الإطار الإداري المكناسي الذي زاوج بحنكة ونجاح، في مساره الوظيفي، بين واجبات مهامه وشغفه الشعري والموسيقي

محمد بشار*
أبهى استهلال للحديث عن رابح التيجاني، علم ورقتنا هذه، أبيات اقتطعناها من قصيدة معبرة له، بث فيها كل أشواقه وعشقه وحنينه لمدينته ومدينتنا الملهمة البهية مكناس، التي خصها متغزلا واصفا إياها بأميرة الحب والجمال:
مكناس ملهمة المشاعر والخيال
وبهية الحسن المعتق والدلال
غنيت منتشيا ببهجة سحرها
وترنح الموال في شفتي ومال
معشوقتي محبوبتي وحبيبتي
والممكنات جميعها لي والمحال
حبي لها أسطورة ما عاشها
عشاق أزمان الجنون والخبال
مكناس يامهوى قليبي احضني
أشواق لقيانا وحي على الوصال
مكناس جنات الوجود وتاجه
وأميرة الحب المورد والجمال

ومن قصيدة زجلية له، بطلتها نفس المدينة، نقتطف:
مكناس الطيبة والناس
والتاريخ منقـوش آية
أرض المحبة والأعراس
والجمال فتـان وغاية
مكناس والأطلس راعيها
والمجد اختـــارها دار
منها وليها وساكن فيها
وســاير بيها للفخار
مكناس يا بلادي ويا ذكرياتي
أنت أنا وترابك روحي وذاتي
أنت غنـايا وفرحي وبشرياتي
يا ولف الطبيعة والأيام
والزيـن مواتي
رابح التيجاني (رابح، فيما يلي)، الموظف والإداري المنضبط ، الشاعر والزجال ومؤلف لكلمات الأغاني لم يقتصر إبداعه على القصيدة فحسب، بل تخطاه ليلمس القصة القصيرة والدراسات الأدبية النقدية.
رابح هو أحد الأصوات الأدبية المكناسية التي أسهمت في إثراء المشهد الثقافي المغربي من خلال إنتاجاته الشعرية والنثرية، ففي أعماله هناك تماثل بين الحس الإبداعي والتأمل الفكري، وحضور لتأثيرات البيئة المغربية وتحوّلاتها الاجتماعية والثقافية.
رابح من الشعراء الذين سعوا إلى ترسيخ كتابة شعرية حديثة في المغرب، تجمع بين الأصالة والتجديد. فهو يتبنى أسلوبا سلسا يميل فيه إلى الاقتصاد في التعبير مع كثافة دلالية، والاعتماد على الرمز والإيحاء والنأي عن المباشرة . كخلاصة، أسلوبه جذاب، خال من التعقيد وكثافـة التجريد.
ورغم أن شهرته محدودة مقارنة ببعض الأسماء التي تنعت بالكبيرة، فتجربته تُشكل إضافة نوعية إلى النسيج الأدبي الوطني الذي يتميز بالثراء والتنوع الكبير.
تطرق رابح في كتاباته إلى العديد من المواضيع المرتبطة بالإنسان بصفة عامة وبالمغربي بصفة خاصة: السلام، الحرية، الحب، الهجرة السرية، الحنين، فلسطين، الوطن، التحولات المعاصرة، الأسرة …
بالنسبة لنشر كتاباته، اعتمد الكثير من الصحف والمجلات في المغرب وخارجه، نذكر منها:
المغرب:
– جرائد: العلم ، الاتحاد الوطني، المحرر، البيان، البلاغ المغربي ،الاختيار، الإتحاد الاشتراكي، السفير المكناسي…
– مجلات: آفاق، الزمان المغربي، السؤال، الثقافة الجديدة، نجمة …
تونس: الحياة الثقافية.
سوريا: الثقافة…
رأى رابح النور سنة 1950 بمدينة مكناس وبالضبط في حي الزيتون قبل أن يلتهمه الإسمنت المسلح، والذي كان حينها منطقة تعج بالجنائن والمزارع.
تلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة الفتح الحرة بنفس المدينة. أما التعليم الثانوي فتابعه بثانوية النهضة الإسلامية الشهيرة الـتـي نال بها شهادة الباكالوريا سنة 1969.
بعد الباكالوريا التحق بالمدرسة الوطنية للإدارة المغربية -الشعبة القضائية- التي تخرج منها سنة 1975. عمل منذ تخرجه سنة 1975 كإطار بالمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضـــــاء جيش التحرير بالرباط، وتقلد بها عدة مهام . أبرزها: مجال الدراسات التاريخية والتوثيق. عضوية تحرير مجلة المقاومة وجيش التحرير. رئاسة الديوان. تمثيل المندوب السامي باللجنة الوطنية للمقاومة وبعدد من اللجان المختلفة. المشاركة في مهرجانات وندوات وملتقيات باسم المندوبية … تقاعد مع مستهل سنة 2011.
نشأ علمنا في بيئة تقليدية كان لها أثر واضح في تشكيل وعيه الأدبي. منذ سنواته الأولى، أبدى ميولاً واضحة نحو القراءة والكتابة، فاطلع على الأدب العربي الكلاسيكي والحديث، وتأثر بأعلام الشعر العربي مثل محمود درويش وأدونيس، إضافة إلى انفتاحه على بعض التيارات الأدبية العالمية.
وهو طالب بالمدرسة المذكورة:
– نشر أول نص شعري له بجريدة العلم تحت عنوان “سيزيف” سنة 1971.
– التحق باتحاد كتاب المغرب سنة 1973.
هوسه الثقافي والمعرفي لم تكن إكراهات الوظيفة لتكبله أو تحد منه، فعزيمته كانت أشد. وهكذا نجده يعود لمقاعد الدراسة ويحصل سنة 1984 على الإجازة في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.
في سنة 1997 أحرز على ديبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها، تخصص أدب حديث. وقد ناقش بالمناسبة رسالته الجامعية، تحت إشراف الدكتور عباس الجراري ، في موضوع “صورة الغد في الشعر العربي الحديث بالمغرب 1944-1987″.
إضافة لهذه الرسالة، أنجز رابح عدة دراسات أدبية، نذكر منها:
– دراسة تحت عنوان ”ديوان مصطفى المعداوي دراسة وتحليل”.
– دراسة تحت عنوان “التعبير عن الألم في شعر بدر شاكر السياب”
لديه دواوين شعر جاهزة للطبع والنشر منها : بريد الروح المنفية ، وجدانيات ، وريقات من سفر التهافت ، مائلة ، الانخراط في أبجدية الذوبان ، مستملحات منسية ،نثريات 1 ، نثريات 2 ، فلسطينيات نصوص معتقة ، غنائيات ، يلا بغيتي تكتب ، حنين الروح ، مقطوعات زجلية ، هاي ، أناشيدي، إضافة إلى نص سردي تحت عنوان ” هذا الصبح”.
نال جائزة الإبداع ضمن الفائزين بجوائز ناجي نعمان الأدبية لعام 2020. للتذكير، تنظم “جوائز ناجي نعمان الأدبية” من طرف مؤسسة ناجي نعمان للثقافة، وهي مؤسسة ثقافية مستقلة مقرها في لبنان. أنشئت هذه المؤسسة سنة 2002 وتُدار من قبل الأديب اللبناني ناجي نعمان، وتهدف إلى تشجيع الإبداع الإنساني ونشر الثقافة وإتاحة فرص النشر المجاني للمبدعين بلغات مختلفة. هذه السنة، 2026، شهدت تتويج مغربيين بهذه الجائزة الدولية: الشاعر ادريس الملياني عن مجمل أعماله وإسهاماته في المشهد الثفافي، والكاتبة نعمت الحمري، المقيمة بين المغرب وإسبانيا، عن مجموعتها القصصية باللغة الإنجليزية “جناح 36″.
بموازاة مع شغفه الأدبي بدأ رابح في الاهتمام بالميدان الموسيقي منذ الصغر. وهو ما دفعه للالتحاق بالمعهد الموسيقي بمكناس الذي قضي به سنتين. في إطار الهواية، عمل بمدينته كموسيقي ضمن مجموعات غنائية وأجواق مغنيا وعازفا على آلات وترية. ولأنه مسكون بالنغم فإنه يقدم من حين لآخر على التلحين والغناء. وله محاولات في هذا الشأن من شعره أداها بصوته وهي مدرجة باليوتيوب منها ” اسمع قلبك ” ، ” مخدوع ” ” ويلوموني ” ، “الأمل”. كما لحن قصيدة من تأليف الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي عنوانها ” وحشة ” وهي مدرجة باليوتيوب.
لرابح العديد من المشاركات في ندوات وملتقيات أدبية وفنية وقراءات شعرية داخل المغرب وخارجه، وساهم في تنشيط الحياة الثقافية عبر حضوره في هيئات مختلفة مهتمة بالأدب. وأذيعت مختارات من قصائده الوجدانية ببرنامج “حدائق الشعر ” الذي كان ينجزه الشاعر الراحل محمد بنعمارة، ويبث من إذاعة وجدة على الأمواج الوطنية ، كما كانت له مشاركات بإذاعة طنجة ومساهمات في برامج إذاعية وتلفزية بمناسبة ذكريات تاريخية وطنية.
على المستوى الجمعوي انخرط علمنا بالنقابة الحرة للموسيقيين المغاربة وبرابطة الشعر الغنائي بالمغرب، كما انضم إلى عدد من الجمعيات الثقافية والتربوية، وهو مهتم بالفنون وبالإبداع عامة وبمجال الدراسات الأدبية والتاريخية.
أبدع علمنا مقطوعات شعرية عديدة يتغنى بها صفوة من المطربين المغاربة، منها:
– قصيدة “ظنون” من ألحان وغناء المطرب نعمان لحلو ، شارك بها ضمن مهرجان للأغنية بالقاهرة.
– مقطوعتان زجليتان تحت عنوان “أغصان الزيتون ” تغنيها نعيمة سميح، و” شكون أنا ” تغنيهما المطربة نعيمة سميح ونعمان الحلو. والقطعتان من ألحان نعمان الحلو.
– مقطوعة “مودة “يغنيها الفنان محمد رضا من ألحان نعمان لحلو، وقد تم إعداد فيديو كليب لهذه الأغنية ،
– فازت قصيدته ” أحيا ربيعا ” بجائزة أحسن نص شعري في مهرجان الربيع الأول للأغنية المغربية المنظم سنة 1997 من طرف النقابة الحرة للموسيقيين المغاربة بمراكش. وقد غناها المطرب ابراهيم بركات ولحنها الفنان أحمد كورتي.
– قصيدة “غد الأفراح “يؤديها أيضا المطرب ابراهيم بركات وهي من ألحان الفنان محمد التيجاني.
– قصيدة “نعيم الوئام” غنتها له المطربة نسرين العذراوي من ألحان الفنان محمد الصادق الزاهر.
– قصيدة القدس وجداننا” من ألحان محمد الصادق الزاهر. غناها الفنان أحمد الزاهر وفازت بالجائزة الثالثة ضمن مهرجان الربيع للأغنية المغربية سنة 1997.
– أغنية ” لاعين بكات ولا قلب وجع ” من ألحان محمد الصادق الزاهر وغنتها الفنانة رشيدة عبد الرحمان بمهرجان الربيع الثاني للأغنية المغربية بمراكش سنة 1998
– أغنية ” دقات قلبي ” لحنها الفنان فؤاد الشعري وغنتها ليلى فرح، وشاركت بها ضمن فعاليات مهرجان فاس الأول لإبداعات الشباب الغنائية بفاس، دورة عبد الرحيم السقاط سنة 1998، ونالت الجائزة الثالثة مناصفة. كما نالت الجائزة الذهبية لأحسن أداء بمهرجان بوقرين بتونس في غشت 1998.
– شارك بالمهرجان الدولي السابع لموسيقى واغنية الطفل التربوية سنة 2000 بالرباط بقطعة قريتي لحنها الفنان محمد الجوهري وغنتها الموهبة نجوى الريوني.
– قصيدة ” رجاء “ التي لحنها الفنان جلال جواهر سنة 1986 وغنتها المطربة فتيحة سداد.
– مقطوعة زجلية تحت عنوان “راعي النهاية ” لحنها وغناها الفنان رشيد السباني.
– أغنـيــة “حنـيـن” من ألـحان عب د اللطيــف حلمي. صـدرت فـي شريــط سيدي بـفـرنسا وغنتها تحت الفرنسية كيلين كوسيرون. Babouches noiresعنوان
– أغنية ” شكون نسال ” لحنها عبد اللطيف حلمي وغناها رفقة كيلين كوسيرون.
– قصيدة ” حدثوني “لحنها وغناها الفنان محمد التيجاني.
– أغنية وطنية “تاسع يوليوز ” غنتها المطربة آمال عبد القادر من ألحان الفنان العربي الكواكبي.
– أغنية تحت عنوان “عيد المنجزات” أدتها المغنية سوسن قمر من ألحان الملحن فؤاد الشعري.
– “التحيات سلام” و “بحور الهلاك” ألحان وأداء الفنان محمد الأشراقي.
لديه مجموعة من المشاريع مع فنانين مغاربة، بعضها تم إنجازه وبعضها قيد الإعداد.
في قصائده يتمركز رابح بعيدا عن سكة التفاهة، وعن المضامين الرخيصة. وإذا كان الكثيرون يفضلون هذا التوجه باعتباره أقرب سبيل إلى الشهرة، فعلمنا يزهد في هذا النوع من الشهرة الموبوءة. ولأنه يقدر مسؤولية المبدع، إذ يرى في الكلمة أداة تأثير وتغيير، فإنه سلك اتجاها واعيا كمنحى إبداعي قمين بمجابهة السطحية والسقوط في الابتذال الذي أصبح السمة المسيطرة في مجالات اجتماعية عديدة، ضمنها بامتياز الميدان الموسيقي. رابح يحرص على انتقاء مواضيعه وألفاظه بعناية بارزة، ويُعلي من قيمة المعنى العميق والفكرة الهادفة، بدل القفز نحو الإثارة العابرة أو التسلية الفارغة. إنه أحد الفاعلين في ملف تأليف القصيدة المغناة بالمغرب العاملين في صمت وزهد في الشهرة.
فيما يتعلق بالشق السياسي في مسار رابح، لم يثر بيننا خلال فترة إعداد الورقة. ما استقيناه لاحقا ورد في تعليق للأستاذ عبد الرحمان الغندور، يقول فيه بأن رابح صديق له منذ المرحلة التلاميذية يثانوية النهضة، حيث شاغبا آنذاك دراسيا وثقافيا ما بين الثانوية والمعهد البلدي للموسيقى ودار الشباب بشارع محمد الخامس. ورغم ضعف الاتصال بينهما بعد تخرجهما فقد استمرت صداقتهما الى يومنا هذا. ويورد في هذا الإطار معلومة، يؤكد بأن الكثيرين لا يعرفونها ، وهي أن رابح كان ملتزما نضاليا في صفوف الحركة الاتحادية بدون انخراط تنظيمي. وهذا الالتزام جعله يتحمل مهاما خطيرة بمسؤولية كاملة في ظروف صعبة كانت تتميز بالسرية. وكمسؤول تنظيمي بمكناس في بداية السبعينات يشهد الأستاذ الغندور بأن صديقه كان مناضلا صلبا ومتقيدا بإنجاز كل المأموريات التي كان يتكلف بها.
كمسك ختام لهذه الورقة نشدو مع شاعرنا بلحن السلام:
غنوا معي لحن السلام
لحن التصافي والوئام
فالحب أغلى نعمة
والحب تيجان الكلام آه سلاما يا سلام
ليت الشرور تنتهي
ليت القلوب في انسجام
والأرض كيف نشتهي
خير وسير للأمام آه سلاما يا سلام
لا تنفع الحرب ولو
كانت طريقا للمرام
حظ العدا مهما اعتدوا
سخط الإله والأنام آه سلاما يا سلام
هل من سبيل للقا
غير ميادين الخصام
يكفي الورى تفرقا
إن العداوات حرام آه سلاما يا سلام
كونوا منارا للهدى
يجلو مجاهيل الظلام
فجنة الله غدا
فيها التحيات سلام غنوا معي لحن السلام
إشارة : 20 قصيدة من إبداع علمنا منشورة بموقع “موسوعة الشعراء”
تم إنجاز هذه الورقة بتنسيق مع الأستاذ رابح التيجاني مع الاستئناس بالوثائق أدناه:
- صفحة علمنا على الفيسبوك
- فيديوهات على اليوتوب
- موقع بوابة الشعراء
- موقع اتحاد كتاب المغرب
- موقع موسوعة الشعراء
- بيان اليوم، النسخة الإلكترونية عدد 18 يونيو 2026
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي