 4.
[52] Paul Ricœur, Temps et récit, Tome I, Paris, Seuil, 1983, pp. 85-87
[53] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1992، ص 81.
[54] محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ بيروت، 1985.
[55] Tzvetan Todorov, La littérature en péril, Paris, Flammarion, 2007
[56] Wolfgang Iser, The Act of Reading : A Theory of Aesthetic Response, Baltimore and London, The Johns Hopkins University Press, 1978. p. 167
[57] Martin Heidegger, Poetry, Language, Thought, translated by Albert Hofstadter, Harper & Row, New York, 1971.p 211-229.
[58] Henri Meschonnic, Critique du rythme. Anthropologie historique du langage, Lagrasse, Éditions Verdier, 1982.
[59] Roman Jakobson, “Closing Statement : Linguistics and Poetics”, in Thomas A. Sebeok (ed.), Style in Language, Cambridge, MIT Press, 1960, pp. 350-377.
[60] جان كوهن، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال، الدار البيضاء، 1986.
[61] Roman Jakobson, “Closing Statement : Linguistics and Poetics”, in Thomas A. Sebeok (ed.), Style in Language, Cambridge (Massachusetts), MIT Press, 1960, pp. 350-377.
[62] حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط3، 1986، ص 89-98.
[63] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 1992، ص 81.
[64] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 22.
[65] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 13.
[66] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 14.
[67] Henri Meschonnic, Critique du rythme. Anthropologie historique du langage, Lagrasse, Éditions Verdier, 1982.p 70.
[68] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 24.
[69] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 10.
[70] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 18.
[71] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 110.
[72] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 5.
[73] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 23.
[74] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 8.
[75] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 123.
[76] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 18.
[77] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 16.
[78] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 15.
[79] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 15.
[80] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 15.
[81] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 123.
[82] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 33.
[83] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 33.
[84] بن رحمون، عبد الحق. مجاز القرطبي. الدار البيضاء: منشورات مكتبة السلام الجديدة، 2026. الصفحة: 34.
ناقدمن المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
