صدور كتاب بعنوان “الصور المقاومة: تمثلات الأجداد بين الحقيقة والخيال الاستشراقي”، عن جامعة ابن زهر بأكادير (كلية الآداب والعلوم الإنسانية)box]

صدر عن جامعة ابن زهر بأكادير (كلية الآداب والعلوم الإنسانية) ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، بالتعاون مع نادي أكادير للتصوير الفوتوغرافي، كتابٌ ومشروعٌ بصريةٌ ونقديةٌ حواملها البحث والجمال بعنوان “الصور المقاومة: تمثلات الأجداد بين الحقيقة والخيال الاستشراقي”، مسبوقة بقراءة سوسيولوجية ونقدية قدمها الباحث الدكتور محمد العماري. يقدم هذا العمل تجربة جمالية وفكرية فريدة تجسد التداخل التعبيري من خلال أعمال الفنان المغربي الحسين بوميلا، حيث تتداخل الحدود بين ما هو توثيقي واقعي وما هو خيالي محمل بالدلالات والرموز، لتتشكل رؤى فنية تعيد قراءة التاريخ والذاكرة الجماعية بنظرة نقديّة عميقة.
يرتكز هذا المشروع على تفكيك الرؤية الاستشراقية الغربية التي هيمنت لقرون على كيفية تمثيل الشرق وإنسانه؛ حيث عمل الرسامون والمستشرقون على صياغة صور نمطية تختزل الفضاء والشرقيين في مشاهد الغرائبية والكسل والعزلة وتجريدهم من فاعليتهم الحضارية والاجتماعية. وفي مواجهة هذا الإرث البصري الموجه، تبنى الفنان بوميلا بالتعاون مع الرؤية النقدية للباحث العماري صياغة “نظر مضاد” يسعى إلى تفكيك تلك التمثلات واستعادة السيادة على الذاكرة البصرية الوطنية والإقليمية، دون الاكتفاء بنفي الصورة الاستشراقية فحسب، بل بإعادة امتلاك العدسة والذاكرة لرسم التراث برؤية محلية ذاتية.
تعتمد التقنية الفنية لأعمال الفنان الفوتوغرافي التشكيلي الحسين بوميلا على مزج فريد بين التصوير الفوتوغرافي والترميم والتشكيل الرقمي اليدوي، بالإضافة إلى لمسات الخط العربي، حيث يحرص على بناء ديكورات تراثية دقيقة وتجسيد شخصيات واقعية تعكس الحياة اليومية للأجداد بأسلوب يتجاوز التوثيق المباشر إلى ضخ قيمة تشكيلية وحس أركيولوجي في كل تفصيل، اعتناءً بأصالة اللباس والملامح والتفاصيل التراثية.
تبرز قوة هذه التجربة في إعادة الاعتبار للفضاءات الحميمية والمنزلية؛ فبعدما كانت تلك الفضاءات تُعرض في الأدبيات الاستشراقية كأماكن للخمول والخدر والرتابة، تعاد صياغتها هنا كفضائات مفعمة بالعمل والتربية والأمومة والروابط الأسرية الدافئة. أما على مستوى المشاهد الجماعية والعامة، كالأسواق والمواسم والطقوس الشعبية، فيتم التركيز على مظاهر التضامن والتنظيم الاجتماعي والتلاحم الإنساني الذي ميز مجتمعات المنطقة عبر التاريخ، للرد على الأدبيات التي وصفت المجتمعات المحلية بالفوضى والردة الحضارية.
إن المقاربة النقدية التي يقدمها هذا العمل تعكس أبعاداً فلسفية وسوسيولوجية تتجاوز البعد الجمالي المحض، لتصل إلى معركة استعادة الكرامة الرمزية وإحياء الذاكرة الجماعية بعيداً عن الحنين الرومانسي السطحي، مؤكدة أن الهوية البصرية ليست مجرد ماضٍ يُستحضر، بل هي أداة مقاومة وفعل تحرر مستمر يُعيد كتابة التاريخ بأيدي أبنائه.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي