أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / المستوى الدلالي في قصيدة (غائب قد يعود) – زينب ميثم علي

المستوى الدلالي في قصيدة (غائب قد يعود) – زينب ميثم علي

 

المستوى الدلالي في قصيدة (غائب قد يعود)

زينب ميثم علي*

 

خاضت دراسات عديدة في المستويات النظرية، لذا سنحاول في مقالنا التركيز على الجانب التطبيقي لأحد مستويات التحليل الأسلوبي الذي لا يخضع لقواعد صارمة مثل المستويين الصوتي والتركيبي. فالمستوى الدلالي يعتمد بشكل كبير على التأويل، ورصد الجوانب البلاغية، وتفسير الكلمات الظاهرة بمستوياتها المتعددة.

المستوى الدلالي هو أحد مستويات التحليل الأسلوبي الذي يركز على فهم المعاني والدلالات المتضمنة في النصوص. ويعتبر جزءًا أساسيًا في الدراسات اللغوية والأدبية، حيث يسعى الباحثون والمحللون إلى استكشاف الأبعاد الدلالية للغة المستخدمة في النصوص. على المستوى الدلالي، يتم التركيز على معاني الكلمات والعبارات، وكيفية تفاعلها لبناء مفهوم أو معنى أعمق.

يشمل هذا المستوى استخدام الأساليب الدلالية التي يبرزها فن البديع البلاغي المتمثل في التشبيه، والمجاز، والكناية، لنقل المعاني وتوجيه الانتباه إلى جوانب معينة من النص. باختصار، يسهم المستوى الدلالي في فهم العمق والتعقيد الذي يمكن أن تحمله النصوص، حيث يكشف عن الطرق التي يستخدمها المؤلف لنقل رسائله والتأثير العاطفي أو الفكري الذي يهدف إليه من خلال استخدامه للغة.

والنص الماثل بين أيدينا يوحي بالشوق والحنين بانتظار محبوب غائب. وأول ما يطالعنا على مستوى العنونة هو الحرف (قد) الذي دخل هنا على الفعل المضارع (يعود) مما يوحي بتقليل فرص هذه العودة. وقد تضافرت مجموعة من الفنون البلاغية لتصوير هذا الغياب، وفرص اللقاء الضئيلة أو المنعدمة.

الشاعر فايز الشرع

ففي السطر الشعري الأول:

“بذلت لمرآك ضوء العيون”[1]

توحي كلمة “البذل” بالجهد والتعب للوصول إلى المبتغى المطلوب. كما تشير عبارة (ضوء العيون) إلى أن العين بانتظار الغائب ولا تبصر إلا من أجله، فقد أضناها التعب والتفتيش حتى أصبحت كالضوء الذي يتحرى به صاحبه عن فقده الثمين.

ويتحدد البديع في السطر الثاني من القصيدة:

“وأثثت قلبي كي تسكنه”[2]

فالقلب لا يؤثث إنما البيت أو المكان، فهنا استعار الشاعر التأثيث للقلب احتفاءً برؤية المحبوب، وكذلك يشير إلى أن هذا القلب هو مكان الحبيب وداره الذي أعد لاستقباله.

كما ترد في السطر الثالث وما يليه تشبيهات عديدة:

“فإن غبت عني.. أظل غريبا

بلا ذكريات

ولا أمكنة”[3]

فيشبه الشاعر الغياب بالغربة والاغتراب عن الذكريات والأماكن في حالة فقد من يحب. وتوضح الأسطر الشعرية التالية أنه إذا ما تقرب والتقى المحبوب فستتغير حالته بدليل القول الآتي:

“فصوتك يملأ مني الضمير

أشيد من شهده مئذنة”[4]

فبمجرد سماع صوت من أحب تتحول حالة المحب إلى نوع من أنواع الحب الطاهر العفيف الصوفي المقدس بدلالة كلمة (مئذنة) مما يوحي بمكانة هذا المحبوب، وأنه مقدس من قبله. وتفصح الأسطر التالية عن مواصفات هذا المحبوب:

“ووجهك قمح الشتاء الوفير

تهب الطيور لكي تطحنه

فأخبز وسع المحيط رغيفا

وأطعم كل الجياع سنة”[5]

فقد خالطت السمرة وجه المحبوب الذي تزدهر الحياة برؤيته حتى في برد الشتاء – محصول الشتاء – والمعروف أن كل المحاصيل تقل أو تنعدم في فصل الشتاء إلا ندرة، لكن بمرأى هذا المحبوب تنمو وتخصب وتخضر وتتواجد بوفرة وغزارة. فثمة استعارة لكلمة “تهب” لحركة الطيور التي تطحن القمح، فالرياح هي التي تهب وبشدة كبيرة، ومن هذا القمح يخبز رغيف بوسع المحيط يطعم منه الجياع مدة سنة، وهنا إشارة مجازية تدل على المحبوب الأسمر الذي بمجيئه وبرؤيته يأتي الخير كله، فبمجرد لمحه يغتني الفقير والجائع عن حاجته اليومية من الطعام لمدة عام، إذ يصنع لقاؤه الوفرة والاكتفاء بكل شيء.

في حين أنه لا يوجد رغيف بهذا الحجم كما لا يوجد من يطعم كل الجياع ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا، وهنا تأكيد على قدسية الحبيب؛ لأن من يطعم الفقراء هو الخالق وحده، وكذلك توحي الأسطر بأنه في حالة رؤيته يتحقق نوع من الثراء والرفاهية عن كل الحاجات الدنيوية والمعنوية، فالمحبوب هنا ذو دلالة مقدسة لديه. وكذلك ثمة إشارة تعجيز بهذا اللقاء الذي إذا تحقق سيوفر المعجزات من وفرة القمح، ونموه في الشتاء، ورغيف الخبز العظيم، وإطعام الجياع، والقضاء على فقرهم. ويدل النص أيضًا على أنه لم يلتق بهذا المحبوب، وأن هذه كلها آمال وأحلام يتمنى تحقيقها بهذا اللقاء المرتقب الذي يتوقه ويتمناه، ولم يتحقق بدلالة الأسطر الشعرية التالية:

“فأين رحلت؟

وكيف تغيب

ومن تنتقيه لتستأذنه؟”[6]

فهنا أسئلة استفهامية كثيرة تستفهم هذا الرحيل القسري، والغياب الذي لا ينتقي سوى الأعز إلى أرواحنا، وهذا الغياب المفاجئ الذي يباغتنا دون استئذان، وأن بهذا الاستتار والاحتجاب غيب كل معالم الفرح والحبور بحياته.

وأنت اخضرار وماء وشمس

ومنك النخيل اصطفى معدنه

 

أيعني غيابك أن قد قتلت

وحاشا إذ الموت ما أجبنه”[7]

وتشير هذه الأسطر الشعرية إلى أن من غيب هذا الحبيب هو شيء خارج عن الإرادة ربما –الموت- وبهذا الغياب فقدت كل معالم النمو المتمثل بالاخضرار والماء والنور ولمعان النخيل، كما توحي الأسطر بأن المحبوب قد غاب بطريقة قد تكون قسرية –كالاغتيال- أو بطريقة لا تختلف عن الإبادة والهلاك في أثرها النفسي لديه بدليل كلمة (قد قتلت) وينفي عنه هذه الصفة بنفس الأسلوب القدسي (وحاشا) ويسب وينتقد الموت ثم يرسم الشاعر عدة سيناريوهات لهذا الغياب المتحجر.

“إذا جيء بالسيف كي يذبحوك

ستنمو على حده سوسنه

فيغدو لها السيف ثوب زفاف

وتهوي لنحرك كي تحضنه”[8]

فيصف أنه إذا كان القتل بالسيف فستنمو على هذا القاطع زهرة بعد ملامسته لجسد المحبوب الطاهر، ويشبهه بثوب الزفاف إشارة منه إلى أن هذا المحبوب قد يكون في سن الزواج، وربما غيبه الاستشهاد في معركة أو دفاعه ضد المحتلين، وهو في عمر الزواج، ومن عادات وتقاليد المجتمع العراقي أن من يستشهد ولم يتزوج أن يحتفى به كعريس ويغطى نعشه بفراش عرس جديد أبيض ناصع، أو ممكن أن من أحبه تزوج من آخر وغيب عنه، فيكون السيف بمثابة الطرف الآخر الذي اختطف المحبوب فأضحى كالميت لدى الشاعر الذي يشبه من غيب محبوبه بالسيف الذي نحر المحبوب وقتله أيضًا، فتتعدد أشكال الغياب والزوال، والنتيجة واحدة هي البعد عن هذا المحبوب، الذي يصور له الشاعر طريقة أخرى للاحتجاب.

“وإن زار صدرك سيل الرصاص

ستتخذ القلب مستوطنه”[9]

فيصور هنا سيناريو آخر لهذا التواري والغياب الأبدي، باستعارة زيارة الرصاص الذي إذا حل فإنه سيستوطن القلب، فهذا السيل سيتخذ من القلب مستوطنا ليس فقط لمن أحب بل له بالدرجة الأساس؛ ولأن الرصاص يميت ونادرًا ما يتمكن من يصاب به من العيش يؤكد هنا شاعرنا على أن هذا الرصاص استوطن القلب إشارة منه إلى أنه لا رجوع لهذا الحبيب الذي فني بأبشع طرق الغياب القسري. ويروي الشاعر رواية أخرى للزوال:

“ولو جيء بالنار.. حبل حريق

وشدوا عيون بالأدخنة

لشق السماء ملاك بجيش

غيوم الربيع له أحصنة

وحلق فوقك شرقا وغربا

وصلى على روحك المؤمنة

بلاطك يمتد في كل قلب

وتحرس أبوابك الألسنة”[10]

فالغياب كالنار التي تعمي الأبصار من شدة أدخنتها وألتهبتها المتصاعدة، والتي لا يرى من خلالها أي شخص آخر، فيصف أنه إذا حدثت كل هذه القصص التي افترضت للموت السيف، والرصاص، والنار، فإن النتيجة هي واحدة تتعدد الطرق والأفول والفقد والتوجع واحد، ليصور الشاعر آثار هذا الانقطاع، وما يتركه في النفس من خصائص بدءًا بانشقاق السماء مؤكدًا على أن المحبوب مقدس لديه بدلالة الملاك الذي سيحشد الجيوش نادبًا هذا المغيب راكبًا خيولًا أسطورية تشبه بيغاسوس (الحصان المجنح) الطائر الذي سيحلق شرقًا وغربًا يروح ويجيء من هول فجعة الاحتجاب ولا يعلم ماذا يفعل، ومرورًا بهذه الحشود التي عندما تهدأ وتحس بأثر الغروب لا يكون أمامها شيء سوى الدعاء والصلاة على هذه الوحشة التي سيبقى أثرها صلبًا بنفسه، وأخيرًا يصور هذا البعد ويشبهه بالبلاط أو الحجر الصلب الذي يفترش داخله، ولن يكسره أو يمحوه شيء كما يوحي أنه دفن هذا الحب ببلاط داخله وسيحرسه لسانه ربما من البوح به والاكتفاء به ذكرى في خياله.

فالدلالة من هذه القصيدة هي الانتظار حتى لو بذكرى تأتي له على شكل طيف، وكما هو مأثور فالشاعر يطبق مقولة (أنا أفضل أن أحتفظ بذكرى جميلة حسنة حتى لو كانت غير واقعية أحسن من أن أنكد على عقلي وقلبي وذاكرتي بحقيقة مؤلمة سيئة كنت قد عايشتها في الواقع)، فالغائب لن يعود حتى إن بذل، وفتش، وتحرى، وبات كالمصباح الذي يفتش عن ضالته التي أعد لها قلبه مسكنًا، وأن بهذا الغياب لا قيمة لكل ما حوله من أماكن، وذكريات دون وجود هذا الحبيب معه، فصوته الجميل يملأ غابات عقله، وضميره فهذا المحبوب متغلغل لديه بدليل لفظة أثثت قلبي، ومني الضمير، واخضرار، وشمس، وماء فهو يملك قلبه وعقله فضلا عن أنه مقدس حتى بصوته، إذ يشبهه بالمئذنة، وهنا صورة المعية تنطوي على أن من أحب هو شيء عظيم وذو طابع قدسي هو كالدين للمسلم فإن المئذنة تنادي للصلوات الخمسة يوميًا فهي تنير للمسلم دربه، وتنذر بلقاء الخالق بأوقات معينة كذلك المحبوب ينير درب حبيبه بصوته وبكل شيء، وأن بغياب هذا الصوت يصبح دون أمل ودون مرشد، هذا في حال سماع الصوت، أما في حال الرؤية فيتولد الشغف، والحماس، والشجاعة، وتحمل الصعاب، وعمل المستحيلات، والمعجزات، فهو كل شيء جميل، وقد فقد واستتر، وقد آلم هذا الغياب نفسه التي أضحت معذبة جراء هذا التيه، ومع ذلك لا يزال يتطلع وينتظر أملًا بالعودة ولو بطيف، أو بذكرى، أو سماع صوت، فقد اجتمعت فنون البديع البلاغية المختلفة وعملت معًا من أجل تشكيل صورة تحمل دلالة الفقد الذي قد يعود بأشكال أخرى ومختلفة.

 

الهوامش

[1] نخيل على ضفة القلب، فائز الشرع، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1، بغداد 2011: 21.

[2] المصدر نفسه: 21.

[3] المصدر نفسه: 21.

[4] المصدر نفسه: 21.

[5] المصدر نفسه: 21.

[6] المصدر نفسه: 21-22.

[7] المصدر نفسه: 22.

[8] المصدر نفسه: 22.

[9] المصدر نفسه: 22.

[10] المصدر نفسه: 22-23.

 

باحثة وأكاديمية من العراق

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً