
البداياتُ لمْ تنتهِ محمد الشحات
أَبَىَ أنْ يُغادِرَ مِقعدَه
وظلَّ يُقاومُ رغبتَه
لكىْ لا يعودُ لوحدتِهِ
تنفَّسَ منِ نسمةٍ
لمْ تزلْ تتكاثرُ كيَما تهزُّ مشَاعِرَهُ
رأىَ أنْ يميلَ لَهَا
وألاَّ يُقاومَهَا
فقدْ أجهدتْهُ مواجِعُهُ
فانتقَىَ دونَ أنْ يتمهّلَ
وجهًا ليلبسَه
وما إنْ خطا خُطوةً
كادَ يسبقُهُ
فأمسكَ خُطوتَه
واستدارَ
لعلَّ الرجوعَ إلىَ الخلفِ
يتيحُ لهُ أنْ يُبدِّلَ رحلتَهُ
رأىَ عندَ ناصيةِ الوقتِ
دقائِقَهُ
ولمْ تزلْ تتأرجَحُ
كىْ لا تواصِل رحلتَهَا
تلكئِهَا أربكَ الصَّمتَ
فأسِكتَهُ
وما إنْ تَلفَّتَ
حتَّى أتاهُ اليقينُ
بأنَّ البداياتِ
لمْ تنتهِ
فقاومَ رجفتَهُ
وأمسكَ سبحتَهُ
وما إنْ تسَاقطَت حبَّاتُهَا
حتَّى تراخى بداخِلِهِ الحزنُ
فحاولَ أنْ يُداهِنَه
ليتقيَ شرَّه .
***
أدركَ بأنَّ نهايَتَه
قدْ تأتِي
فتحامَلَ كي لا يبكِي
وتنفسَ كىْ لا يَغفُو
ويتوهُ كفتيانِ الكهفِ
فلا يَصحُو
لا يعرفُ كمْ لبثَ
وإنْ عرفَ
سيطلبُ منْ بعضٍ كانَ يُلازمُهُ
أنْ يهبطَ كىْ يأتيهِ برزقٍ
وليتلطَّفْ حتىَ لا ينهرُهُ المارَّةُ
لا تشكُ
كانَ يُحاولُ أنْ ينجُوَ
منْ أنيابِ الزَّمنِ
فقدْ أدركَ أنَّ الرحلةَ أتيةٌ
خارتْ كلُّ قواهُ
فإذا مَا استسْلَمَ
كىْ مَا يُسلِّمَ
حاولِ أنْ يتخلَّصَ منْ بعضِ مشاعِرِهِ
كىْ يمضي مُنفردًا
فانتبهَ لمَا كانَ يُزاحِمُه
وتجرَّدَ منْ رغبتِهِ كي يتجَلَّىَ
وتدلَّىَ
كىْ يقتربَ قليلاً
ممَّا كانَ ينامُ بداخِلِه
أقلقَهُ
ما كانَ يُحاولُ أنْ يعرفَهُ
عنْ سرِّ الأسراِر
وكيفَ تخرّ قُواه
ولا يبقىَ داخلَهُ
إلاَّ مَا يجعله يعيشُ قليلاً
فاذا مَا خفتَ الضَّوءُ
وانطفأتْ أنوارُ المِصباحِ
ووارىَ وتوارىَ
فسيُحاوِلُ أنْ يبدأَ رحلتَهُ .
***
ضاقَ بِهَا مِقعَدُهَا
وتمنَّتْ لوْ كانَ لهَا أنْ تَصحبَهُ
لتُسلِّىَ وحدَتَه
فقد اتَّفقَا ألاَّ يَفترِقَا
كيفَ لهَا أنْ تصحُوَ بعيونٍ
لا تنظرُ وجهَ رفيقٍ
هامَ بِهَا
وارتكنَ إلىَ أسوارِ الصَّدرِ
ونامَ بهِ
وتمنَّىَ أنْ يسكُنَ في حُجراتِ القَلبِ
وأسْكنَهَا في عينيهِ
فكيفَ لهَا أنْ تُكمِلَ رحلتَهَا
ورضيعٌ يحبُو في الكلماتِ
ويسأَلُهَا
هلْ عادَ أبِي ؟!
جلستْ في ركنٍ كانَ يميلُ لهُ
اشتَمَّتْ رائحةً كانتْ تأتيْ مِن مِقعدِهِ
وتساقَطَ جفنٌ كيمَا تَغفُوُ
فانْتبهَتْ
ورأتْ فيَما يبدوُ لليَقظانِ
عيوناً تَرُقبُهَا
تمسَحُ مَا كانَ يُحاولُ أنْ يُسقطَ منْ عينيْهَا
ارتجفَتْ وهِىَ تُحاولُ أنْ تُكبِتَ صوتًا
أوْ تسألُ
هلْ عُدتَ؟ّ
فرنَّ الصوتُ
أحنُّ إليكِ
فإنْ جئتَ
فلا تنسَ أنْ تمنَحَنا كلَّ القُبلاتِ
فقدْ جفتْ كلُّ ينابيعِي
ارتدَّ الصوتُ
تلاشَىَ
وتراقصَ ضوءُ الِمصبَاحِ
علىَ وجهٍ
كانَ يُحاولُ أنْ يخرُجَ مِن فوقِ الحائطِ
قالَ بعينهِ
كلامًا تعرفُهُ
كىْ تُكملَ ما كانَ يُحاولُ أنْ يُكملَهُ
ارتجَّتْ كلُّ مشاعِرِهَا
وتراقصَ في عينيهَا
بعضٌ ممَّا اقتَسَماهُ
فلا تصحُو إلاَّ حينَ
تُردِّدُ في حُجرتِهَا
هلْ عادَ أبي ؟
غابت كلُّ ملامِحِهَا
ولمْ تعرفْ كيفَ تُجيبُ
فغاصتْ في مقعدِهَا وبَكتْ .
شاعر من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي