الرئيسية / الأعداد / عبد الحكم العلامي في ديوانه: حال من الورد – ربيع عبد العزيز

عبد الحكم العلامي في ديوانه: حال من الورد – ربيع عبد العزيز

عبد الحكم العلامي في ديوانه: حال من الورد

 ربيع عبد العزيز*

 

للشاعر الناقد الدكتور عبد الحكم العَلَّامي نتاج أدبي يجمع بين الشعر والنقد؛ أما نتاجه الشعري فعدته سبعة دواوين حتى الآن؛ أولها: ديوان حال من الورد ؛ أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1991م. والثاني: ديوان لا وقت يبقى؛ إصدار بدايات القرن، القاهرة عام 2008م. الثالث: موسيقى القرب؛ إصدار بدايات القرن أيضا، القاهرة عام 2018م. رابع دواوينه : رطب الصيف؛ أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2014م. الخامس: ديوان حواف الممشى؛ أصدرته دار النسيم بالقاهرة عام 2021م، أما السادس فهو سارق الوجد ، وقد صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2022م، وأما السابع فهو قطيفة الوقت؛ أصدرته الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2023م.

وفي عناوين هذه الدواوين ما يعكس جانبا من تطور الرؤيا عند الشاعر عبد الحكم العَلَّامي؛ فعنوان ديوانه: حال من الورد، يشي  بالتفاؤل والبهجة، وفي المقابل يشي عنوان ديوانه : لا وقت يبقى، بالضيق والاغتراب النفسي والإحساس بوطأة الزمن. والفرق كبير بين ما يشي به عنوان ديوانه الثالث: موسيقى القرب من الإقبال على الحياة والتمتع بمباهجها، وبين ما يشي به عنوان ديوانه : سارق الوجد، من تدن في القيم يصل إلى حد سرقة العواطف الإنسانية.

أما دراساته النقدية؛ فمنها رسالته التي حصل بها على درجة الماجستير من جامعة عين شمس عام 1996م، وموضوعها: ملامح التصوف في الشعر الحديث. ومنها أطروحته التي حصل بها على درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس عام2001م، وموضوعها: الظواهر البلاغية في الأدب الصوفي. وفضلا عن أطروحتيه أصدر الدكتور عبد الحكم العَلَّامي عددا من الدراسات النقدية؛ منها دراسته: الولاء والولاء المجاور بين التصوف والشعر؛ صدرت عام 2003م عن الهيئة العامة لقصور الثقافة. ومنها: وجوه ومرايا ” مقالات نقدية” ؛ صدرت عام 2003م عن الهيئة العامة لقصور الثقافة. ومنها كتاب: محمد إبراهيم أبو سنة: الخطا والأثر؛ صدر عام 2008م  في سلسلة كتابات نقدية؛ التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة. كما أصدر عام 2017م كتابا عنوانه : حركة الفعل الشعري في المشهد المصري. وفي عام 2021م أصدرت له دار النابغة كتابه: بلاغة العرفان في الأدب الصوفي، كما أصدر في عام 2022م كتابه: علة الشعر: شعرية النوع ، وفي العام نفسه أصدر كتابه النقدي: د. زينب أبو سنة على موائد العرفاء.

وأما ديوان حال من الورد؛ الذي نحن بصدد الحديث عنه؛ فيتألف من ثمان وعشرين قصيدة تراوحت عناوينها بين الإفراد والتركيب؛ فالمفرد منها عدته خمسة عشر عنوانا ؛ وهي ” بدء، رجفة، حالتان، ارتقاء، النائية، رهان، شرخ، انشغال، استخارة، حال، تواصل، مصائر، تكوين، تماس، يمامة”. وفي بعض القصائد نجد عناوين فرعية ترتبط بالعنوان الرئيس؛ ففي قصيدة ارتقاء عنوانان فرعيان: ارتقاء أول، ثم ارتقاء ثان.

ويسيطر التنكير على بنى المفرد من العناوين، لا أستثني من ذلك إلا عنوانا واحدا جاء معرفا؛ وهو ” النائية” . وللتنكير قدرة على إطلاق دلالة العنوان ودفعه إلى مشاغبة عقل المتلقي منذ عتبة الدخول إلى عالم النص. وفيما عدا عنوانين جاء أحدهما بصيغة المثنى؛ وهو “حالتان”، وجاء الآخر بصيغة جمع التكسير؛ وهو “مصائر” نجد صيغة الاسم المفرد تسيطر على عنوان ثلاث عشرة قصيدة.

أما العناوين المركبة فعدتها ثلاثة عشر عنوانا؛ وهي” حال من الورد، حالة وجد، كائن الغواية، عثرات اللوحة، السماح عبد الله، البرزخ والألوان، الزمن الهاجر، ينقص شيء، سيدة الدار، أمل دنقل، ثناء ع المنعم، مشهور فواز، أول النخيل”. وباستثناء العنوان المركب تركيبا فعليا: ” ينقص شيء” تسيطر الاسمية على اثني عشر عنوانا مركبا، فإذا أضفنا إلى هذا العدد، خمسة عشر عنوانا مفردا تصبح عدة الاسمي من العناوين سبعة وعشرين عنوانا من ثمانية وعشرين عنوانا هي مجموع قصائد الديوان.

وقد تنوعت العناوين المركبة فجمعت بين التركيب الإضافي؛ كما في ” سيدة الدار/ أول النخيل”، والتركيب العطفي في ” البرزخ والألوان”، والتركيب الوصفي في ” الزمن الهاجر”. وكما يعطي الشاعر عناوين فرعية في بعض قصائده ذوات العناوين المفردة، يعطي أيضا عناوين فرعية في بعض قصائده ذوات العناوين المركبة؛ ففي قصيدته: عثرات اللوحة يجد المتلقي أربعة عناوين فرعية؛ وهي: بادئة، لوحة، رؤيا لوحة، تداعيات اللوحة.

ومع أن الاسمية تقترن عادة بالثبات والكمون، إلا أن المعنى يتحرك برشاقة في قصائد الديوان، وخاصة أن الشاعر يتخير أفعالا يولي مواقعها أكبر قدر من عنايته؛ بحيث استطاعت أفعاله أن تتحرك بالمعنى، وأن تؤدي من مواقعها ما أُنِيطَ بها من وظائف دلالية وجمالية واتصالية. وحسب المتلقي أن ينظر إلى عنوان اسمي مثل “حالتان” وسوف يجد النص المعنون بهذا الاسم يموج بالحركة التي يبعثها في جسده تسعة وعشرون فعلا مضارعا؛ وهي: ” نفرجُ/ تُبحرُ/ تُبحرُ/ تصبح/ أُمسكُ/ أستدنيه/ يأتي/ يمثل/ يصير/ يسافر/ نطلق/أستدنيك/ تكونين/ أستدنيك/ تحتضناني/ يرجعني/ يعبث/ يحلم/ يرتاح/ يحل/يكبر/ يكبر/ يكبر/ يورق/ يصير/ تنحسر/ تضمرُ/ تضمرُ/ تضمر”.

وإذ يستنطق المتلقي عنوانا مثل ” تواصل”، ويحاول فك شفرته العلاماتية ومعرفة علاقته بالنص المعنون به، يجد نفسه أمام عنوان يحيل إلى إيجابية المتكلم في النص وعزوفه عن العزلة ، وتطلعه إلى التواصل المثمر الخلاق. ويتجاوز المتلقي عتبة العنوان إلى متن النص محملا بهذه الإحالات، ليجد النص العنوان تكثيفا للنص المعنون، والنص المعنون امتدادا وشرحا للنص العنوان:([1])

“رعدا أجيء محلقًا فوق المنازل

والسفوحِ الظامئة

مُتًلفِّعًا بتواصلِ الخطواتِ

فيما بيننا

ومتوجًا بالغيث أمنحكِ الخصوبةَ”

وسيجد المتلقي شاعرا يقبض على لغته؛ إذ يتخير أفعالا تتحرك بالمعنى، وتشير إلى نفسية المتكلم في النص وما يمور بوجدانه من ظمأ عاطفي ولهفة على الارتواء والإخصاب؛ ذلك أن عبد الحكم العَلَّامي وظف في متن قصيدته عشرين فعلا مضارعا تعكس إيجابية المتكلم فيها ؛ وهذه الأفعال هي: ” أجيء/ أمنحكِ/ أشتهيكِ/ نتقاسم/ يسلخ/ تستبين/ تكتسي/ أجيء/ تتوالد/ تنمو/ تتجانس/ تستبين/ تكتسي/ أجيء/ أتخلل/ أحتويكِ/ أبوحُ/ نتقاسم/ تستبينُ/ تكتسي”. إن هذه الأفعال تؤكد أن المتكلم في النص شخصية مبادرة، قادرة على المجيء والمنح والاشتهاء والتخلل والاحتواء. كما وظف الشاعر أفعالا ماضية عدتها أربعة؛ وهي” ظمئتُ/ تخوفتُ/ أبقيتُه/ تخوفتُ” وآثر أن يسندها كلها إلى ضمير التكلم؛ بحيث صارت مرايا نرى فيها أيضا نفسية المتكلم في النص؛ نرى العواطف التي تسيطر عليه، ونرى ضعفه الإنساني النبيل.

وفي مقابل توظيف عشرين من مضارع الأفعال وأربعة ماضية، يوظف الشاعر سبعة من أفعال الأمر؛ وهي: ” سوخي/ تعالَي/ سوخي/ مُدِّي / تفجري/ مُدِّي/ مُدِّي”، ولكن أفعال الأمر لا تعكس استعلاء المتكلم في النص بأية حال، بل تعكس عواطفه الجياشة وإيمانه بأن المرأة تمنح حياة الرجل جمالا، وامتدادا لا ينفد. إن في تكرار الفعل مُدِّي ثلاث مرات ما يدل على نزعة المتكلم إلى التواصل مع المحبوب وتدليله وإشباع غرائزه الأنثوية، فضلا عن دلالته على أن المحبوبة امرأة  شرقية الطباع، لا تبادر إلى الرجل مهما كانت راغبة، بل تنتظر منه أن يكون مبادرا إليها، متوسلا لها، وهي تجد في استعطافه لها وتودده إليها لذة كبرى ترضي غرورها الأنثوي.

وقد تخير الشاعر في القصيدة نفسها أسماء؛ مثل” هجير/ قلبينا/ جمر/ ضفافك/ حنايا/ جداول/ نبع” . وهذه الأسماء تتآزر مع الأفعال في تعزيز إحساس المتلقي بإنسانية المتكلم ونظرته للمرأة بوصفها نبعا للحب. وهكذا يرسم الشاعر في النص ملامح نفسية المتكلم والمخاطب.

وتمارس عناوين القصائد وظيفتها الإغرائية؛ فالمفرد منها يستنفر طاقات المتلقي ويبعثه على التفكير في الدوال التي يمكن أن يتمم بها العنوان، والتفكير في حضور أو غياب العلائق التي تصل العنوان بالنص الشعري. وما من متلق يقرأ عنوانا مفردا مثل رجفة إلا ويفكر فيما يلابس هذا العنوان من ملابسات ترتبط بالقار في ذاكرته من إرث دلالي يحيل إليه هذا الدال. وسيجد المتلقي نفسه مسوقا إلى التفكير فيما إذا كانت تلك الرجفة رجفة طفل بوغت بما يزعزع طمأنينته، أوهي رجفة شيخ خذلته قدماه، أم تراها رجفة محبوب فوجئ بمحبوبته تتأبط ذراع غيره، أم هي رجفة رجل وأنثى يشبعان حاجتهما العاطفية ؛ كل هذه توقعات يحيل إليها الدال رجفة، بل إنه ليحيل إلى ما هو أكثر منها، ولكن الشاعر يحبط توقعات المتلقي، حين يؤنسن الرجفة ويدعها تحكي:([2])

حال تكلمني:

ما بين أبيض وردها وحدائقي

” حال تحول

ورجفة تحكي”

كلمتها

قلت: اللغات فضيحتي

فتكلمت

وأنا سكت”.

وقد تكون العلاقة بين النص العنوان والنص المعنون به علاقة تخالف تحبط توقعات المتلقي أيضا؛ يدل على هذا أن عنوانا مثل النائية يحيل دلاليا إلى البعد والهجر والنفور، ولكن حركة المعنى في القصيدة  وخصائص الصياغة لا يشيران إلا إلى رغبة في التواصل الحميم ، ومبادرة إلى الفعل المفضي إلى ارتواء عاطفي:([3])

ها هي تجاذبني إليها

تندس بين توتري

وفتوري

ها تلمس الأشياء منِّي

ترتاد وهجي”

كما أن دلالة عنوان مثل تماس تحفز المتلقي على توقع التقارب بين متماسين، غير أن حركة المعنى وخصائص الصياغة تحبطان ما يتوقعه المتلقي؛ الذي يجد نفسه أمام شخصيات يجمعها زمن واحد، وتفرق بينها فواصل عديدة : ” شيء مسنون/ قصاصات ورق/ فصول أرق/ حكايات فاجعة”. وفي حضور هذه الفواصل يصير التَّمَاسُ أملًا عسير المنال: ([4])

“الآن نسير معا

أنت بشرق الوقت

وأسير بغرب الوقت

وقت واحد

يفصلنا شيء باهت

شيء مسنون

وقصاصات ورق

وفصول أرق

وحكايات فاجعة حلت”

بل إن المتكلم في قصيدة تماس يؤكد صعوبة تماسه مع المخاطب:([5])

” صعب أن نتلاقى

صعب أن أُدْخِلَك مداري

….

صعب أن يشملنا درب واحد”

والقصائد التي اتخذت عنوانا لها: أمل دنقل ومشهور فواز والسماح عبد الله وثناء عبد المنعم ، لم تتضمن قصيدة منها صيغة عنوانها. ومعنى هذا أن الشاعر ليس ملزما بأن يضمن قصيدته صيغة عنوانها، وإنما يتوقف الأمر على تجربته وتقديره للحاجات التعبيرية التي يصوغ بها تلك التجربة، ويستنفد بها أحاسيسه وينقلها إلى المتلقي، أو يثير في نفسه أحاسيس مماثلة لها.

وتتعدد فواتح قصائد الديوان؛ فمنها فواتح يطرح فيها الشاعر سؤالا أو أسئلة ترتبط بذكرياته؛ ففي قصيدته: ” بدء” يطرح سؤالا يستغرق النص كله: ” ([6])

” هل طارق طرق الفؤاد على مهل

فاستسلمت شجراته لحديث طير القلب

أم تي قناديل المساء

توقدت

فتزينت للقائها

روح الوصال”

وحين يستغرق السؤال النص كله فلابد للخاتمة النصية أن تكون عتبة خروج مفتوحة تظل عالقة في ذاكرة المتلقي، وتبعثه على أن يبحث عن إجابة السؤال حتى بعد خروجه من النص.

وقد يأتي السؤال في الفاتحة النصية محملا بما يؤرق الشاعر، وبما يريد الشاعر أن يؤرق به متلقي نصه؛ ليحرره من الاسترخاء، ويورطه في إنتاج الدلالة؛ ففي فاتحة قصيدته: عثرات اللوحة يؤرق عبد الحكم العَلَّامي المتلقي؛ إذ يضعه أمام السؤال الآتي: ([7])

: ” ماذا لو عريت الشيء الخائف

واستثنيت الخوف؟”

ومن القصائد ما يتحد فيها العنوان مع الفاتحة النصية والخاتمة؛ فالقصيدة المعنونة :” ينقص شيء” نجد النص العنوان هو الفاتحة النصية والخاتمة النصية. وهذه الحيلة الفنية تمنح النص جانبا من تماسكه، وتجعل الفعل” ينقص” أكثر إلحاحا على عقل المتلقي بحيث يذهب في تأويل الناقص كل مذهب، وخاصة أن الشاعر حرر فاعل الفعل ينقص من قيد التعريف، وآثر أن يجعله نكرة حمالة أوجه.

ومن القصائد ما تكون الخاتمة النصية فيها تناصا لا علاقة مباشرة له بالعنوان، ولا يجيب عن السؤال الذي تطرحه الفاتحة النصية؛ ففي قصيدة عثرات اللوحة تأتي الخاتمة النصية هكذا:([8])

قال صلاح:

” لا تسألني ماذا يحدث للأشياء

إذ تتصدع”

ويعد التكرار أحد أبرز الظواهر الفنية في قصائد الديوان إن لم يكن أبرزها على الإطلاق؛ وهو ينتشر بمعدلات وأشكال مختلفة، غير أن العين لا يخطئها ملاحظة تكرار دوال بعينها في معجم القصائد؛ ففي قصيدة “حالة وجْد” يتسلط دال البدن على معجم القصيدة حتى إنه ليتكرر اثنتين وعشرين مرة جاء في أكثرها مضافا إلى المتكلم في النص: ” بدني” ، وجاء خمس مرات مضافا إلى كاف الخطاب/ المحبوب: ” بدنك” . وارتفاع معدل تكرار دال البدن، لم يحققه أي دال آخر في قصائد الديوان كلها. بل إن دال البدن يعود إلى الظهور؛ بحيث  يتكرر خمس مرات في قصيدة ارتقاء.

وفي قصيدة البرزخ والألوان يتسلط دال ” اللون” بدءا من عتبة العنوان مرورا بالقصيدة؛ إذ يتكرر أربع عشرة مرة بتقليبات مختلفة: ” لون/ التلوين/ الألوان”، كما يتكرر الدال نفسه عشر مرات في قصيدة ينقص شيء بتقليبات مختلفة: ” التلوين/ لَوِّنْ/ اللون”. أما في قصيدة عثرات اللوحة فقد تكرر دال الخوف إحدى عشرة مرة بتقليبات مختلفة : ” الخوف/ الخائف/ أخاف/ يخاف”. وأما في قصيدة” ينقص شيء” فقد تكرر الدال “نقص” سبع مرات بتقليبات مختلفة: ” نقص/ ينقص/ الناقص “.

ولا يقتصر التكرار على المفرد، بل يتحقق في التراكيب أيضا؛ ففي قصيدة ” حالتان” تتكرر جملة ” هذا حين يصير الحلم براحا”([9]) . وهذا الحلم البراح الذي يشير إليه المتكلم في النص يستدعي في ذاكرة المتلقي المتمرس بقراءة الشعر وتذوقه، المعنى النقيض غير المتلفظ به؛ أعني : الحلم المصفد بالأغلال أيًّا كان نوع تلك الأغلال.

وأحيانًا يعمد الشاعر إلى توظيف ثنائيات ضدية فيما يكرر من تراكيب؛ ففي قصيدة البرزخ والألوان يوظف ثنائية العذوبة والملوحة :” العذب امتزج بمر المالح” ([10])  و ” لكم اشتاق الزمن الملحُ / لزمن العذب”([11]) . أما في قصيدته : ينقص شيء؛ فإنه يوظف ثنائية الكمال والنقص، ويكرر ثلاث مرات قوله: ” قل إن كمل/ ينقص شيء” ([12]) .

وإلى تكرار بنية الأمر يعمد الشاعر بشكل ملحوظ في قصيدته سيدة الدار؛ فهو يكرر مرتين: ” هيجي أبدًا”([13]) ، ويكرر أيضا الصورة التشبيهية: “هبي كالطوفان الأخضر”([14]). ودون أن يستعين بأحد حروف العطف يكرر بنية الأمر؛ وذلك في قوله: ” زمي انقبضي/ انفرجي انتفضي”([15])؛ بحيث تتلاحق أفعال الأمر لاهثة حتى لكأنها نفثة محموم.

وهناك أسئلة بعينها تلح على الشاعر فيعمد عمدًا إلى تكرارها؛ ففي قصيدة انشغال يكرر ثلاث مرات السؤال: ” هل ضفتَ شيئًا؟”([16]). وقد يكرر الجزء الرئيس من صياغة السؤال، ثم يعمد إلى إجراء تغييرات في مكملات السؤال؛ ففي قصيدته: عثرات اللوحة تساءل في فاتحة النص:([17])

ماذا لو عريت الشيء الخائف

واستثنيت الخوف

ثم يكرر السؤال حاذفا من صياغته الصفة ” الخائف”: ([18])

ماذا لو عريت الشيء

واستثنيت الخوف

ثم يكرر السؤال مرة ثالثة وأخيرة، ولكن بعد أن غَيَّرَ المستهدف بالتعرية وحذفَ المفعول ” الشيء”، وأحل محله مفعولا جديدا ” الناس” ، وآثر أن يختتم سؤاله – لأول مرة- بعلامة الاستفهام:([19])

ماذا لو عريت الناس

واستثنيت الخوف؟

وأحيانا يلح عليه تركيب لغوي فيتخذه فاتحة نصية، ثم يعمد إلى تكراره؛ ففي قصيدة تواصل تأتي الفاتحة النصية هكذا: “رعدا أجئ محلقا فوق المنازل”([20])، ثم يكرر جملة ” رعدا أجيء” مرتين أخريين مع تغيير في صياغة ما بعدها؛ يقول: ” رعدا أجئ مطوقا بهجير عشقكِ/ رعدا أجئ مسافرا بين الدروب”. ([21])

وكما يأتي التعبير المكرر فاتحة نصية يأتي أيضا خاتمة نصية؛ ففي قصيدة ارتقاء نجد في العنوان الفرعي الأول : ” ارتقاء أول” جملة: ” أمتد حتى أستكن” ([22]) ، ونجد هذه الجملة بعينها خاتمة نصية. ([23]

ويكرر في قصيدته: مشهور فواز، أكثر من صيغة لغوية تنقل إلى المتلقي نجوى فؤاد الشاعر وأرهف خلجات نفسه في حوار متخيل مفعم بأنبل القيم الإنسانية ؛ يقول مخاطبا صديقه مشهور فواز:([24])

“هذا المساء

أرجوك لا

خلِّ المسافة قربَنا في خطوتين

أرجوك لا

خلِّ المسافة قربنا في خطوةِ

أرجوك لا

خلِّ مسافةَ قُربِنا

دون المسافة

خَلِّهَا هذا المساء!!”

ومهما يكن من أمر فإن التكرار في قصائد الديوان لم يكن فراغًا عروضيا يراد له أن يُمْلَأَ بألفاظ وتراكيب لا يقتضيها السياق، بل كان مرايا تعكس للمتلقي جانبا من هواجس الشاعر وتموجات نفسه وأشواق روحه ونقاط ضعفه ، كما كانت له وظيفته البنائية والموسيقية والاتصالية؛ فهو يعزز تماسك النصوص، وينتج إيقاعات نغمية تثري موسيقى الشعر، وتشنف أذن المتلقي وتهز أوتار قلبه؛ مما يضاعف من قدرة الشعر على تأدية وظيفتيه : الجمالية والاتصالية.

ويمارس عبد الحكم العَلَّامي ألوانا من العدول؛ فيعدل عن المتوقع من مصاحبات العشق كالنار ونحوها، إلى غير المتوقع: “هجير عشقك”([25])

وهو كثير العدول عن الترتيب المثالي للجملة؛ إذ يقدم المؤخر ويؤخر المقدم؛ كما في قوله من قصيدة حال من الورد: ([26])

” قال لي:

خلِّ الطيورَ إليك طائعة تجيء

واقصص لها كيف السماءُ ازيَّنت”

فقانون الرتب يقضي بأن يقول: “خل الطيور تجيء طائعة إليك” لكن اهتمامه بالمخاطب في النص بعثه على تقديم الجار ومجروره ” إليك” وتأخير الفعل “تجيء”؛ هادفا بهذا إلى قصر مجيء الطيور على المخاطب ، كما أن اهتمامه بهيئة صاحب الحال/ الطيور يفوق اهتمامه بفعل المجيء؛ ولهذا قدم الحال” طائعة” وأرجأ الفعل إلى نهاية الجملة. أما قوله: “واقصص لها كيف السماء ازينت ” فقد خالف فيه قانون الرتب الذي يقضي بأن يقدم الفعل ويؤخر فاعله؛ بحيث يقول: “واقصص لها كيف ازينت السماء”، ولكن اهتمامه ينصب على الفاعل؛ ولهذا قدمه وأخر الفعل.

وعن اللغة المثالية يعدل في قوله من قصيدة ارتقاء:([27])

“لابد للنهر البنات يجئنه

يحفظنه بين السرائر

وحده في الليل يصغي

لاشتهاء الجمرتين

والجمرتان يمامتان

اهتاجتا”

فقد قدم الفاعل ” البنات” وأخر الفعل ” يجئنه”، وقدم الحال “وحده” والجار ومجروره ” في الليل” وهما فضلة، وأخر الفعل ” يصغي” وهو العمدة ؛لأن إصغاء النهر وإن كان مهما، فإن الأهم من إصغائه هو هيئته- بوصفه صاحب الحال- حين يمارس فعل الإصغاء، بل إن زمن الإصغاء ” الليل” لا يقل أهمية عن هيئة المصغي/ النهر؛ ففي ذلك الوقت تسكن الحياة ويأوي الناس إلى مساكنهم ؛ فتكون الفرصة مواتية لكي يشتهي النهر الجمرتين ويطفئ اهتياجهما.

وعن اللغة المثالية يعدل أيضا في قوله: ([28])

” زهرُك يثمر في لحظات الطلق

ويسطع تاجا

أبدا لن تدنيه السقطةُ ”

فالأصل أن يتأخر الظرف ” أبدًا ” إلى نهاية الجملة بحيث تكون:  ” لن تدنيه السقطة أبدًا “، لكن الشاعر دفع بالظرف إلى صدارة الجملة؛ لأن تأكيد استحالة عملية الإدناء أهم عنده من مجرد انصباب النفي على عملية الإدناء.

كما يعدل عن مثالية اللغة في قوله:([29])

إنها أرضٌ

ما مس تربتَها الفتيةَ

موردي”

فالترتيب المثالي يقضي بأن يتقدم الفاعل بوصفه عمدة، ويتأخر المفعول بوصفه فضلة؛ بحيث يكون ترتيب الجملة كالآتي: ” ما مس موردي تربتها الفتية”، ولكن هذا الترتيب خولف؛ لكي يختص المفعول وصفته “تربتها الفتية” بما تقدم عليه. وما كان للصياغة أن تنتج اختصاصا فيما لو حافظ الشاعر على مثالية اللغة وقانون الرتب.

ومهما يكن من أمر فإن في قصائد الديوان ألفاظا لعلها لم تلتق بجاراتها من قبل؛ مثل: صليل الحب، الوجه البتول، الصهد الولود، حضور غائب، أرتقي فرحي، الطمي المطرز بالنخيل. وهذه الألفاظ تدل على رغبة الشاعر في كسر الإيهام وإدهاش المتلقي بأبنية لغوية تفارق المألوف.

وفي قصائد الديوان أيضا صيغ مبالغة؛ مثل خوَّاف، فوَّار، حرَّاقة، حفَّارة، نسَّاجة، وفيها أفعال؛ مثل خَلِّ / رَشَّ/ عَرَّشَ/ قَشِّرْ/ وَصَّلَ/ أّرُجُّ . وهذه الصيغ والأفعال يكثر جريانها على ألسن العوام في حياتهم اليومية، حتى ليحسب الكثيرون أنها ليست عربية النَّسَب ، ولكن عبد الحكم العلَّامي استطاع أن يرد إليها اعتبارها فأجراها على ألسن المتكلمين في قصائد ديوانه؛ معززا بصنيعه هذا عروبة نسبها.

كما نلاحظ تمرد الشاعر على قيود القاعدة لصالح الإيقاع حين يصرف ما تقضي القاعدة بألا ينصرف؛ على نحو ما نجد في ” مواقيتا/ منازلا/ مواقدا/ تراتيلا/ مواعيدا/ جداولا/ نشوانا”؛ فالحرص على غُنَّة النون المنطوقة غير المكتوبة، وتشنيف أذن المتلقي بصوتها، يقفان بقوة وراء تمرده على قيود القاعدة التي تمنع صرف ما سبق من أسماء.

حال من الورد ديوان تبوح لغته في مستواها العميق بأغزر مما تبوح به  في مستواها الظاهر؛ ولهذا فهو جدير بقراءات أخرى.

المنيا في 1/9/2024م

الهوامش

 

[1] – د. عبد الحكم العَلَّامي، ديوان حال من الورد” ضمن ديوان : وهم الأصابع”، ص74، ط: الأولى، دار الجندي للنشر والتوزيع، القاهرة 2023م.

[2] – السابق ، ص18.

[3] – نفسه، ص32

[4] – نفسه، ص81.

[5] – نفسه، ص82.

[6] – نفسه، ص 17.

[7] – نفسه، ص 37.

[8] – نفسه، ص40

[9] – نفسه ، ص20: 22.

[10] – نفسه، ص 43: 46.

[11] – نفسه، ص46 : 47.

[12] – نفسه، ص 59: 60.

[13] – نفسه، ص 62: 63.

[14] – نفسه، ص 63: 65.

[15] – نفسه، ص62 : 64.

[16] – نفسه، ص66، 67، 68.

[17] – نفسه، ص 37.

[18] – نفسه، ص37.

[19] – نفسه، ص38.

[20] – نفسه، ص74.

[21] – نفسه، ص 74: 75.

[22]– نفسه، ص28.

[23]– نفسه، ص31.

[24]– نفسه، ص90.

[25]– نفسه، ص74.

[26]– نفسه، ص23.

[27]– نفسه، ص29.

[28]– نفسه، ص63.

[29]– نفسه، ص66: 67.

ناقد و أستاذ النقد الأدبي، كلية دار العلوم، جامعة الفيوم من مصر

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً