إضاءات على الهايكو:

الهايكو العربي والتجريب المَثْلوب ..(الجزء الثاني)
توفيق أبو خميس*
السير على سلك معدني رفيع مشدوداً على إرتفاع عال يعتبر إنجازاً فريداً ومقدراً، وليس كالسير على جسر معدني عريض على ذات الإرتفاع فالأول يحتاج إلى الرشاقة والمهارة وخفة الحركة أما الآخر فلا يحتاج لأي مهارات ولا لخفة حركة أو رشاقة .. كذا كتابة الهايكو عن باقي كتابات النصوص الأدبية وخاصة القصيرة منها والأدب الوجيز، فهو يحتاج الى بساطة المفردة والتَّحَلُّلُ من الزخارف البديعية والصور البلاغية ومنها التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية.. إلخ
الجناية التي ترتكب تحت مسمى الحداثة في شعر الهايكو وأنها تقدم بوصفها نمطاً تجريباً وتطوراً في نص الهايكو العربي. لكنها وللأسف الشديد إنحدار في الذائقة وليس تطوراً لأن التطور يفترض به الانتقال من مفضول إلى أفضل أو من أدنى إلى أعلى. وتلك هي الفكرة الأساسية في مفهوم التجريب والحداثة عند النقاد والأدباء والشعراء.
ففي مطالعة سريعة لما ينشر على معظم مواقع التواصل على الشبكة العنكبوتية وأغلب ما ينشر أيضاً ورقياً تحت مسمى الهايكو تمكّننا من رؤية مدى فداحة الجنوح عن مبادئ وأساسيات بنية الهايكو بين الكثير من نصوص التي لا تمت للهايكو بإدنى صلة سوى أنها تكتب بثلاث سطور، وكل هذا الافتعال يأتي عن طريق أناس لا يفقهوا عن الهايكو أي شيء يذكر، وكل ذلك بإسم التجريب وتجاوز الحداثة إلى ما بعدها، وكل هذا يُطفئ ويُفسد الذائقة عند المتلقي لشعر الهايكو، فلا يتركه يفكّر، ويتأمّل أو يترك له أي مجال لتأويل النص.
عن ماهية التجريب:
عن هذا السؤال لابد من التعرف على آلية التجريب وعلى الخصائص التي يعتمد عليها في تطبيقاته
يعدّ التجريب من أحد المصطلحات الجديدة المتداولة على الساحة الأدبية والنقدية الحديثة، إذ يسوده بعض من الضبابية والغموض، لذا يجب علينا العودة للبحث عن دلالته في المعاجم من الناحية اللّغوية والاصطلاحية.
أ- المعنى اللّغوي:
جاء في لسان العرب “لابن منظور” قوله: جرّب الرجل تجربةً : اختبر، هو رجل مجرِّب قد بلى ما عنده ، ومجرب: قد عرف الأمور وجربها، ودراهم مجربة: موزونة”.١*
وقد ورد أيضا في “معجم الوسيط” معنى التجريب: جربه تجريباً وتجربة اختبره مرة بعد أخرى، ويقال رجل مجرب، في الأمور وعرف ما عنده ورجل مجرّب عرف الأمر وجربه”.٢*
والدلالة نفسها وردت أيضا في “الفيروز أبادي” في قوله: وجرّبه تجربة اختبره ورجل مجرب كمعضم: ما يلي ما كان عنده ، ومجرب عرف الأمور ، ودراهم مجربة: موزونة.٣*
من خلال هذه الدلالات التي جاء ذكرها في المعاجم، يتبين لنا إن مصطلح التجريب يتمحور ويرتكز على معاني الاختبار والتجربة التي تولد المعرفة والعلم بالشيء، وكذلك بمعنى الخبرة
ب- المعنى الاصطلاحي:
التجريب من المصطلحات العلمية التي نجدها تستخدم في مجالات الأبحاث و الدراسات خاصة الحديثة، إلا أنه سرعان ما إرتبط بالأدب لتداخل وتفاعل الآداب مع العلوم الأخرى فأصبح يستعمل للدلالة على البراعة في بناء النص، والحرص على التجويد والسعي إلى مخالفة السائد.٤*
فالتجريب يدل على كل ما هو جديد كما يعكس التمرد على المواضيع الثابتة، ويرتكز بالخبرة وبتقنية الغرض، وهو تجاوز لنمطية النماذج الروتينية التي أصبحت مملة وغير مستساغة لدى المتلقي والذي بدوره لم يعد يجد فيها المتعة لكثرة تكرارها وخلوها من مقاومات الذوق الأدبي.
لذا يقترن معنى التجريب الأدبي بالمغامرة المتزنة، فالتجريب إذن هو التجاوز والمغامرة في أعماق النص الأدبي مع المحافظة على أساسيات بنية النص، وتلازم مفهموم التجريب بالإبداع أي التخلص من الشكل التقليدي محاولاً التجديد والتغيير. فالتجريب خلق من جدد ليعرف إلى البحث والاستكشاف والتغيير، لذلك يحاول جاهداً التخلص من الثبات وبتجاوز الممكن و المستحيل. ٥*
لقد اقترن التجريب من قبل بالخبرة والتجربة والمعرفة السابقة ومن بعدها اقترن بمعنى المغامرة والإبداع، فالتجريب عبارة عن مزيج علمي يوالف أكثر من معنى ولا يمكن حصره في معنى واحد.
ج- التجريب في الأدب:
كان إرتباط وجود التجريب في بدايته بظهور المسرح، مع عدد من المخرجين من خلال التصاميم والديكورات الخاصة بخشبة المسرح، وكان ذلك بالطبع مخالفا تمام للمسرح التقليدي. إذ نجد “إبراهيم حمادة” يعرف المسرح التجريبي بقوله المسرح الذي يحاول أن يقدم في مجال الإخراج ، أو النص الدرامي أو الإضاءة أو الديكور .. أسلوباً جديداً يتجاوز الشكل التقليدي، لا يقصد تحقيق نجاح تجاري، ولكن بغية الوصول إلى الحقيقة الفنية وعادة ما يتحقق هذا التجاوز عن طريق معارضة الواقع والخروج به إلى أفق الخيال، بل المبالغة في ذلك الخروج في بعض الأحيان”.٦*
يتبع ..
——————————–
الهوامش
١*- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت-لبنان،1997م، ج1مادة جرّب،ص261.
٢*- إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، المكتبة الإسلامية، للطباعة والنشر والتوزيع ،اسطنبول،ج1،ط2، 1392ه1972 م،ص144.
٣*- الفيروز آبادي، القاموس المحيط، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ج1، 1920م، ص60.
٤*- “عمر حفيظ”، التجريب في كتابات إبراهيم درغوثي القصصية والروائية ،المطبعة المغربية، للطباعة والنشروالاشهار،ط1 ، 1999م،ص 09
٥*- بوشوشة بن جمعة ، التجريب وإرتحالات السرد الروائي المغاربي، المغاربية للطباعة والاشهار والنشر ،تونس،ط1، 2008،ص31
٦*- “إبراهيم حمادة”، معجم المصطلحات المسرحية والدرامية، دارالشعب،دط،1971م، ص134.
شاعر وناقد من الأردن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي