الرئيسية / الأعداد / العدد الخامس والسبعون والسادس والسبعون / أعمدة ثابتة 75-76 / الفقيه الذي دارت حوله قصة الشبه.. – عبدالله الطني

الفقيه الذي دارت حوله قصة الشبه.. – عبدالله الطني

مفاهيم وأسماء

الفقيه الذي دارت حوله قصة الشبه..

عبد الله الطني *

 

المفهوم والاسم اللذان اقتحماني هذه المرة، ليسا كباقي المفاهيم والاسماء. فالمفهوم شبه والاسم حامله، وبينهما ما لا ينتهي من الصفات.

وهذا المفهوم تتداخل فيه العديد من المفارقات: الحقيقة والخيال، الممكن والمستحيل، الاشتراك والاختلاف، بل الحياة والموت كذلك…! ومفهوم “الشبه” مفهوم نسقي، كما أرى، يجمع بين الأنطولوجي والإبستمولوجي والأكسيولوجي. بمعنى أن الشبه خاصية شاملة تتجلى في عالم الوجود والموجودات، وفي عالم المعرفة ومواصفات الكينونة، ومواصفات القول، وكذا في عالم القيم وتجلياتها السلوكية.

والعلاقة بين الشبه والمشبه به لا تحكم فيها الجوانب الموضوعية فحسب، وإنما قد تحكم فيها الدوافع السيكولوجية واسقاطات الذات وتراكمات الذاكرة. وهو ما وقعتُ ضحيته ذات مساء وأنا بمرصدي المعتاد في المقهى الثقافي (فيلا ميك) بمكناس، عندما رفعت عيني فإذا بها تلتقط إنسانا مارا في الجهة المقابلة للمقهى. وفي الحين توثبتْ واختلطتْ بداخلي كلُّ مشاعري، وثارت بأعماقي دهشة تشبه دهشة الفلاسفة، أو زلزلة الأرض. وكان سبب الدهشة هو أن ذاك الذي كان مارا أمامي قد مات منذ زمان، بل كنت أنا الذي دليته في قبره وأَهَلتُ عليه كل ذلك التراب الساتر الحافظ الأمين.. والأمر يتعلق بقريب عزيز على قلبي: إنه الفقيه الجليل العارف بالله سيدي بنداود بن سلام بن سليمان العلوي، رحمه الله. الإنسان الذي أهداني فلذة كبده التي كان يسميها “زين الملوك”، الدكتورة الشاعرة مليكة بنمنصور..

أقسم أنه كان هو هو، من جميع الجوانب.. نفس الطول والعرض واللون، والجلباب ولفة العمامة والعكاز.. ونفس المشية والالتفاتة.

خرجت من المقهى وتبعته، ثم سبقته عدة مرات، وعدت في اتجاهه كي أتأكد منه.. إلى أن أثرت انتباهه، فحياني وابتسم وبادرني بالسؤال: (واش سي عبد الله هذا)، فقلت له متعجبا: أهو حقا أنت يا مولاي؟ فقال لي سلم لي على الجميع.. وفي تلك اللحظة بالذات استوقفني من الخلف الصديق الأستاذ محمد سعودي المفتش الممتاز بوزارة التربية الوطنية (والذي سيموت شهورا قليلة بعد هذا اللقاء)، حياني وتبادلنا السؤال عن الحال والمآل.. التفت نحو الشيخ الشبيه، فاذا به قد اختفى عن ناظري، وكأنما الأرض ابتلعته للتو.. فاختلطت علي الاحتمالات، وعشت لحظات تداخلت فيها الحقيقة بالخيال، واليقظة بالحلم.. فعدت إلى طاولتي بالمقهى أحلل ما يقبل ولا يقبل التحليل. وكان الملاذ الوحيد من هذه الوضع الملغز هو الكتابة.. وعن ذلك كانت القصيدة التالية:

(بالامس القريب رأيته

بين أرضه وسماه

الفارس المنصور بالله)

          (1)

صدقوني أو لا تصدقوني

أنا رأيتهُ بأم عيوني

وقد كنت شاردا كعادتي

أكتبُ ما أكتبُ

أحلمُ أمحو

أسقطُ أنهضُ

أنفضُ الغبار عن معطفي وأواصل

أَتحسسُ أوطاني

أجمعُ أعشابا نديةً

وفواكهً بريةً

كي أَرُمَّ بها عظم غزالتي العليلة

وأملأُ جرةً من نهر الخلودِ

كي أطيل بها عمر زين الملوكِ وتاجَ العيونِ

وفجأةً رأيتهُ

يَمُرُّ أمامي بين الحقيقة والخيال

من يشبههُ شَبَهَ الماء بالماء

لستُ مجنونا لكنني

تارة يعتريني

فيضٌ غريبٌ

 من تناسخي وشجوني

            (2)

أُقسمُ بالأشباه أني رأيتهُ

الفارسُ الناصريُّ المنصوريُّ القاسميُّ ابنُ سليمانَ الذي أُحبهُ

ذاك الذي كان يشرب من عين كَرْمَةَ مِلْءَ كفيه

وكانت العينُ عندما تراه

تفرش كلَّ عشبها ومائها لعينه

وتُقَبِّلُ أقدامَهُ

وتجعلُ الطيور تراقصهُ

لأنه فارس آل منصور والهالات حواليه

رأيتهُ بهيا كعادتهِ

وأريجُ زين الملوك يطفح من ناظريه

          (3)

أجل

متلألأ سَنِياً رأيتهُ

وكان تماما كما كنت أعرفهُ

ذاك الذي كان يحمل زهرتي

يهش عليها بمجدله الحريريِّ

يلاعبها فوق أكتافهِ

ويستديرُ مفتخراً

نحو الأَمْزُونيةِ التي كان يعشقها

من مكناسة الزيتون حتى ايمنتانوت ولا ينتهي

ذاك الذي

عندما استوت ضفائرها

قادها كما اشتهى

إلى دكة القرآن إلى مبتغاها

وبين حاجبيها جميلة الوافدين

مكتوب موشوم:

(باسم الله الرحمان الرحيمِ إنا فتحنا لك فتحا مبينا)

وفقط بعد شهرين كاملين

كانت بين أقرانها شعلةُ العارفين

ذاك الذي عندما تلألأَتْ أسْرى بها إلى ظهر مهرازَ

إلى ملتقى الطيور المهاجرات

إلى هضْبة بها كانت تستوي أعمارُ الطيور

ولا زالت رحاب الفهرية تذكر زينَ الملوك

وكيف أني من أهديتها الخروف الأجمل في سرب الخراف

والراعي أهداها باقة من زهور الحقول

          (4)

رأيت شبيهههُ

وكأنما رأيتهُ

بجلبابه الأبيض يعلوه صدى الأنبياء

وعمامةٌ منذورة للأسرار والإشارات

تلف رأسهُ من كل الجهات

وعكازٌ ذهبي يحمل أَتْعَابَه وسجاياه

ويخفر خطوَه وممشاه

طاشت من محاجرها عيناي لما رأيته وابتسامةٌ ضياءُ تعلو محياه

 سلم على زين الملوك وأختها قال

 وعلى آخر العناقيد من دمي

على أشرفَ ثم على سفيانَ

على إكرامَ

 على رضا وآية

سلم على فارسَ ثم على غيثة الهيفاءَ

سلم على نورانَ ومايوينَ

واِيَّادَ ورَنْيَةَ الغزلان

وعلى صوفيا الصَّفِيةِ

سلم على جاد الأعالي

غافلني ثم اختفى

كما يختفي الهلال بين الغيوم

ولم يَبْقً لي منه سوى همسٌ شجي بمسمعي:

(صُنْ زين الملوك كما تصون عينيك

ياحارس أنفاسي

لا تٌكْسِرْ ما بها مِنْ نخوتي وأناي

حتى وإنْ ضعفت

كما تضعف أزهارُ الربيع

ففيها شيءٌ من خصال الزهورِ

وشيءٌ من طبائع الطيورِ

وفيها شيء من صفاء اليابعِ

وفيها ما فيها لو تعلم ياشاعر الأعالي

شيء من هالات القمر العالي

وشيءٌ

من سجايا الشعراء الملهمين

وكثيرٌ وكثيرٌ من سجايا الجواهر التي لا تراها العين

وهي الوحيدة التي تُشْبهني

على أحسن ما يكون الشبه

في الذات وفي الصفاتِ وبين بين.

 

شاعر وناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

أما أنت يا أبي.. – غزلان صابر

أما أنت يا أبي.. /box] غزلان صابر*   فلم تكن أول رجل عرفته، بل أول …

اترك تعليقاً