أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / العدد التاسع والستون / أمازيغيات / الأخ الأكبر: حارس القيم وراعي العائلة – عمر ايت سعيد

الأخ الأكبر: حارس القيم وراعي العائلة – عمر ايت سعيد

الأخ الأكبر: حارس القيم وراعي العائلة

عمر أيت سعيد*

 

الأخ الأكبر في كل أسرة هو مثل تلك البذرة الأولى التي ينبتها الحقل لأول مرة، حيث بقدر فرح الفلاح بظهورها ونموها، بقدر انشغاله بها؛ أحيانًا بالعناية بها، وأحيانًا بزجرها، وقد يؤدي ذلك إلى تألّمها في صمت.

في قرية التين والزيتون واللوز والورد، كان لموحى أخ أكبر يصفه دائمًا بـ “المتحدّي للصعاب”. أخٌ تعلّم منه موحى كل شيء: المشي والجري، والصبر واللعب، والصلاة والدراسة والكتابة. أخٌ ليس ككل الإخوة، لأنه بكل بساطة زرع الأمل في قلوب إخوته، صغارًا وكبارًا.

نشأ موحى كباقي إخوته في بيئة فلاحية صعبة، علمته التحمل والصبر، والاندماج والرضى بالقليل. فأخو موحى الأكبر كان دائمًا في الواجهة؛ إن كان الجو باردا فهو الأول يذوق قساوته، وإن كان حارًا فهو الأول كذلك يذوق مرارته.

بدأ موحى تعلّم السقي والحرث وكل أعمال الحقول بتوجيهات من أخيه الأكبر. تعلّم موحى كيف يغتنم فرصة سقي الحقول، وتعلّم السقي والفلاحة بفضل أخيه الأكبر. تعلّم كيف يلعب كرة القدم بفضل أخيه الأكبر. تعلّم موحى كيف يقصد المسجد ويصلي بفضل أخيه الأكبر. تعلّم موحى الكتابة على الرسائل والتعبير عن المشاعر بفضل أخيه الأكبر. بعد أن تعلّم كل هذه الأشياء، أصبح قادرًا على مواجهة الحياة وأطوارها، وأصبح قادرًا على التغلب على مطبات الامتحانات وفخاخها، حتى صار موحى طالبًا.

وهنا لم يكتفِ الأخ الأكبر بتعليم موحى، بل جعله شريكًا له في حياته، فتقاسم معه جل الأسرار التي يكتنزها قلبه، بل تقاسما معًا الحنظل والعسل. كان موحى هو صلة الوصل بين الأخ الأكبر ومدبّر الأسرة الكبيرة، هو حامل الرسائل، وهو المساعد والرسول الأمين للأخ الأكبر في كل مغامراته وقراراته.

يتذكر موحى ذات صباح بارد في فصل الشتاء، حينما قرر الأخ الأكبر الالتحاق بالجامعة، حيث تكلف موحى بمرافقته ليمتطي الحافلة التي تمر عبر القرية ساعة الفجر. كان موحى يجر الدراجة الجديدة للأخ الأكبر، وهذا الأخير يحمل أعباءه وزاده من ملبس وقليل من الثمرات والزيت وأشياء أخرى، كانت بمثابة دعم لوجيستيكي تساهم به تلك الأم العظيمة التي لا مثيل لها في العطاء.

لا يزال موحى يتذكر ذلك الصباح البارد، حيث استيقظ باكرًا وخرجا إلى جنبات الطريق الرئيسية الوحيدة بالقرية، فاحتميا تحت أقواس السوق الأسبوعي، مفترشين الكارتونة وهما لا يباليان لا للبرد ولا للألم الذي يحدثه، لأن الأمر في الخلاص يكمن في الرحيل؛ لأن حل الفقراء هو طلب العلم ولا شيء غير العلم.

تلك الدراجة الحمراء ساعدت أخاه الأكبر على اكتشاف خبايا مدينة مراكش الحمراء وعبقها وجمالها، واستعملها موحى كذلك عند التحاقه بأخيه بمراكش. تلك الدراجة كانت هدية من أخ آخر لأخي موحى الأكبر. هدايا ذلك الأخ كانت يُلفها جيدًا في كارتون ويكتب عليها عبارة رائعة تزرع الأمل في القلوب، إنها عبارة “إحلا ووال” بمعنى “الحياة جميلة”. قد ينسى موحى كل شيء في حياته، إلا هذه العبارة العميقة التي خلقت في نفسه صورة طيبة عن هذا الأخ الذي طالما عاش بعيدًا عن الأنظار في بلاد المهجر، أي في بلاد عيسى عليه السلام.

بعد مرحلة التعلم في الصبا، ثم مرحلة التقاسم في الشباب، أدخل أخو موحى الأكبر موحى إلى عالم جميل، هو عالم الفن. فاشترى له قيثارة جميلة، قيثارة صفراء كالشمس، وكأنه بهذه الهدية يشير لموحى بالقول: “يا موحى، لا تتبع خطواتي، لا تتبع سبيل الكرة لأنني لم أحقق منها شيئًا، بل انكسرت أضلوعي وعظامي بسببها. خذ القيثارة يا أخي واحلم وغني ولا تبالي. غني عن الجرح، غني عن الألم الدفين الذي يسكننا منذ عشرات السنين، غني عن التهميش والإقصاء والتحقير، غني عن الحب، غني عن الأم العظيمة. غني ولا تبالي. غني يا أخي واكتب بألحانك عن كل الدموع التي أذرَفْناها يومًا”.

أخذ موحى القيثارة وقبّل رأس أخيه، وانطلق في بحر الإبداع دون فرامل، ودون أن يبالي لكل الأقنعة الصماء والطابوهات والفرامل الثقافية التي تعتقل وتسجن التفكير. فكسر موحى الحواجز، وغنى للجميع وأمام الجميع، بل ارتاح لأنه رفع صوته عاليًا، فاعتبر الحياة أغنية وجبت إذاعتها بإتقان.

صحيح أن لموحى إخوة آخرين ساعدوه كثيرًا حينما وقع وشجعوه على المضي قدمًا، لكن الأخ الأكبر لم يساعد موحى فقط في كل مرة يقع فيها منكسرًا، بل زوّده بشيء ثمين هو التحدي والأمل والكتابة. والكتابة ذَوَاءٌ وعلاج وصَفْرٌ في الوجود؛ بها وصلت التجارب والعلوم إلينا.

صحيح أن الأخ الأكبر في كل عائلة يعاني في صمت، فهو الأب الثاني إن فُقِد الأول، تُجَرَّب عليه العائلة كل النظريات في تربيته، قد يجنّ إذا لم يصبر، فهو يجرّ قطارًا من الأفراد. الأخ الأكبر جَنَّةٌ ومِلَادٌ ومَلَاكٌ، وجَبَ تقديره وإنصافه والإنصات إليه وإلى أنينه، فهو غالبًا لا يَبِينُ الأنين لأنه يخشى أن تسقط قلعة العائلة التي لطالما حماها ودافع عنها بكل ما أوتي من قوة.

باحث في الأمازيغية

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً