الرئيسية / الأعداد / رشيد هيبا: رجل مسرح أعرفه- كريم بلاد

رشيد هيبا: رجل مسرح أعرفه- كريم بلاد

رشيد هيبا: رجل مسرح أعرفه 

كريم بلاد*

من علامات الإجادة في الإبداع الإقلالُ، وهو معيار اعتمده منذ فجر النقد الأدبي العلامة محمد بن سلام الجمحي في مصنفه الشهير “طبقات فحول الشعراء”؛ بحيث صنف ضمن طبقات متقدمة شعراءَ مقلين، ولم يهمَّه أن يكون الشاعر مكثرا لكي يحظى بالقبول، بَلَّه بالتقديم على بقية الشعراء.

وأنا- إذ أقدم الباحث المسرحي الدكتور رشيد هيبا- أعتمد المعيار نفسه، وأعتبر أن الإقلال خصيصة قيمية، وسمة بارزة، ينفرد بها الكتاب والشعراء والمسرحيون الذين يصرون على احترام أنفسهم واحترام القارئ معهم، فهم يكتبون أو ينشرون ما لا يضر به، وما يجعله في شوق إلى المزيد. ويحضرني مثالا أحمد المجاطي / المعداوي، وهو رجل ناقد وشاعر عارف بالشعر ونقده، مُقِلٌّ غيرُ مُكثِر، نشر في حياته كلها ديوان شعر وحيد هو “الفروسية”، وكتابا نقديا واحدا[1] هو “أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث”، وكتب مقدمة واحدة لديوان “حب” لإبراهيم السولامي، ووجدت له مقالا واحدا يتعلق ببنية الإيقاع في الشعر العربي منشور بمجلة الوحدة، عبارة عن فصل من كتابه سالف الذكر. ولا شيء غير ذلك في حدود علمي المتواضع. ومع ذلك، فهو الشاعر المؤسس والمبدع النحرير الذي قدر على مواجهة أعلام الشعر العربي الحديث، كأدونيس والبياتي ونزار قباني… وأنزلهم من أبراجهم الشعرية العالية.

وأعتبر رشيد هيبا على طراز المقلين، اطلعت قبل عقد ونصف عقد من الزمان على مسرحيته “لعبة الشيطان” التي ألفها من أجل المشاركة في مهرجان المسرح المدرسي بتارودانت، ثم ها هو يقدم على نشر عمل مسرحي إبداعي جديد، هو “سوق المداويخ”[2]، النص المسرحي الذي يجنح إلى التراث مادة، وإلى الحساسية المسرحية الجديدة شكلا وبناء، فهو لم يعتمد الفصول والمشاهد، على خلاف الكثيرين، ولكنه ارتأى أن ينتهج أسلوبا قريبا مما درج عليه رواد المسرح المغربي الحداثيون مثل الطيب الصديقي والمسكيني الصغير وعبد الكريم برشيد، إنه يقيم النص بناء وفق ما تفرضه الحكاية وشخوصها، ووفق رؤيته للعالم، ورهانات النص لديه.

وفي “سوق المداويخ”، نجد إلى جانب التقديم الذي وضعه الدكتور المختار النواري، لائحة بأسماء الشخصيات المسرحية للضرورة الفنية، ومجموعة من المقاطع تحمل العناوين الآتية: 1. خروج الشيخ، 2. العرافة، وفيه: اليوم الأول حلقة الضحك، وحلقة اليوم الثاني رحلة المعرفة والعذاب، واليوم الثالث بصر وموت، 3. أبو العبر، 4. سوق المداويخ، 5. مشهد المحاكمة. ويبدو أنه نص مسرحي طويل، يقع في تسع وتسعين صفحة بعد المائة.

ولست في هذ المقام في معرض تحليل النص، أو تقديم قراءة نقدية فيه، فهذا مما لا يسمح به الحيز المخصص لهذا العمود، ولكني أسعى إلى الكشف عن رهان النص، وتأطيره في سياقه الثقافي اليوم بناء على جملة من المقالات النقدية التي رافقت صدور المسرحية احتفاء. يتعلق الأمر أولا بظهور النص في سياق ثقافي عربي جديد، ولكنه مشابه لسياق ثقافي عربي قديم، من حيث المؤثرات السياسية والحضارية التي أنتجته، ومن حيث الانعكاسات التي أرخى بظلالها على واقع الأمة العربية، لذلك استجاب النص لتلك التحولات، وشاكل بين الحضور العربي القديم ونظيره الجديد، خاصة في ظرفية عرفت تحولات جذرية مست بنية المجتمع اجتماعيا وسياسيا، خصوصا بعد توالي النكبات والنكسات والهزائم وإخفاقات الثورة المزيفة.

يسعى النص “المداويخي” إذن إلى تحقيق:

  • رهان فني، ويتصل بسعيه على كتابة فنية مغايرة، تدعم حضور جنس المسرح منافسا لبقية الأجناس الأدبية؛
  • رهان اختيار الكتابة المسرحية المعتمدة على الحلقة وبنائها الهندسي في بلورة الحدث وتقديمه؛
  • رهان تراثي تمثل في توظيف اللغة الشعرية والشعر نفسه في خطابات جل شخصيات المسرحية؛
  • رهان رمزي، برز على مستوى الحمولة الرمزية التي حفلت بها الأسماء المختارة، ودلالة حضورها في المتخيل الجمعي العربي؛
  • رهان سياسي مرتبط بإشكالية الفعل السياسي حاليا…[3].

ويبقى نص “سوق المداويخ” بحاجة إلى عودة نقدية أصيلة ورصينة.

المراجع:

[1] نشرت رسالته “ظاهرة الشعر الحديث” بعد وفاته.

[2] صدر عن أنفو-برانت بفاس في طبعته الأولى عام 2024. ويقع في 199 صفحة من القطع المتوسط.

[3] مدنا الكاتب نفسه بجملة منها، أثبتناها جلها.

 

ناقد وباحث في المسرح

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً