باب الروح للزجال إدريس بن العطار

المختار النواري*
بإصدار ديوانه الجديد (باب الروح 106ص)، يشرع علينا إدريس بن العطار باباً من روحه وإليها، لتَهُبُّ علينا نَسماتٌ من ريحها، ولتلفحنا لوافحُ من شواظها، لنطلَّ على لواعجها وفواجعها، ورواجعها ونواجعها، ومقضّاتها ومهداتها، وآلامها وآمالها، ومُتعِبها ومُلعِبها، ومغضبها ومبغضها، ومنعشها ومرعشها، ومفرحها ومقرحها، ومسْكرها ومكسِّرها.
ولنشرع من باب الروح ما قرّبته لغة الديوان وأقسامه الثلاثة، من غاديها وجائيها، وباكرها ورائحها، وتالفها وخالفها، وسالفها وحالها، ونافيها وباقيها… (طريق الغادي والجاي صص 7 ـ 35)؛ ومن قولها وحولها، وحديثها وحدثها، ووعودها ووجودها، وعقلها وفعلها، وصَوْلها ووصلها، وقلقلتها وجلجلتها، وتعويذتها وتلويذتها… (من قولة أنا صص 37 ـ 58)؛ وحياتها وموتها، وصرخها وخرسها، وبوحها ونوحها، وطوحها وطرحها، وبقائها وفنائها، ووقعها ورفعها، وسعيها ونعيها، ونشرها وحشرها، وانشراحها وانكسارها… (عيش موتك صص 59 ـ 104).

مجموعاتٌ ثلاثٌ، شكَّلت أعمدةَ هذا الديوان، بكمّ قصيدي متقاربِ (6 ـ 5 ـ 6) وببناء مقطعي متباعد (ما بين سطرين إلى أربعةَ عشرَ سطرًا).
وتشدُّك إلى الديوان مِشدّات أربع أو خمس:
أولا ـ الاختصار الإهدائي الجامع: «إليكم… إليكن»، فباختصاره، الذي لا اختصار بعده، جمع فأوعى، وقال كلَّ شيءٍ في أقلِّ شيء.
ثانيا ـ عتبة ظهر الغلاف الخارجي، والتي تتحول خلفية لوجه الغلاف، وهي نفسها التي سنجدها عتبة للمجموعة الثانية (ص 37)، وبهذا التوظيف المتعدد، يكسر الشاعر الداخل والخارج، والوجه والظهر، والظاهر والخلفي. فيبين إلى أي مدى يكون الصوت واحدا والسياقات مختلفة، وبها تختلف الدلالات وتتعدد.
ثالثا ـ العتبات كذلك المدوّنة تحت عنوان كلِّ مجموعةٍ من المجموعات الثلاث، وكانت عبارةً عن مقطعٍ شعريٍّ من أربعة أسطر، مرتبطة ارتباطًا موضوعيًّا ومعجميًّا بالمجموعة وعنوانها، على شاكلة:
1ـ المجموعة الأولى: “طريق الغادي والجاي”، وكانت عتبتها المدخلية بصورة:
هذا الطريقُ وصالةٌ
واخا طويلةٌ،
وفين الصبر يقيل
خاصّها ظليلةً (ص 7).
2ـ المجموعة الثانية: “من قولة أنا…”، وتفتتح بالقول العتبي التالي:
ملي الكلمة تقطع كلامي
نعود من سكاتي نخاف
حيث أنا غ شوية من أحلامي،
ومن همومي أنا بزاف (ص 37).
3ـ المجموعة الثالثة: “عيش موتك”، وجاء في عتبتها:
وحيث الموت علينا حقّ
تعالوا نحَتْحتوا أرواحِنا من البهوت
اللي نطق ينطق بالصدق
فعلُو وكلامُو في الميزان خوت (ص 59)
وممّا يجعل هذه العتبات مداخلَ شعريةً، تُفتتح بالشعر، وتجعل العتبة الشعرية مؤطرا وموجها لها، تحكمها بنظرة، تُسيِّج ما يَرِد داخل المجموعة، وتحفُّها بنبرة، ترسم مساراتها، وتفتح آفاقها، وتعمِّق استغواراتها.
فالطريق موصِلةٌ مهما طالت، ولا بدَّ فيها من محطاتٍ للاستراحة، يُروِّح فيها عن الصبر، ويستظلُّ فيها عابرها. ومن تمّ فالطريق والطول، والاستراحة والصبر، والترويح عن العابر، وضرورة الوصول، كلُّها مسيجاتٌ دلاليةٌ أساسيةٌ للمجموعة الأولى، المعنونة بـ”طريق الغادي والجاي”.
والكلمة الواحدة المتصلة المتعجرفة تقطع على الشاعر كلامَه، وتخلق فيه عقدة عكسية للخوف، لا من الكلام فحسب، بل حتى من الصمت؛ لأن الشاعر حفنةٌ من الأحلام، وأكوامٌ من الهموم. وتُقدِّم هذه النتفات مؤطرات لعوالم وقضايا المجموعة الثانية، المعنونة بـ”من قولة أنا…”.
أمّا الموت، فهو أمرٌ حتميٌّ، وحقٌّ يُلزِم بتنقية الأرواح من الزيف والنفاق والبهتان، لينطق كلُّ من نطق بالصدق، ويزكّي فعلُه قولَه. وهي تصوّراتٌ تختم السلوك الحياتي بالموت، وتراعي حضوره في كل ما يُقال ويُفعل، وتحكم المجموعة الثالثة المعنونة بـ”عيش موتك”.
ومن تمّ، فإن عتبات المجموعات لم تكن مجرد مقاطع مستلَّة من إحدى قصائد المجموعة، وإنما كانت شعرًا مكتوبًا على الشعر، وإطارًا يسيّج قصائد المجموعة، مكرّسة تصوّر العتبة العمراني بأن مدخل الدار، أو باب البيت، يدل على ما بداخله؛ إن جمالًا وإن إهمالًا، إن زينا وإن شينًا، إن تحفةً وإن خربةً. ولعلّ في الشق الأول من العنوان (باب)، والإصرار على اعتماد الباب بوّابةً لهذا الديوان، ما يشي بأهمية المداخل والعتبات؛ إذ تغدو العتبة عنصرًا أكبر قيمة من المتن، بالقدر الذي تنفتح عليه، وتُعتبر مفتاحا له، بل تُسهم في توجيه القراءة، وتحديد أفق التلقي منذ اللحظة الأولى المشارفة على ولوج النص.
رابعا ـ القصيدة ـ العنوان
عادةً ما يميل كثيرٌ من الشعراء إلى اختيار عنوان إحدى قصائد الديوان عنوانًا للديوان نفسه، فتغدو للعنوان وظيفةٌ مزدوجة، ويحدث نوعٌ من التناسل والامتداد بين العنوانين: عنوان الديوان وعنوان القصيدة. ويكون ذلك في حال القراءة الاستكشافية من الأول إلى الثاني ـ أي من عنوان الديوان إلى عنوان القصيدة ـ وفي حال القراءة التحليلية من الثاني إلى الأول ـ أي من عنوان القصيدة إلى عنوان الديوان ـ وذلك بإعادة تنزيل الطريقة البنائية، التي يعتمدها الشاعر في إنجاز مكتوبه، وبنائه التصنيفي لديوانه.
بل إن الأمر لا يبقى محصورًا بين العنوانين فحسب، وإنما يتجاوزهما إلى متن القصيدة نفسه، إذ يستدعي عنوان القصيدة كاملَ النص، الذي يندرج تحته، ويستحضره معه. وعليه، فلا يُقرأ عنوان الديوان بمعزل عن عنوان القصيدة، ولا يُقرأ العنوانان معًا، بمعزل عن متن القصيدة، لأن القراءة الصحيحة لأي عملٍ يتخذ عنوانَه من عنوان أحد نصوصه ينبغي أن تُبنى على قراءة العنوانين معًا، مقرونين بالنص الذي يحمل ذلك العنوان، حتى يكون البناء التأويلي بناءً صحيحًا ومتينًا.
وتأتي قصيدة “باب الروح” (صص 28 ـ 35) ضمن المجموعة الأولى المعنونة بـ”طريق الغادي والجاي”، وقد تشكَّلت من ثمانية مقاطع مختلفة في عدد أسطرها، فجاء توزيعها على النحو الآتي:
5 ـ 7 ـ 12 ـ 10 ـ 7 ـ 11 ـ 10 ـ 5.
ليعكس هذا التصنيف المقطعي هندسةً بنائية دقيقة وواضحة، تُشكِّل بناءً منهجيًّا متكاملًا؛ إذ تبدأ القصيدة بمقطعٍ من خمسة أسطر، وتنتهي بمقطعٍ مماثل، بما يوحي بنوعٍ من التوازن البنائي بين المدخل (5) والمخرج (5). أمّا المقاطع الوسطى، المشكلة لعصب القصيدة والمكونة من مقطعين (7 ـ 12 ـ 10) (7 ـ 11 ـ 10)، فتُكوِّن الجسد النصي للقصيدة، بما يكشف عن وعيٍ تركيبي لدى الشاعر في تنظيم مادته الشعرية، وتوزيع إيقاعها البصري والدلالي.
وهكذا يكون التصنيف النهائي لمقاطع القصيدة على النحو الآتي:
(5) – [(7 – 12 – 10) – (7 – 11 – 10)] – (5)
وهو توزيع لا يبدو اعتباطيًّا، بل يدل على قصدية فنية تسعى إلى تحقيق التوازن والانسجام في البناء الداخلي للقصيدة، بما ينسجم مع التصور البنائي والمنهج التأليفي لدى صاحب الديوان، ويتماشى مع رؤيته الجمالية.
وينعكس هذا التشكيل الهندسي الدقيق على منحَيَيْن بارزين:
المنحى الأول: مراعاة مبدأ البدء والانتهاء، أو الفتح والختم، وتحقيق التكامل بينهما أسلوبًا ومحتوىً، وتطويرا وصولا إلى القرار.
| البدء، في الصفحة (28) | الختم في الصفحة (35) |
| كون بسَّمْنا
بابُ الروحِ وشَرَعْنا شُراجَمها يَروج غربيّ المحبَّة في ركاني غملات |
وواش غيطرا گاع
إلا شَرَعْنا بابُ الروحِ وشَرَعْنا شراجَمها يروج غريبيّ المحبَّة في ركاني غملات |
فالتحول تحقق على مستويات:
ـ كان من التمنّي إلى الاستفهام الإنكاري الملزم بالتحقّق؛
ـ وكان من الفتح قليلا للباب: “بسمنا باب الروح” في مفتتح القصيدة، إلى الإشراع والاتساع الذي يتحقق في خاتمتها “شرعنا باب الروح”؛
ـ وكان انتقل من نوع الريح ودرجتها: “غربيُّ المحبّة”، إلى تحبيبها وترقيقها: “غريبي المحبة”؛
ـ وكان في القرار النهائي لكلا المقطعين، إذ ينتهى الأول على التمنّي، وينتهى الأخير على التحقّق والإنجاز الفعلي، بما يجعل الخاتمة استجابةً لما بشّر به الاستهلال، ويحقق بذلك وحدةً عضوية بين البدء والختم.
ومن تمَّ، فإن العناية بالافتتاح والاختتام في قصيدة «باب الروح» لا تبدو مجرد صنعة شكلية، بل تمثل اختيارًا بنائيًّا واعيًا، يُحكِم تماسك النص ويمنحه مسارًا دلاليًّا متدرجًا ينتقل بالقارئ من أفق الانتظار إلى أفق التحقّق، ومن الإمكان إلى الإنجاز، ومن التطلّع إلى بلوغ القرار.
المنحى الثاني: ويتمثل في الإطار العام الذي حكم القصيدة، إذ انتظمت القصيدة في ثمانية مقاطع، قسّمها نصفين متعادلين، نصف أول محكوم بالتمنّي (كون)، الذي يؤطر افتتاح جميع المقاطع الأربعة الأولى:
ـ “كُونْ بسّمْنا…”
ـ “كُونْ لگينا…”
ـ “كُونْ بسّمنا…”
ـ “كُونْ بسّمنا…”
ونصف ثان، محكوم بالاستفهام الإنكاري، الذي يؤطر فواتح جميع المقاطع الأربعة الأخيرة:
ـ “آش فيها؟”
ـ “وواش خسرنا؟”
ـ “وآاااش غايْطرا؟”
ـ “واش غيطرا گاع؟”
وبين التمنّي الذي تحكمه مشاعر الاستكانة والأحلام والاستسلام، والرضا بالواقع والخنوع، وبناء فضاءات داخلية مخملية، لا تغادر قفص النفس؛ وبين الاستفهام الإنكاري المقود بالاستنكار والرفض والدفع، والتطلع إلى تغيير الواقع، وتحريك نفسٍ تواقةٍ متطلعة إلى الأفضل، والإصرار على الوصول إليه مهما يكن الثمن.
وهكذا، فإن قصيدة «باب الروح» تُبنى على ثنائية واضحة:
بين التمنّي والاستفهام الإنكاري، بين الحلم والتغيير، بين الانكفاء الداخلي والانفتاح على الفعل الخارجي.
ومن خلال هذا التوتر الخلّاق بين هذه الثنائيات، ترسم القصيدة معالم رؤيتها الشعرية، وتخطّ مسارها الجمالي والفكري. ولا يقتصر أثر ذلك على القصيدة وحدها، بل يمتد إلى الديوان كله؛ ما دام قد اختار أن يحشر نفسه تحت عنوان “باب الريح”، وفيما حشرت فيه القصيدة نفسها.
خامسا الموت الذي يُعاش
بكل إيجاز يصوغ إدريس بن العطار عنوانًا لمجموعته الثالثة والأخيرة من الديوان: “عيش موتك” (ص 59)، فالرقم ثلاثة يكرّس المحطات الأساسية في الوجود: ولادة ـ عيش ـ موت، مركزا على تضييقها في مرحلتين: عيش وموت، وترتيب الأخيرة مغلقا بها باب الوجود، ومكرّسا لـ”باب الروح”.
ولعل الطريقة التي صيغ بها العنوان هي الصيغة الصحيحة منطقا وواقعا: “عيش موتك”. فأن تعيش الموت، وأن تتعايش معه، وأن تحياه، أمر وارد ومسلَّم به. وإذا غيرنا الصيغة بالقول “موت عيشك”، فذاك مما لا يصح لا منطقا ولا واقعا.
ولقد عاش الشاعر لحظات الموت وهو يتخطف معارفه، ويستلب أرواح أصدقائه، ويختلس وجوه الأعزة، واحدًا تلو الآخر، لست مرات، على الأقل، كما رصدها الديوان، ولمرات غيرها، ولا شك في ذلك، مما لم يرصده. ولكن حفل به واقع الشاعر، فما كل من نفقدهم نرثيهم، ولا كل من يرحلون عنا نملك الجرأة أو الوضع النفسي المناسب للبكاء عليهم. فقد لا نجد في أنفسنا فسحة تسمح لنا بأن ننسج رثائيات في حقهم، ولا مجرى دمع يسعفنا لنكتب بكائياتنا عليهم، ولا حرقة من أكبادنا تمهلنا كي ندوّن تأسفاتنا لفقدهم، ولا جمرةً ملتهبةً في صدورنا تبيح لنا البوح بأحزاننا عليهم.
وهكذا تبقى بعض الأحزان أعمق من أن تُقال، وأشد إيلامًا من أن تتحول إلى قصائد، لتغدو الكتابة نفسها اعترافًا بالعجز أمام فداحة الفقد، وصمتًا ناطقًا بما تعجز اللغة عن الإفصاح به.
وأكيد أن الشعر لم يكن قادرًا على استيعاب بكائيات الشاعر؛ إذ كان يضيق عن الاتساع لمراثيه، ولم يكن بمستطاع مجازاته أن تستر مضاضاته، ولا كانت تهويمات استعاراته قادرةً على احتواء فداحة فواجعه؛ ولا بإمكان نقاء عباراته أن يغسل أوجاع عواجل الآجال، التي اختطفت أحباءه.
وأمام عجز الشعر، استعان الشاعر بالنثر، فدوَّن في أعقاب كل قصيدة بكائية عباراتٍ مستفيضة، ترصد حاجز الموت، والفارق الذي يخلقه في وجه الشاعر، ومسافات البعد التي يمدها بأبعاده الثلاثة أمامه، فيحول بينه وبين التواصل المباشر مع من كان يحادثه حتى الأمس القريب، وربما حتى اللحظات القليلة المنصرمة.
فكان النثر، بذلك، مطيةً، تساعد على إيصال ما في النفس من فيضٍ حزين، وفسحةً كتابية لقول ما يغلفها من كآبة رمادية، وكأن الشعر قد عجز عن أداء هذه الوظيفة، على الرغم مما حُشر له من استعداد نفسي، ومن دفقٍ غامر للمشاعر، ومن إشراعٍ للدواخل، ومن لهيبٍ متطايرٍ للصدمة.
وتنتهي القصيدة، ولا تزال في النفس بقايا تثقلها، وأنغاص تقضها، وكوابيس توقظها، ومواجع تقلبها؛ فيلجأ الشاعر إلى النثر بما يمتاز به من بطلاقته وانفساحه، ويُسره وانفتاحه، وبلاغته وانهماره، فيكتب تحت عنوان كل قصيدة من قصائد المجموعة الست بكائيّة نثريّة، وببلاغةٍ مختلفة، وبيانٍ مغاير، يكمّل ما عجزت القصيدة عن البوح به، ويمنح الحزن مجالًا أوسع للتعبير عن ذاته.
فيقول تحت عنوان: “تأبط حرفًا وخرج”:
“من قرأ إبداع نجحاتك مصغيًا لترنُّم المعنى في فرحها، وحشرجة بكائها عند الحزن، يعرف مدى الفراغ الذي تركه غيابك في ساحتنا، أخي الماحي.. فلتنعم روحك في سكينة أبدية”. (ص 61)
وتحت عنوان: “صاحبي.. وصاحب گاع الناس” كتب:
“إلى روح صديق الزجل الأديب سعيد عاهد…”. (ص 70)
وتحت عنوان: “جات لخبار… يا صاحبي” قال:
“إلى عاشق الإبداع عمومًا، والزجل خصوصًا، الراحل بوعزة المقلاشي”. (ص 78)
وبعد عنوان: “مجنون هذ الميكرفون” أورد:
“مسودة مرتجلة إلى روح شهيد الميكرفون محسن أخريف”. (ص 88)
وعقب عنوان: “عودي… في الروى معگول” كتب:
“لروحك الرحمة والمغفرة، فأنت الأجدر بأن تكون كل الدورات باسمك
إلى روح فارس أحمر سي الطاهر وداد الخنفوفي “قايد السربة الحمرية الناصرية”. (ص 93)
وإثر عنوان: “المنذبة كبيرة والميت جار”:
“إلى شهداء وضحايا باب الشعبة بآسفي”. (ص 61)
وللقارئ أن ينعم بالبلاغتين وبالبيانين، الشعر والنثر ، الشعر المبادر والنثر المزاحم، الشعر الفياض والنثر المداخل. وكلٌّ منهما يرسم صورةً مختلفة، وينحت تفاصيل للوجع مغايرة؛ فلا. الشعر ينهيها، ولا النثر يغطيها. **ويسلِّم الشاعر نفسه، بعد استنفاد البلاغتين للحزن، يلوِّن صفحة روحه بألوان الصباح والمساء؛ ويصهر لحظاته تحت نيران الذكرى الحارقة، ويخفت بريق ارتباطاته بغشم سلب الأعزّاء، ويوهن سند اعتماداته بطعنات القدر الغادرة، ويهدم حصون تجمعاته المنيعةَ هادم اللذات المواظب.
وللشاعر أن يستعين باللغتين: العامية المغربية والفرنسية، وبالبلاغتين الشعرية والتقنية:
Teste teste
أيوه أيوه
واحد واحد واحد
بدءا وإنهاء، فتحا وختما، لعله يغلف أحزانه القاتمة بألوان اللغة المخاتلة، ويخفف سجف ضغوطاته الساحقه بخفة بلاغة التقنية الشفافة، ويزهي اضغاط غفواته المتقطعة بتقاطيع الميكروفون الزاهية.
للشاعر ان ينوع ويغير، ويغلف ويخفف، ويلون ويزهي، وان يفعل كل ما بمقدوره أن يفعله، ولكن ضربات الموت المتتالية أثقل من أن تخف، وطعناته الغائرة أقسى من ان ترأف، وجراحاته الداميه أوغر من أن تجف. ويبقى الحال عقيما، والموال عميقا، يتردد في ردهات الحياة، وينبع من أعماق الطفولة، ويتغلغل إلى مضارب الشيخوخة، دون أن يخف وقعه، ولا أن يتغير إيقاعه، وكأن الشاعر رضعه من حليب الأم وحنانها:
حلمة وريح
ملي كنت
بهمومك تصبي
ما كانوش
ولادك في قبي
كان بويا
اللي يجري ويطيح
وكانت أمي
شادة تسبيح
كانت تعدد بكيتها
قول تراري بشيتها
وكنت انا
موسد ركبتها
ونغزل ف حلمه
داها ليوم
ا
ل
ر
ي
ح (صص 18 ـ 19)
وللشاعر بن العطار، من خلال ما تم عرضه، أن يستثمر ما تتيحه كل لغة من إمكانات تعبيرية وإيحائية، وما تمنحه كل بلاغة من أفق جمالي خاص. وهكذا تتجاور في الديوان لغات متعددة، وتتساند أنماط بيانية متباينة، لتصب جميعها في مجرى واحد هو التعبير عن التجربة الإنسانية في أقصى حالات هشاشتها وصدقها.
إن هذا التعدد اللغوي والبياني لا يعكس مجرد تنويع شكلي أو رغبة في التجريب، وإنما يكشف عن وعي الشاعر بأن الحزن أوسع من أن يحتويه لسان واحد، وأن الفقد أعمق من أن تستوعبه بلاغة منفردة؛ لذلك كان لا بد من تضافر الشعر والنثر، والعامية والفرنسية، حتى تكتمل ملامح التجربة، ويجد الوجع منافذه المتعددة إلى القول.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي