أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / البنيوية التكوينية من نقد الإبداع إلى نقد النقد منجز محمد برادة نموذجا – زهور العزوزي

البنيوية التكوينية من نقد الإبداع إلى نقد النقد منجز محمد برادة نموذجا – زهور العزوزي

البنيوية التكوينية من نقد الإبداع إلى نقد النقد

منجز محمد برادة نموذجا

 زهور العزوزي*

 

يعد الناقد لبنة أساسية في بناء العمل المنقود، حيث لا بد من وجود مناهج تؤصل لهذا العمل، وهذه المناهج هي بالطبع ذات أصول غربية بالأساس، منها المنهج التاريخي الذي يحاول معرفة شخصية المؤلف انطلاقا من نصوصه، وكذا معرفة الشروط التاريخية التي تحكمت في إنتاجه، والمنهج الاجتماعي الذي يسعى إلى تسليط الضوء على الجانب الاجتماعي للمؤلف، مطلعا بذلك على الواقع الاجتماعي وكشف حقائقه وتعريته، ثم المنهج النفسي الذي يهتم بالجانب السيكولوجي للمبدع محللا بذلك العلاقات السيكولوجية التي لها أثر في إنجاز الأعمال الإبداعية، ثم يأتي بعد ذلك النص الذي يمثل محور هذه المناهج النقدية الداخلية ومن أبرزهم المنهج البنيوي، الذي نادى أنصاره بالنص ولا شيء غير النص، دون أن ننسى نظرية التلقي الألمانية، التي اكتسحت الساحة النقدية، واهتمت بالقارئ كقطب مهم في العمل الإبداعي.

تعتبر دراسة محمد برادة “محمد مندور وتنظير النقد العربي[1] من الأعمال الأولى التي ساهمت في إبداء نقد النقد والاهتمام بقراءة النصوص النقدية، كما تعد من أوائل الدراسات النقدية التي اعتمدت على منهج واضح ومصرح به، وسعت إلى تأصيله في النقد العربي المعاصر، وهذه ميزة تحتسب لمحمد برادة على غرار غيره من النقاد الذين يشتغلون بنقد النقد، بحيث إنهم لا يعيرون أي اهتمام لمسألة المنهج. وهذا ما أكده حميد لحميداني بقوله:” إنهم ينطلقون من شعور خفي بالتعالي يجعلهم يعتقدون تلقائيا بأن دراستهم في غنى عن التقيد بأي منهج، ما دامت مادة موضوعهم هي النصوص النقدية التطبيقية الصادرة في أساسها عن مناهج معينة”[2].

عرفت الساحة النقدية في أواخر الستينيات بروز مناهج اهتمت بتحليل النص تحليلا عميقا، مثلا منهج البنيوية التكوينية، الذي اعتبره العديد من المفكرين أنه “ثمرة القراءة واعية في فكر كانط وهيجل وهيدغر، فضلا عن أبحاث لوكاتش، ومن فكر هؤلاء امتص لوسيان كولدمان نظريته التكوينية”[3]، ويعد “لوسيان كولدمان Lucien goldmann” من رواد البنيوية التكوينية، حيث استلهم مجموعة من المقومات النظرية من الفيلسوف والسياسي الهنغاري “جورج لوكاتش“، ويعتبر كتابه “الروح والأشكال، l`ame et les forme” مرتكزاً “ومرجعاً مباشراً للنظرية التكوينية كما وصلت عند كولدمان في صياغتها النهائية”[4].

وتتمثل الفرضية الأساسية التي تنطلق منها البنيوية التكوينية في تحديد غولدمان “أن كل سلوك إنساني يعتبر محاولة لإعطاء جواب دال معين على وضعية خاصة، وأنه انطلاقا من هذا يسعى إلى خلق توازن بين ذات فعل وموضوعه أي عالمه المحيط”[5] وعليه فالبنيوية التكوينية تنطلق من البنية النصية، مستنطقة بذلك الدلالة الاجتماعية والتاريخية لفهم الوضع الاجتماعي الذي ساهم في تشكل ذلك النص، “وفهم ما لم يكن معروفا من خصائص النص”[6].

وقد ارتكز فهم كولدمان للبنيوية التكوينية على مجموعة من المفاهيم التي شكلت مقومات منهجه، كمفهوم الرؤية للعالم والبنية الدالة والذات الفاعلة أو المبدع الحقيقي ومفهوم الوعي الكائن والوعي الممكن والتماثل. وهذه المفاهيم محورية في نظريته، مع تحديد عمليتين أساسيتين هما الفهم والتفسير، حيث إن “مستوى الفهم يتناول تحليل البنية الداخلية واستخلاص البنية الدالة لأن الحقيقة الاستطيقية لا تتحقق إلا في الانسجام بين وحدة الأثر ووظيفته، أما مستوى التفسير فيدمج الأثر في محيطه كي تكتمل دلالته باعتباره تمثلا دقيقا لرؤية العالم لدى مجموعة اجتماعية”[7].

فالفهم يركز على النص فقط ولا شيء آخر غيره، أما التفسير فيشمل الجوانب الخارجية للنص، أي الاهتمام بالجانب التاريخي والاجتماعي، مع الشرح للوصول إلى المبتغى، “فهو أداة ناجعة في ربط هذه الرؤية التجزيئية برؤية أعم وأشمل، هي رؤية اجتماعية مرتبطة بالطبقة التي يتجاوب فكر الكاتب مع بنيتها الذهنية ويتفاعل معها في سياق الصراع الطبقي لمجتمعه”[8].

لقد أصبت البنيوية التكوينية مصدراً للعديد من النقاد، وهنا وجب الإشارة إلى ثلة منهم ونخص بالذكر النقاد المغاربة، حيث تمثلوها لاستنطاق نصوصهم ومقاربتها ومنهم:

  • محمد بنيسظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، دراسة بنيوية تكوينية” “1979“.
  • نجيب العوفي “درجة الصفر للكتابة “1980
  • إدريس بالمليحالرؤية البيانية للجاحظ“”1984”.
  • سعيد علوشالرواية والأيديولوجية في المغرب العربي”1981
  • أحمد بوحسن “الخطاب النقدي عند أحمد بوحسن” 1982
  • حميد لحميداني “الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي: دراسة بنيوية تكوينية” 1985
  • محمد خرماش “إشكالية المناهج في النقد الأدبي المعاصر: البنيوية التكوينية بين النظر والتطبيق الجزء 3” 2001.

انطلاقا من هذه الدراسات توقفنا عند دراسة محمد برادة، الشيء الذي جعلنا نطرح السؤال كيف تمثل محمد برادة البنيوية التكوينية؟

  • البنيوية التكوينية ملاذا لمحمد برادة.

لقد أولى برادة أهمية كبيرة للنص والمنهج، فتميزت نظرته بنوع من الاختلاف إذا ما قارناه مع مجموعة من النقاد العرب، فالمنهج في نظره ليس غاية في ذاته، “والنصوص هي التي توحي بالأسئلة. وهي التي ترشدنا على اختيار المنهج”[9] وهنا يؤكد على ضرورة الانطلاق من النصوص كي لا نقع في المنهاجوية على حسب قوله.

والشيء نفسه أشار إليه في مقدمة الترجمة التي أنجزها لكتاب عبد الكبير الخطيبيفي القراءة والتجربة” يقول: “إن المنهج ليس غاية في ذاته، وليس هناك منهج يحقق المعجزات، لأن جوهر المسألة متصل دائما بالأسئلة الكامنة التي ينطلق منها الباحث أو الناقد، وبالطريقة التي يطرحها ومدى ارتباطها بالتحولات الكمية والنوعية المبررة للتساؤل”[10].

فضلا عما قيل، يعد محمد برادة من النقاد اللذين لا يميلون إلى فصل العمل الفني عن الظروف التي جاء ضمنها. فهو يعتبر أن “الإنتاج الأدبي خاضع للشروط الاجتماعية ولإمكانات تتيح ظهوره”[11] هنا نجده يتساءل: كيف السبيل إلى اختيار المنهج الملائم؟

لقد اتضح لنا أن محمد برادة ركن في عمله على منهج “البنيوية التكوينية كما بلورها جورج لوكاتش، ولوسيان كولدمان، وبير بورديو”(ص28) وقد علل الدوافع التي جعلته يختار البنيوية التكوينية، كونها منهجا يتميز “بالمرونة المفهومية في الأهمية القصوى التي يعطيها التاريخ بمفهومه الواسع والمعقد”(ص28)، ورأى أنه مدفوع إلى ذلك جراء الدراسات السابقة المطبوعة بنوع من التقديس للمجتمع العربي وثقافته.

لقد وقفنا أثناء دراستنا هذه على سؤالين حاول برادة من خلالهما تتبع المسار النقدي لمندور وهما: كيف السبيل إلى فهم كتابات مندور؟

وما الشروح التي يمكن إعطاؤها لتحولاته الثقافية والسياسية؟

كانت الإجابة تنطلق من مجموعة من المفاهيم التي ارتكز عليها في دراسته، حيث إنه لا وجود لبنية مفهومية مستقلة ينتجها الشخص من تلقاء ذاته، فلا بد من وجود منهج يتشرب منه الناقد عدته المفاهيمية. فكانت البنيوية التكوينية المنبع العلمي الرصين والركيزة الأساسية لدراسته لمندور انطلاقا من الحقل الثقافي في مصر، وربطه بالوضع الاجتماعي المتدهور وكتاباته النضالية وانخراطه في الأحزاب، وحاول أن يستنطق نصوصه في إطار التحولات السياسية والثقافية، فبالنسبة لبرادة تروم البنيوية التكوينية إلى إبراز وتوضيح العلاقة القائمة بين المجال الاجتماعي والشروط الاجتماعية التي يعيش فيها الكاتب والمبدع وكيف تأثر، وما هي الأشكال والدلالات التي يعبر عنها.

لقد استطاع أن يدمج مسار مندور ضمن التحولات التي شهدها الحقل الثقافي بمصر بعد الحرب العالمية الثانية وبعد جيل الرواد1919، وتحديد إشكالية النقد الأدبي، من خلال ارتكازه على “منهج امتد أفقيا ليلتقط أقصى ما يمكن من الاواليات والعناصر الاجتماعية المتحكمة في سير الحقل السياسي والاجتماعي المكيف لمحمد مندور والمحدد لمساره”(ص294).

والملاحظ أن محمد برادة اجتهد في الاشتغال على نصوص نقدية بمنهج إبداعي. حيث اهتم رائده بدراسة نصوص إبداعية متمثلة في بعض النماذج الروائية “لأندريه مالرو” وذلك متجلي في كتابه “من أجل سوسيولوجية الرواية“، ومسرحيات في كتابه “الإله الخفي” “جان راسين“، وهنا وجب القول إن هناك من النقاد الذين يعتبرون البنيوية التكوينية منهج ابداعي ولا يجب أن يطبق على الأعمال النقدية من مثل انتقاد حميد الحميداني الذي يقر بأن مناهج الإبداع يجب أن تترك لنقاد الإبداع بقوله: “إن الموقع الطبيعي لناقد النقد هو أن يتخلى عن تبني أحد مناهج الإبداع، وأن يترك هذا الاختيار لنقاد الإبداع وحدهم”[12]. وفي موضع آخر يقول: “يبدو لنا أنه غير مناسب أن يتبنى ناقد النقد تلك المناهج التي يتبناها نقاد الإبداع”(هنا أشار الحميداني إلى دراسة محمد برادة في الهامش دراسته سحر الموضوع، ص9).

وأثناء وقوفنا عند دراسة محمد برادة، لا حظنا أنه أغفل مقوما أساسيا من مقومات البنيوية التكوينية، إذ إنه لم يقف عند مرحلة التفسير إلا من خلال الحقل الإيديولوجي وذلك جعله يقف وقفة طويلة أكثر من أي حقل أخر، كما تتبدى لنا ملاحظة أخرى أن برادة في المقدمة أشار إلى ركونه إلى “استحياء المناهج صادرة عن البنيوية التكوينية كما بلورها كل من جورج لوكاتش ولوسيان كولدمان. وبيير بورديو”(ص28) واجتهد في بلورتها وتطبيقها، إلا أننا نجده في خاتمة دراسته يقر بأن منهج البحث غير مكتمل:” ويلزم القول بأن منهجنا في هذا البحث، لم يكن مكتملا مند البداية، بل إن أهم عناصره تجمعت وتبلورت أثناء البحث”(ص305) لكن هذا لا يعني أن هذا المنهج الذي ركن إليه برادة أدى به إلى الوقوع في مزالق، بل العكس من ذلك لاحظنا بأن البنيوية التكوينية بمثابة الاطار المرجعي له، حيث ساعدته على استقراء نصوص مندور في شموليتها، والقبض على النص في التداخل الحاصل بينه وبين الواقع الذي أنتجه الظروف الثقافية آنذاك، وهنا يمكن أن نختم دراستنا بسؤال لعله يفتح آفاق البحث من جديد. هل متن الدراسة (محمد مندور) هو الذي استدعى هذا المنهج؟

 

الهوامش

جهاد فاضل، أسئلة النقد حوارات مع النقاد العرب، الدار العربية للكتاب.

حميد لحميداني، سحر الموضوع، عن النقد الموضوعاتي في الرواية والشعر، مطبعة أنفو-برانت، فاس، ط2/2014.

زهور العزوزي، حوار مع محمد برادة: علينا أن نبحث عن منهج نقدي يضيء الأنواع الجديدة من الكتابة، الملحق الثقافي، الاتحاد الاشتراكي5\2021.

عبد الكبير الخطيبي، في الكتابة والتجربة، ترجمة محمد برادة، منشورات الجمل، بغداد-بيروت، ط1/ 2009.

محمد برادة، محمد مندور وتنظير النقد العربي، محمد برادة، محمد مندور وتنظير النقد العربي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط3/ 2005

محمد خرماش، إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر، البنيوية التكوينية بين النظر والتطبيق، مطبعة آنفو-برانت، فاس، ط1/ 2001.

محمد أديوان، النص والمنهج، منشورات دار الأمان، الطبعة الأولى2006.

نور الدين صدار، مدخل إلى البنيوية التكوينية في القراءات النقدية العربية المعاصرة، مجلة عالم الفكر، ع1/م 28/ 2009.

يوسف الأنطاكي، سوسيولوجيا الأدب، الآليات والخلفية الابستيمولوجية، رؤية للنشر والتوزيع، 2009.

 

 

كاتبة من المغرب

باحثة في النقد الأدبي الحديث، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس. الرباط، المغرب.*

[1]. أصل هذا الكتاب أطروحة، نال بها محمد برادة دكتوراه السلك الثالث، وقد نوقشت بتاريخ: 19 يونيو 1973، تحت إشراف الأستاذ أندريه، من جامعة باريس.

[2]. حميد لحميداني، سحر الموضوع، عن النقد الموضوعاتي في الرواية والشعر، مطبعة أنفو-برانت، فاس، ط2/2014، ص7

[3]. نور الدين صدار، مدخل إلى البنيوية التكوينية في القراءات النقدية العربية المعاصرة، مجلة عالم الفكر، ع1/م 28/ 2009، ص 120.

[4]. نور الدين صدار، مدخل إلى البنيوية التكوينية في القراءات النقدية العربية المعاصرة، م.س، ص59

[5]. يوسف الأنطاكي، سوسيولوجيا الأدب، الآليات والخلفية الابستيمولوجية، رؤية للنشر والتوزيع، 2009، ص175

[6]. محمد خرماش، إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر، البنيوية التكوينية بين النظر والتطبيق، مطبعة آنفو-برانت، فاس، ط1/ 2001، ص 2.

[7]. نفسه، ص 134.

. محمد أديوان، النص والمنهج، منشورات دار الأمان، الطبعة الأولى2006، ص31 [8]

[9]. زهور العزوزي، حوار مع محمد برادة: علينا أن نبحث عن منهج نقدي يضيء الأنواع الجديدة من الكتابة، الملحق الثقافي، الاتحاد الاشتراكي5، 2021.

[10]. عبد الكبير الخطيبي، في الكتابة والتجربة، ترجمة محمد برادة، منشورات الجمل، بغداد-بيروت، ط1، 2009، ص6.

[11]. جهاد فاضل، أسئلة النقد حوارات مع النقاد العرب، م.س، ص 319.

.حميد لحميداني، سحر الموضوع، م.س، ص10 [12]

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً