التناص واللغة المجازية في (أنين الغيم) للأديب خلدون الدالي

ثابت محمد القوطاري*
(أنين الغيم) مجموعة قصصية للأديب خلدون محمد الدالي، تقع في (119 صفحة) من القطع المتوسط، صادرة عن مكتبة خالد بن الوليد- اليمن 2026م، وتحوي بين دفتيها (96 قصة قصيرة جداً).
القصة القصيرة جداً جنس أدبي حديث، يتميز بالإيجاز، وتعتمد على التركيز في الفكرة أو الحدث، والاقتصاد اللغوي، والتكثيف، وتترك للقارئ مساحة للتخيل، وتترك في نفسه تأثيراً عميقاً، وتأتي نهايتها مدهشة وغير متوقعة.

- العتبات في أنين الغيم
العتبات هي أول ما يواجه القارئ، وتقع عينه عليه، وتشير العتبات إلى العناصر النصية التي تسبق قصص المجموعة، فهي مفتاح من مفاتيحها، ومجموع العناصر التي تؤطرها، وتقدم مدخلاً لفهمها، وتشمل العتبات كلاً من:
1-عنوان المجموعة (أنين الغيم).
يعكس العنوان الرؤية العامة للمجموعة، ويكشف عن مضمونها، وسنجد أن العنوان هنا مكون من مضاف/أنينُ، ومضاف إليه/الغيمِ، والذي يفيد التعريف، وسنلاحظ هنا أن القاص قد أنسن الغيم، وأضاف له صفة من صفة الإنسان وهو الأنين، كما أن الأنين في اللغة: هو الصوت الصادر عن الألم أو الوجع، وهذا يجعلنا نتكهن بمضمون المجموعة، ونكتشف أنّها تحوي على قصص الوجع والمعاناة. والغيم: السحاب، وشدة العطش.
و(الأنين والغيم): تدلان على حالة الضعف والوهن.
ويحضر (الغيم) في بعض عناوين القصص مثل: قصة (موسيقى الغيم صـ59)، وقصة (رسم على الغيم صـ77)، وقصة (أسلاك الغيم صـ84)، وقصة (غيمة صـ87).
و(أنين الغيم) هو عنوان المجموعة القصصية، وليس قصة في متن المجموعة، كما جرت العادة عن كثير من الكتاب تسمية الكلِّ باسم الجزء، أي أن يختار عنوان قصة ما، ويجعله عنواناً للمجموعة بأكملها، فالعنوان هنا مبتكراً من خارج عناوين القصص الموجودة.
2-غلاف المجموعة.
صفحة زرقاء، بها لوحة للغيم وقد رسم لها ملامح العينين والفم، وهي تسكب المطر كشلالات من أعينها وأفواهها، كما أن ملامح الحزن والألم بادية عليها، وقد دعَّم الغلاف بعناصره المختلفة: اللون، والماء، واللوحة، عنوان المجموعة (أنين الغيم).
3-الإهداء، وكلمة الشكر والتقدير.
يعتبر الإهداء وما يتلوه من خطاب: مقدمة-كلمة شكر، مفتاحاً من مفاتيح المجموعة، ودلالة على الجو العام لها، وسنلاحظ أن الإهداء وما يتلوه يحمل الكثير من دلالة الألم، والأنين من خلال العبارات والجمل، حيث نجد المفردات الكاشفة للجو العام لهذه المجموعة على النحو التالي: خوفاً-يخبئون وجعهم-ابتسامة باهتة-أنهكها الانتظار-ضعفه-رماد الألم-أنيناً يشبهه (صـ4).
- نصوص المجموعة/القصص القصيرة جداً
تحوي هذه المجموعة (96 قصة قصيرة)، متنوعة، يمكننا المرور عليها على نحو سريع:
1-العنونة:
تأتي عناوين القصص في هذه المجموعة – في الغالب- مركبة من كلمتين: مضاف ومضاف إليه، وامتازت العنونة بمفارقات مدهشة، كما لو أن العنوان بحد ذاته قصة ونصاً مكثفاً ومختزلاً، ومن تلك العناوين المائزة والتي تكشف عن براعة الكاتب في اختيار الكلمات (على المستوى الرأسي)، والمزاوجة بينها (على المستوى الأفقي) وتكوين عناوين مدهشة، عناوين القصص التالية: سيمفونية الروح، أرجوحة الريح، صائد الألوان، نشيد الصمت، وشوشة الماء، سارق الدمع، قيامة الورق، موسيقى الغيم، غبار الوقت، مرايا الرصاص، غربة الياسمين، كسور ناعمة، هسيس الرماد، نصل الذاكرة، اتساع العدم، توقيع الظل، هاوية الماء.
هذه العناوين -وغيرها في المجموعة- تنزع نزعة رومانسية، يكسوها الحزن والألم والأنين، وتكشف-بالضرورة- عن مضامين القصص، ومحتواها، جاءت مجازية لتخلق الدهشة لدى القارئ.
2-الموضوعات
تناولت هذه المجموعة موضوعات مختلفة: إنسانية، واجتماعية، ووطنية، وسياسية.
نجد الوطن في (دروس في الانتماء صـ104) ذلك المحيط الذي يخنق الإنسان، حيث لا يتنفس الإنسان إلا خارج وطنه، ونجد الوطن ليس إلاَّ قفصاً فارغاً من معاني الحبِّ والإنسانية في (صراع صـ98)
ونجد معاني الإنسانية في (رصاصة الغياب صـ93) عندما نرفض أذية الآخرين، وقتل أحلامهم التي لا نعرف عنها شيئاً. نجد في المقابل خيانة الصديق لصديقه كما في (مأزق النجاة صـ89). نجد الألم والمعاناة كما في (غيمة صـ87) حين يكون الإنسان مشرداً في خيام النزوح، يحلم بعودة قد لا تتحقق.
يحضر الرقيب الاجتماعي والساسي ليكمم الأفواه ويكسر الأقلام كما في (الفراغ الأخير صـ72)، وعلى هذا النحو تسير قصص المجموعة متنوعة، مختلفة، تحمل قضايا متعددة، يكسوها الأنين والوجع، بلغة مجازية جميلة، تخلق لدى القارئ دهشة، وتترك في نفسه أثراً عميقاً.
3-التناص والتقارب
ويستحضر القاص خلدون الدالي عدد من النصوص والعناوين الأدبية المعاصرة له، ليضعنا أمام حوار النصوص والعناوين مع بعضها، على سبيل التناص، ليشير إلى تلك النصوص إشارة خفية، ويعطي نصوصه عمقاً تاريخياً وثقافياً، ويربط نصوصه بأخرى على سبيل الإحالة وإغناء الدلالة، وتقترب مجموعة (أنين الغيم) وتتناص في عنوانها مع مجموعة (جنوح الغيم 2010م) للأديب حاتم علي، وتتناص القصة (سيمفونية الروح صـ7)، مع عنوان المجموعة القصصية (الرقص على سيمفونية الألم 2010م) للأديبة انتصار السري، وتتناص القصة (وشوشة الماء صـ43) مع عنوان (وشوشة المحار 2020م) قصائد الهايكو للأديبة سكينة شجاع الدين.
وتتقارب بعض عناوين القصص مع أخرى في نفس المجموعة على نحو ما جده في: أرجوحة الريح/بائع الريح، موسيقى صامته/موسيقى الصمت، الفراغ الأخير/الخيط الأخير، هسيس الرماد/وشم الرماد، خارج الإطار/صورة بلا إطار، موسيقى الغيم/أسلاك الغيم، شظايا/تشظي، مرايا معطوبة/مرايا الرصاص، أقنعة الورق/جسد الورق، انعكاس مؤجل/طفولة مؤجلة، هذا التقارب والتداخل في العنونة لا يعني بالضرورة تشابه القصص وتقاطعها، فلكلِّ قصة موضوعها وفكرتها، ولغتها المجازية المختلفة.
4-نموذج من التناص واللغة المجازية
1-قصة (سيمفونية الروح صـ7)
” عزف أكثر
جاء الجنود
قالوا له: أنت تثيرهم.
كسروا الناي
كسروا أصابعه
قالوا له: اصمت.
ضحك.
نفخ في يده المكسورة
خرج صوتٌ. رقص الناس. أطلقوا عليه النار.
سقط، سمعوا الناي يعزف من صدره”
يتناص هذا المقطع من القصة، مع مقطع من قصيدة جبران خليل جبران، والذي يقول فيها:
كسروا الأقلام هل تكسيرها
يمنع الأيدي أن تنقش صخراً؟
قطعوا الأيدي هل تقطيعها
يمنع الأعين أن تنظر شزراً
أطفئوا الأعين هل إطفاؤها
يمنع الأنفاس أن تصعد زفراً
أخمدوا الأنفاس هذا جهدكم
وبه منجاتنا منكم وشكراً
فإلى جانب المجاز والتناص في هذا النص، نجد البُعد الاجتماعي، ونقد الرقيب السياسي، الذي يخمد أي شيء يحرك (الجمهور) حتى وإن كان هذا الشيء مسالماً مثل الأدب والفن.
في هذه القصة نجد (الفرد الفاعل): الفنان عازف الناي، ونجد (المجتمع): الناس الذين تجمعوا ليرقصوا ويضحكوا ويمارسوا حقهم الطبيعي، ونجد (السلطة السياسية): الجنود الذي كسروا الناي، وكسروا أصابعه، ومن ثم أطلقوا عليه الرصاص.
نجد (الأمل): حين سقط الفنان ميتاً، وسمعوا الناي يعزف من صدره، وكأن (فعل المقاومة) مستمرٌ رخم كل ذلك القمع، وأن الحياة تمضي قدماً في وجه الموت، ولا تقف عنده.
2-قصة (الفراغ الأخير صـ72)
“كتب قصيدة عن الحرية
فأغلقوا نافذته
كتب عن الحبِّ
فأغلقوا قلبه
كتب عن الصمت
فأغلقوا فمه
ثم قالوا: اكتب ما تشاء”
سنلاحظ في هذه القصة مجازاً لغوياً، وتضاداً ملفتاً، ففي الوقت الذي يتطلع الإنسان إلى الحرية ومعانيها، يتم إغلاق كلِّ طريق يؤدي إليها، وحين يتوق إلى الحبِّ ومشاعره يتم كسر قلبه، وحين يصمت فإن الصمت بحد ذاته جريمة يحاسب عليها. فنافذة الحرية مغلقة، والقلب مغلق عن الحب، والفم مغلق حتى عن الصمت، فمثل هذه المفارقات والمجازات تخلق دهشة عند القارئ، وتجعله يعيش الحدث، ويتعاطف مع الشخصية.
حسبي هذه الإشارات البسيطة، على سبيل تقديم المجموعة للقارئ، ليقرأ فيها عن معاني الإنسانية، والحب، والوطن، ويستمتع بمجازاتها اللغوية المشحونة، وتناصها مع كثير مما نقرأه في الأدب، وهذا لا يعني بالضرورة أن هذه المجموعة لا تحمل دلالات أخرى، بل هي مشحونة بالكثير من المضامين والدلالات والموضوعات، استطاع القاص أن يضعها بأسلوب مدهش ومتنوع.
ناقد من اليمن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي