الرئيسية / الأعداد / المعري واستعصاء التصنيف – أيمن البزى

المعري واستعصاء التصنيف – أيمن البزى

  المعري واستعصاء التصنيف

أيمن البزى*

 

لا مراء في أن الثقافة العربية قد أفاضت في الكتابة عن أبي العلاء المعري، حتى كاد أن يستغرقها البحث والدرس تأملا وتمحيصا ونقدا وتأويلا، فتباينت حوله رؤى النظر بين معجبة بفرادة قريحته الأدبية شعرا ونثرا، وبين مجحفة في الحكم عليه باعتبار مسألتي الزندقة والتشاؤم. وقد خامرتني فكرة الوقوف على صورة هذا المفكر العربي في مرايا الدراسات الاستشراقية، واستجلاء الكيفية التي تلقى بها المستشرقون منجزه الأدبي، وما انتهوا إليه من تصورات وأحكام تتعلق بمنزلته الفكرية والأدبية، بمنأى عن الأحكام الأخلاقية والقراءات الاختزالية التي قزمت خطابه الأدبي. سأسلط الضوء في حديثي على دراسة الباحث الفرنسي دومينيك أورفوا الموسومة بـ ” المفكرون الأحرار في الإسلام ”

ينطلق أورفوا من تصور مؤدّاه أن معيار الجمال الشكلي يتسم بدور رئيس في الثقافة العربية، فلا يمكن المساس بأي شكل من الأشكال بنص يجسد معيار الجمال الشكلي بدرجة عالية. وقد مثّل لذلك بالمجون في أشعار بشار بن برد، إلى جانب الفخر الجاهلي الذي نتبينه في شعر أبي الطيب المتنبي، وهو ما يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي جملة وتفصيلا. لكن القيمة الفنية والجمالية هي التي حالت دون التهجمات الجدية التي تعرض لها هذا النوع من الشعر.

من خلال هذه المنطلقات المدخلية السالفة الذكر يمكن الوصول إلى حقيقة مفادها الاعتقاد الجازم بأن العامل الجمالي يشكل مكونا بالغ الأهمية من مكونات الثقافة العربية؛ إذ إن جودة الصناعة الشعرية وإحكامها في إطار ما قرره النقاد العرب القدماء وانتهوا إليه فيما سمّاه المرزوقي في مقدمة شرحه لديوان حماسة أبى تمام بـ (عمود الشعر) وكذا الجمال الشكلي ” كانا يستطيعان أن يجنّباها جميع المغبّات تقريبا. ومن هنا أهمية ما خلّفه لنا المعري من عمل شعري رفيع جدا تجاوز المجون الفكري كما الهاجس الديني المحض ” 1

يشير أورفوا في دراسته حول أبي العلاء إلى تصور ابن الجوزي، الذي اعتبر أن إيمان المعري إيمان مترجرج، مع إيراده لتهم الإلحاد الموجهة إليه من قبيل علماء آخرين، إلى جانب المقاربة بينه وبين البراهمة فيما يتصل بانتقاده للأنبياء والشرائع الدينية على وجه العموم. والتصور نفسه نجده حاضرا في الثقافة العربية، على سبيل المثال لا الحصر عند عبد الفتاح كيليطو في كتابه الموسوم بـ ” أبو العلاء المعري أو متاهات القول ” إذ حاول مقاربة النص المعرّي بوصفه فضاء من الدلالات المتعددة والاحتمالات المفتوحة، كما وضع في كتابه قولا لابن الجوزي موضع مسائلة، باعتبار أن قائل الخبر هو الخطيب التبريزي – تلميذ المعري، الذي عايشه فترة من الزمن ليست بالقليلة، وكذلك إسناد التبريزي الخبر إلى المجهول (وقد حكي لنا).

يلحظ أورفوا تضاربا حول تصنيف شيخ المعرّة، فهذا فون كريمر يصر على أن المعري مفكر حر، وهذا سالمون يذهب إلى أن أبا العلاء معاد للدين حتى العظم وبأنه مادي تماما، ومن جانب آخر يعتبر نيكلسون المعري مفكرا شكاكا، كما قدم تصورين لكل من المستشرق الألماني كارل بروكلمان وعائقة بنت الشاطئ، حيث اعتبرا المعري شاعرا قبل كل شيء.

يقر صاحب هذه الدراسة عدم إخضاع المعري إلى منطق هذه التصنيفات، بل النظر إليه بوصفه قامة مرموقة تفتن الذي يتكلف عناء الدخول إلى تجربته الفنية والجمالية، بالاعتماد على بعض الأشعار من ديوانه ” لزوم مالا يلزم ” وإن كنا لا نشاطره الرأي؛ إذ لم يأخذ بعين الاعتبار التطور الحاصل في درس أبي العلاء الشعري بعد إقامته في بغداد، وذلك بدليل قوله ” ولكننا لا نستطيع أن نعتمد هذا التطور المذكور، بل نلتزم التعامل مع الديوان كما ورد ” 2 ونحن نرجّح أن شعر المعري قد مرّ بِمَسيرٍ تطوري بَيّن تبدّت آثاره في موضوعاته وبنيته الفنية والجمالية، ولعلّ أبرز ما يعضّد رأينا أن الشعر الذي قاله المعري في مرحلة صباه ـ ونعني بذلك الشعر الوارد في ديوانه الموسوم بـ ” سقط الزند ” ليس هو الشعر الذي ورد في ديوان اللزوميات، باعتباره منجزا حافلا لآراء المعري ونظرياته المتطورة في نواحي الحياة المختلفة، دون أن نغفل التطور الجمالي في أشعار هذا الديوان؛ حيث استطاع أن يلتزم في قافيته حرفين بدل حرف واحد، إذ من المعتاد في القافية أن تكون على حرف واحد وهو الأخير، فالتزم المعري ما لا يلزم من اعتماد الحرفين الأخيرين من الروي قافية له.

إجمالا، يعرض أورفوا بعض أشعار أبي العلاء، وقد حاول التعليق عليها والوقوف عند دلالاتها، وخلص في الأخير إلى أن شعر المعري يميل في المقام الأول إلى ما سمّاه (الرمزية) و(احكام المعاني) باعتبار أن المعنى المعبر عنه ـ الغرض الشعري – يحمل دلالات جمّة، في حين نجد أن الشعر العربي في مجمله يميل جداً إلى الجمالية، وهو ما يجعل من الدرس الأدبي عند شيخ المعّرة منجزا بالغ الأهمية يترسخ في الذاكرة.

محصول النظر على سبيل الاستقصاء، يرجع الرواج الذي حضي به الدّرس العلائي على الرغم من التضييق الذي لحقه أساساً إلى قيمته الفنية والجمالية، فهذا العامل تصدّى إلى مجمل الأحكام العقدية والأخلاقية، التي تراكمت فيما بينها بمعزل عن النسق الجمالي الذي اتسم به شعر أبي العلاء. ولعلّ أهم ما ينكشف لنا أن الاختلاف في المنطلقات النظرية والتباين في المقاصد التأويلية في محاولة الوقوف على طبيعة التفكير عند أبي العلاء، يشكل نموذجا يأبى الانضواء تحت تصنيف نهائي، فما من باحث حاول أن يحدد منظوره الفكري قطعا، إلا وجد نسفه بإزاء نصوص مخاتلة. وليس بغريب عنا هذا الاختلاف، فهو يقف شاهدا على ثراء النص المعرّي.

 هوامش:

1 ص 174 ـ المفكرون الأحرار في الإسلام ـ دومينيك أورفوا ـ ترجمة جمال شحيّد ـ دار الساقي.

2 ص 176 ـ المفكرون الأحرار في الإسلام ـ دومينيك أورفوا ـ ترجمة جمال شحيّد ـ دار الساقي.

كاتب من المغرب

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

جمهورية انقطاع الانترنت: خيال طوباوي – ليال الحربي

ليال الحربي*   الدولة العراقية تتخذ قرارا تاريخيا لا يقل شأنا عن اكتشاف النار، فالنار …

اترك تعليقاً