قصص “كائن ليس على ما يرام” بين البعد النفسي والاجتماعي

عمرو گناوي*
غالبا ما يطرح تحليل الخطاب القصصي. للق.الق. جدا إشكالا أدبيا ونقديا مزدوجا، حيث يراهن قارئ هذا النوع من الخطابات، في أحيان كثيرة، على إرضاء صاحب النص من خلال محاباته أو مدحه وإطرائه. ذلك أن هذا النوع من النقد للعمل المعد للتقديم أو التقييم، قد يفسد على صاحبه ذائقة الإبداع، ويلوث طعمه وماءه ويذهب بملوحته، ويفقده قيمته الأدبية. بل وينفر المبدعين والقراء، ويحرمهم من حسنات تقويم العمل أو تقييمه. والحقيقة أن العمل الأدبي لا مناص له من بعض النقود التي تعود بالنفع على المبدع والمتلقي معا، سواء من حيث تيسير الفهم أو تقريب الهوة بين المتلقي والعمل الأدبي.

في هذا السياق بالذات، يأتي منجز القصة القصيرة جدا “كائن ليس على ما يرام” لعبد الله فراجي، الصادر عن مطبعة وراقة بلال (2024). فبمجرد استلامي لهذا العمل، تملكني مزيج من الاعتزاز والتهيب، بسبب ما عهدت في أعماله من قدرة فائقة على الإبداع ولذاذة الخطاب، ودفق شعري لا يقاوم.
ولعل هذه المواصفات وغيرها من حسنات الكتابة، لا تكاد تفارق إبداعات عبد الله فراجي. فهو صاحب الدربة في مجال الارتقاء بالنص الأدبي إلى مستوى عال من التأمل والجمال. لقد استطاع بفضل تمرسه وتعدد عطاءاته وغزارة علمه، أن يزود المكتبة العربية بكثير من الأعمال الوازنة في مختلف الأجناس الأدبية، ضمخها بمُسحات تأملية تثير القارئ وتجعله أكثر إقبالا على قراءتها. ومن الأعمال التي لقيت إقبالا كبيرا لدى القراء: ديوان “المرآة والبحر” (2010)، و”تراتيل الجمار الخابية” (2018)، والمجموعة القصصية “خطوط ومنعرجات” (2014)، وديوان “على شفير السقوط”(2021).
قبل أن يطالعنا الآن بعمله “كائن ليس على ما يرام” في مجال الق. الق. جدا، الغارقة في الإشكال والصدامية.
ومن باب التذكير، فإن الق. الق. جدا، باعتبارها جنسا أدبيا مستحدثا، قد عرفت انتشارا واسعا، وتطورا مطردا منذ سبعينيات القرن الماضي. فكانت بداية تألقها في أمريكا اللاتينية، حيث تراوحت نصوص روادها، بين السطر الواحد، كما فعل أوغستو مونتيروسو، في أحد نصوصه التي لم تتجاوز سبع كلمات، حيث يقول:
“وعندما استيقظ كان الديناصور ما زال يجانبه”، في حين تعد قصة” حذاء الطفل” لإرنيست هيمانغواي، أقصر قصة على الإطلاق. يقول في نص لا يتجاوز ست كلمات: “للبيع حذاء لطفل لم يلبس قط”.
أما في المغرب، فقد بدأ الاحتفاء بهذا الفن منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث احتل الصدارة فيه كل من محمد العتروس في مجموعته الأولى”هذا القادم”(1994)، وحسن برطال في”أحد عشر كوكبا”(1919) وغيرهما. ومما تذكر من النساء، فاطمة بوزيان في “ميريندا”(2008).
وبصدور” كائن ليس على ما يرام”(2024)، يكون القاص عبد الله فراجي قد خبَر جنسا أدبيا هو الأقدر على التعبير عن هموم الحياة، والأكثر احتواء لمشاكل الإنسان المعاصر وقضاياه.
إن أول ما يطالعنا في عتبة هذا المنجز القصصي، ورود لفظ “كائن”، كشخصية نكرة، من المرجح جدا أن يكون قد طالها كثير من التجاهل والتبخيس، مما جعل السارد يعتبرها كائنا من كائنات ليست على ما يرام. ويأتي تنكير هذه الشخصية، بحجة افتقارها لصفة الكرامة والسيادة، وعدم أهليتها للانضمام لمجموعة الهو، كما سبق أن أكد على ذلك مكتوب اللافتة ومنطوقه ” من لم يكن سيدا فلا يدخل علينا (ص: 1). فإذا كان لا يُسمح لأنا/ المعرفة اقتحام عالم الهو، فطبيعي ألا يكون الأمر ميسرا بالنسبة لشخصية” كائن” النكرة.
لقد حاولت “الأنا” مرارا اقتحام عالم الهو، كما حدث في قصة” بين أنا وهو”، لكنها قوبلت بالصد والإبعاد، وبات من المؤكد ألا يكون الأمر ميسرا بالنسبة لشخصية دخلت خلسة: “قلت له: لا يحق لك أن تدخل هكذا بدون إذن، فلا أنت من أهلها، ولا هي مشرعة في وجهك،
رماني بنظرة خاطفة، ثم أطلق الرصاص الذي كان بين أسنانه. من قلبها أخرجني”
ومن حسن الصدف أن شخصية “كائن” النكرة، ستحظى بوضع اعتباري، حين تضحى جزءا لا يتجزأ من الأنا.
أما وقد تصدرت كلمة “كائن” عتبة العنوان، فلأن ثمة ظروفا موضوعية أفقدتها هويتها، إلى حين ظهور ضمير الأنا، الذي سيكشف عن بعض قسماتها، حين أدركت الأنا وجود تشابه بين حالها وحال النكرة المذكورة، وهو ما استبق السارد إلى ذكره في إحدى العتبات الداخلية بقوله: “وحتى أنا لست على ما يرام”(ص: 65).
ومنذ تلك اللحظة الفارقة، ستدخل شخصية المتكلم في صراع مرير مع شخصية الغائب لتحول دون إثبات شخصية “كائن” وتثبيت وجودها، في انتظار أن تسمح الظروف لاحقا بتحديد معالمها والإفصاح عن هويتها، ساعة تصير الأوضاع على ما يرام. يتأكد إذن أن وجود “كائن”، مستمد من وجود أنا الكاتب. أما الأنا والهو، فيشكلان عبر مسار القصة مركز الأحداث، ويتحكمان في دواليب مجرياتها، حتى لتنبئ حركتهما عما ينتظره الإنسان من سوء الطالع واختلاف الأقدار وتقلبات المصائر. ففي الوقت الذي تمثل الأنا الجانب الواعي المُعَقِّل للمعرفة، تقرأ الواقع، تنقده وتكشف عن خباياه، على أمل تحقيق التوافق بين مجموعة من القيم الاجتماعية، تشير الهو إلى الجانب الغريزي من الذات، في مسعى حثيث لتلبية الرغبات الأساسية والجنسية، كما يفصح السارد عن ذلك في ص: 9 بقوله:
” لا يفرح إلا في حضرتهن، يمازح يضحك، ينافق، يدغدغ، يختلي يتحول نحلة تطير بين الزهور”
هذه المشاعر، سرعان ما ستمتزج بمشاعر الجوع والعطش، كما يحكي السارد عن قصة” هرطقة الإيمان” مرددا: “وحق الكأس في يده، والتي نصفها فارغ، وأنه ما عب منها شيئا…لمن أجهزه المتهافتون الذين يحومون حوله باحثين عن لذاذاتها قام من بينهم وازدردها”
وحتى نتمكن من أبعاد ثنائية الأنا والهو في علاقتها بصدامية النفسي والاجتماعي، وفكرة الصراع بين الخير والشر، نورد مؤشرين أو مقطعين دالين تنبآ بأنوار هذا الصراع منذ بداية هذا الحكي، قبل أن يصبحا مؤشرين على تأجيجه وإذكائه:
1- مقطع الهو :
الذي يؤكد على أهمية هذه الشخصية الآمرة الناهية، المتحكمة في دواليب الأمور الجارية، حين اقتضى أمرها المطاع، أن تكتب على مكان اللقاء عبارة: “من لم يكن سيدا فلا يدخل علينا”(ص: 1)، والتي ستعمل لاحقا بنص قانون الالتحاق، المعلق بالداخل: “تطاول فوق الكرسي ثم علق القانون على باب مخدعه في هدوء”(ص: 4). ومعلوم أن للمكان هنا خصوصيته وطقوسه، ينقطع إليه الهو ومريدوه لمحاولة تفعيل أنشطتهم وإشباع نزواتهم.
وباعتبار الأنا شخصية ناقدة، والهو شخصية نافذة، فإن الأولى لم تكن تتوقف عن استنكار ممارسات الثانية وسلوكات مريديها. وكون “كائن” يمثل جزءا لا يتجزأ من الأنا، فإن موقفه سيجاري بالضرورة موقف الأنا، وينصهر فيه لمواجهة هيمنة الفكر الظلامي المتطرف.
وبالرغم مما اكتسبته شخصية “كائن”، من وضع اعتباري، فإن ذلك لن يكون كافيا ليكسبها شرط السيادة والاطمئنان على وضعها ومصيرها، حتى تتاح لها فرصة الانضمام لمجموعة الهو، كما نص على ذلك منطوق عتبة اللافتة.
2- مقطع الأنا :
يمثل ضمير الأنا في هذا المقطع الوجه الآخر للشخصية. ويكمن دوره في إسماع صوت العقل، أثناء تعامله مع ما يسود الواقع من ترهات، مستنكرا السائد من الممارسات المشينة، تحذوه الرغبة في تحرير الإنسان من أوهام الفكر الخرافي، التي طالما قضت مضجع الشخوص المغرر بها، على امتداد فضاءات الهو وتُبّعه. تقول شخصية الأنا متى مرت بعتبة المكان:
“كلما مررت به، وشممت روائح عطنه وبخوره، وأدركت ما في ترهات كؤوسه، غرقت في مزيج من الحرقة والغثيان …”(ص : 8). وهي الفكرة التي رامت تحقيق نوع من التوافق مع متطلبات القيم الاجتماعية وإملاءاتها، ضدا على هرطقات “الهو” وسلطة مريديه.
أما على مستوى بناء المجموعة القصصية، فيتعلق الأمر بستة وسبعين نصا قصصيا، يختلف من حيث القصر والطول كقصة “هرطقة واعظة”، التي لا تتجاوز ثلاثة أسطر، وقصة “مسخ للنسيان” التي تغطي ثمانية أسطر. كما تختلف هذه النصوص من حيث شكل بنائها حد تجزيئها، واعتماد عتبات الهوامش في تذليل صعوبات بعض مصطلحاتها (هامش ص19 مثلا). مع توظيف طباعة الحروف وتثوير دلالاتها، كما في ص: 25و26، واعتماد لغة انخفاض الصوت وتأتأة قصة “سر اليقين”، قبل اللجوء إلى لغة الصمت التي تختتم بانقطاع الصوت تماما. وللغة الألوان في الكتابة القصصية نصيب من الحضور، من قبيل لغة الأبيض والأسود (قصة: “بياض في سواد”، ولغة الحذف، كما في قصة “تسبيح”.. إلخ.
كما تنتظم النصوص القصصية، وفق تقنيات أخرى، خاصة بفن كتابة الق.الق. جدا في كثير من تجلياتها الحداثية، من قبيل شعرية البياض ومفارقة الساخر، وسمفونية الترقيم، وظاهرة التناص “تعالوا سأسبح مثل عباس بن فرناس بلا حدود”(ص: 5). وكلها تساهم في تجويد العمل القصصي، فيزداد المتلقي جراءها انجذابا واندهاشا، فضلا عن تقنية التكثيف وسرية القفلات التي تدفع القارئ إلى الرغبة في مزيد من الدهشة والاندهاش والاستمتاع. يقول السارد في خاتمة قصة” هرطقة واعظة”:”في صلوات النهار ينصح المؤمنون بكأس الآخرة”، والأمر شبيه بذلك في نهاية “قصة فراغ”..إلخ.
وقد كان من دواعي توظيف شخصيتي أنا وهو، خلق توترات داخلية، وتعزيز الحبكة، والمساهمة في تطوير الأحداث، تمخضت عنها بالضرورة تمظهرات نفسية واجتماعية على قدر كبير من الاقتتال. فليس غريبا أن يتعاظم موقف الهو ومريديه التُّبَّع على حساب الأنا، نظرا لقوة حضورها، وتفاهم درجة توتر العلاقة بينهما وبين باقي الشخصيات، ومدى تعاملها مع معطيات الواقع، مما سيضفي على هذه المجموعة القصصية، طابع مساءلة الواقع ونقده، بداية من الاستهلال الذي انفتح الصراع بموجبه، واللاوعي بين الخير والشر، وصولا إلى الخاتمة، التي أكدت نهايتها، أن كل شيء على ما يرام، كما انتهت إلى ذلك قصة “مسخ للنسيان”.
بهذه المجموعة القصصية “كائن ليس على ما يرام”، يكون القاص عبد الله فراجي، قد تمكن من تطوير هذا الجنس الأدبي، متجاوزا بذلك كثيرا من التجارب القصصية الحديثة والمعاصرة، فاستحق عليه المدح والثناء. فطوبى للكاتب على هذا الإنجاز! وهنيئا للمتلقي بنعمات القراءة والإقراء!
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي